"كل ليلة وليلة... وذاكرة الثلاثاء" !! د. تمام كيلاني

 

"كل ليلة وليلة... وذاكرة الثلاثاء" !!

 

د. تمام كيلاني*

 

لم تكن زيارتي الأخيرة إلى مشفى حلب الجامعي مروراً عابراً.  

كنت أحمل بين يدي أجهزة لقسم العينية، لكني في الحقيقة كنت أحمل اكثر من أربعين عاماً من الغربة على كتفي.

 

دخلت من الباب... فانفتحت الأبواب كلها.

 

أبواب لا تُنسى

تذكرت كل باب من أبواب قسم العينية.  

باب غرفة الفحص، باب غرفة العمليات، باب غرفتي ، باب الاستراحة.  

كل باب كان مزلاجاً على مرحلة من عمري.  

كنا نطرقها صباحاً بعجلة الطلاب، ونغلقها ليلاً بإرهاق المناوبين.

 

العتمة التي تعلمنا فيها النور

تذكرت الغرفة المظلمة لفحص المرضى.  

تلك العتمة المقدسة التي كنا ندخلها لكي نرى.  

فيها تعلمنا أن النور لا يُفهم إلا في مقابل الظلام.  

وأن تشخيص المرض يبدأ حين تُطفئ كل الأضواء إلا ضوء جهاز صغير، نسلطه على قاع عين إنسان.

 

ليالي المناوبة

تذكرت الغرفة التي كنا نقضي بها الليل ونحن في المناوبة.  

سرير حديد، إبريق شاي ، وكتاب "أمراض العين" مفتوح على صفحة لم نكملها.  

كنا نسهر لا خوفاً من المرض، بل خوفاً من أن يأتي مريض ولا نعرف كيف ننقذه.

 

أول وجه

تذكرت أول مريض شاهدته في أول يوم التحقت فيه بالمشفى.  

رجل كبير، يده ترتجف وهو يمسك ورقة الموعد.  

قال لي: "يا دكتور طمني".  

في تلك اللحظة فهمت أن الطب أمانة، وأن كلمة "دكتور" ثقيلة كالجبل.

 

الوجوه

تذكرت أساتذتي الذين علموني، وهم يمسكون يدنا فوق المشريط ويقولون: "هنا... بهدوء... انظر جيداً".  

تذكرت زملائي وزميلاتي، شركاء السهر والحلم.  

تذكرت كل عامل في القسم، من مسح الأرض قبل الفجر إلى من حضر القطن والشاش.  

هؤلاء هم الجنود المجهولون الذين بغيرهم لا يقوم لمشفى قائمة.

 

الثلاثاء الذي غير كل شيء

ولكن الذاكرة لا ترحم.  

غادرت مشفى حلب الجامعي يوم الثلاثاء 2 شباط 1982، متجهاً إلى دمشق لتقديم فحص اختصاص العينية.  

خرجت وفي قلبي يقين أني سأعود بعد أيام، بعد أن أنال الشهادة وأبدأ حياتي.

 

ومررت بمدينة حماة صباح الثلاثاء 2 شباط 1982.  

مكثت فيها حوالي نصف ساعة.  

كانت المدينة هادئة، جميلة، تتنفس عادياً.  

لم أكن أعلم أنني أودعها للمرة الأخيرة.  

لم أكن أعلم أن بعد ساعات قليلة ستبدأ مجزرة العصر، وتدمير هذه المدينة الجميلة على يدي سفاحي العصر حافظ ورفعت الأسد والأنظمة القمعية لهذه الدولة المجرمة.

 

خرجت من حماة... وبقيت حماة في داخلي جرحاً مفتوحاً.  

ومنذ ذلك الثلاثاء، صار لكل سفر معنى آخر.  

صار لكل وداع احتمال أن يكون أبدياً.

 

الفلسفة: بين 1971 و 2026

في عام 1971 كنا نحن ندخل كلية الطب.  

وفي نفس العام غنت أم كلثوم "كل ليلة وليلة".  

كانت تغني للشوق، وكنا نحن ندرس لكي لا يكون لمرضانا شوق إلى النور.

 

وفي عام 1982 غادرت.  

غادرت في "هجرة علمية" إلى فيينا. قلت: سنوات ونعود.  

لكن السنوات زادت عن الأربعين.  

سمها ما شئت: قدراً، غربة، اختباراً.  

أنا أسميها: "مغادرة قسرية طوعية" بدأت من حماة ولم تنتهِ إلا بعد ان هرب الاسد.

 

واليوم في 2026 عدت.  

عدت لا لأستعيد شبابي، بل لأستعيد دَيني.  

عدت وأنا أردد مع أم كلثوم:  

"صحيت المواجع فيّا... والشوق مجمع فيّا"

 

الخاتمة: العودة ليست جغرافيا

العودة ليست أن تطأ قدمك البلاط الذي مشيت عليه شاباً.  

العودة أن تعيد لهذا المكان ما أخذه الزمن منك.  

أن تعيد جهازاً، فكرة، تجربة، أملاً.

 

حلب علمتني أن أرى في الظلام.  

وحماة علمتني أن للوطن ثمناً يدفع بالدم.  

والآن دوري أن أترك مصباحاً موقداً لمن سيأتي بعدي.

 

فإن كانت الغربة قد طالت...  

فإن الوفاء لا يشيخ.  

وإن كانت المجازر قد هدمت مدناً...  

فإن الأطباء يبنون.

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية.

حماه / سوريا

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

الانحراف السردي ومضمراته الدلالية قصة "ليلة صمت لطوف"!

الانحراف السردي ومضمراته الدلالية قصة "ليلة صمت لطوف"!
بوابة دمشق

مريم تمر.. تقول ما لا يقال وتسكن وطنها دوح قصيدة! كوثر جعفر

مريم تمر.. تقول ما لا يقال وتسكن وطنها دوح قصيدة! كوثر جعفر
بوابة دمشق

شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني

شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

د. تمام كيلاني يزور مشفى جامعة حلب ويسلّم أجهزة طبية حديثة لدعم قسم العينية!

د. تمام كيلاني يزور مشفى جامعة حلب ويسلّم أجهزة طبية حديثة لدعم قسم العينية!
بوابة دمشق

غربتان في روايتي الأديب الراحل أحمد جميل الحسن! عمر محمد جمعة

غربتان في روايتي الأديب الراحل أحمد جميل الحسن! عمر محمد جمعة


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...