بائع الزهور ..!! عدنان لفته السماوي

بائع الزهور ..!! عدنان لفته السماوي

 

بائع الزهور ..!!

 

عدنان لفته السماوي*

 

في تلك اللحظة أدركت أنني أصبحت أسيرًا لمشاعري، وأن النسخة الأضعف مني ، قد استيقظت حين وقعت عيناي على ذلك الطفل، كنت داخل إحدى قاعات المكتبة المركزية منشغلًا بالتقاط الصور، عندما استوقفني مشهد لم يكن يشبه أي مشهد آخر لم يكن طفلًا فحسب، بل بدا كأنه ملاك أنهكه العالم قبل أن يعرف معنى الطفولة، وجه شاحب وجسد نحيل وعمر لا يتجاوز السابعة، وخلف عمود حجري مهترئ، وفي ركن غارق بالصمت بينما كان العالم في الخارج يضج بالحياة والضجيج، كان ذلك الجسد الصغير مستندًا إلى الحائط في استسلام كامل ورأسه مائل، وعيناه مغمضتان وفمه نصف مفتوح، في هيئة لا تشبه نوم الأطفال، بل تشبه الإغماء،، استسلامًا مريرًا لتعبٍ وجوعٍ أثقلا جسده الهزيل،كانت ثيابه البالية الممزقة تعجز عن ستر عظامه البارزة، تاركةً إياه فريسةً لبرودة الأرض وقسوة الحياة ، تدلّت من عنقه علبة خشبية قديمة، يتدلى بها حبل غاص في جلده الصغير ،كانت يومًا وسيلته الوحيدة لكسب قوته، لكنها اليوم لم تحمل سوى بقايا زهور البنفسج، لا لتروي حكاية جمال بل لتشهد على هزيمة طفل أمام سوقٍ لا يعرف الرحمة، أما أكثر ما مزقني، فكانت زهرة بنفسج صغيرة أفلتت من يده المرتخية واستقرت على الأرض الحجرية، كأنها آخر أحلامه التي سقطت بصمت تحت أقدام المارة، دون أن يلتفت إليها أحد ،كل شيء فيه كان يروي مأساة قدماه الحافيتان المتسختان، اللتان حملتا من المشقة ما لا تحتمله أقدام الرجال، وصمته الثقيل الذي كان أعلى من أي صرخة وكأن يجسد طفولة سُرقت منها البراءة، وعالمًا لا يمنح حتى الأطفال فرصةً ليحلموا بها، وفجأة قطع أحدهم شرودي وهو يناديني باسمي: — التقط صورة لهذه اللوحة . التفت مسرعًا فإذا بالمشهد الذي مزق قلبي لم يكن طفلًا حقيقيًا، بل لوحة للفنان الفرنسي الواقعي فرديناند بيليز، تحمل عنوان «الشهيد أبو بائع الزهور البنفسجية» غادرت المكان، لكنني لم أغادر اللوحة بقي ذلك الطفل يسير معي، يطارد أفكاري، ويترك في داخلي سؤالًا واحدًا لا يكف عن التكرار:

كم يحتاج الفقر من الوقت... ليسحق طفولةً كاملة؟

*كاتب وخرج عراقي.

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

غربتان في روايتي الأديب الراحل أحمد جميل الحسن! عمر محمد جمعة

غربتان في روايتي الأديب الراحل أحمد جميل الحسن! عمر محمد جمعة
بوابة دمشق

حماه بين أركيلة الليل وصوت الحريه ..!!د. تمام كيلاني

حماه بين أركيلة الليل وصوت الحريه ..!!د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

د. تمام كيلاني يقدم أجهزة طبية حديثة لقسم العينية في مشفى المواساة! روعة سنوبر

د. تمام كيلاني يقدم أجهزة طبية حديثة لقسم العينية في مشفى المواساة! روعة سنوبر
بوابة دمشق

سوريا ليست جواز سفر… سوريا وطن لا يُستبدل..!! د. تمام كيلاني

سوريا ليست جواز سفر… سوريا وطن لا يُستبدل..!! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...