ليلة القبض على "الذات"!
ليلة القبض على "الذات"!
أحمد علي هلال*
كثيراً ما كان العنوان بسلطته الأسرة إحالة دائمة إلى ما يشبه حياتنا ويكاد ينطق بها على نحو صريح، فمثلاً عنوان "ليلة القبض على فاطمة" كان أكثر إيحاءاً ودلالة، لجهة إغراءه بالسينما وللتلفزيون وذلك لزخمه الدرامي الذي سيشي بسياقات وافرة تحتاجها الرواية تالياً، انتباهاً لدلالته المتحركة.
ففاطمة التي قبضت عليها السينما ذات يوم في باريس ونجحت الفنانة فاتن حمامة بدورها في القبض على فاطمة في واحدة من أمثولات "القبض" ناهيك عن المسلسلات التي على ما يبدو قد فُتحت شهيتها لتناول ذلك الموضوع الأثير، والفيلم الذي كان بتوقيع المخرج اللبناني "هنري بركات" وكانت فاتن حمامة بطلته بوصفها رمزاً للقيم والحقيقة تضمن آنذاك نقداً لنمط من الناس الانتهازيين الذين ركبوا التيار فوصلوا إلى السلطة والمال، لكن اللافت في هذا السياق هو ذلك الجواب الذي قاله هنري بركات رداً على سؤاله: بعد القبض على فاطمة على من تنوي القبض؟ فكان أن أجاب: قد أقبض على نفسي.
إذاً يا لها من مهمة شاقة أن يقبض المرء على ذاته، وذلك سيبقى محكوماً بمفارقات لا نهائية لا سيما لكثافة تناولها الفلسفي، فثمة من يسافر في ذوات الآخرين ليكتشف ذاته، وثمة من يكتب إذا سُأل لمن تكتب فسيبادر للقول إنني أكتب لذاتي، شأن الروائي الإنكليزي "لورنس داريل" وما كان الفيلسوف الفرنسي "ميشيل فوكو" ببعيد عن تعبيرات القبض هذه، وفي اصطياده لأوهام الذات، لكنه في المدى الدرامي سوف نكتشف على مستوى الشعر مثلاً، كم قادت محاولات القبض على الذات في مستوى فجائعي سيبدو أكثر انتباهاً لمن يستقرئه، فمثلاً حادثة انتحار الشاعر خليل حاوي وإنهائه حياته على ذلك الشكل الذي ترك مجالاً كبيراً وخصباً لتأويلات وتكهنات والتي نجزم أنها إلى الآن لم تحسم!.
وفي جانب آخر عندما أصيب كافكا بالسل وعرف أن الموت يتربص به قال سأموت في وقت قريب ومن حقي أن أقول أنني مزقت نفسي، إن ذاتي والعالم يدمران جسدي في صراع لا حل له، وغالباً أن محاولات القبض على الذات، أي إعادة بعثها واكتشافها ما تظل مسار دهشتنا ودهشة من قبلنا من سياسيين وفلاسفة رأوا أن البحث عن الذات هو مغامرة ما بعدها مغامرة، فكأننا نجد هنا أن بحثه عن الذات هو كناية عن بحثهم عن الآخرين الذين فقدوهم، أو عن المجتمع الذي لم يتقبلهم.
فهل الذات هي ضوء الحب المختبئ في وجوهنا، وهل تيأس الذات في بحثها عن أرضها الضائعة يتساءل الشاعر أدونيس، ذلك السؤال المعرفي الطابع والشعري الهيئة ليُحيلنا إلى الشعر الحديث ومفارقات البحث عن الذات في "أسفاره الشعرية"، فمنهم من يتقيأ ذاته، وآخرون يعتبرونها نداً للعالم الذي ظلمها، فلا بد من رصاصة رحمة عليها، كما فعل الشاعر مايا كوفسكي حينما قال: سأنهي حفلتي الموسيقية الوداعية!.
وأطرف ما نعت به بعض الشعر الحديث من أنه شعر "هذروفي"، ربما تدلل هذه الحكاية القصيرة على واحدة من مفارقة الذات في ذلك الشعر، فقد حدث أن زار الأصمعي البصرة، فجاءه أحدهم وقال: أتسمح بأن أتلو عليك هذه القصيدة، فقال: اتلها، فتلى عليه "من الشعر الهذروفي" وإذا بالأصمعي يبكي لماذا تبكي قال لهم: يا قوم أليس لضيف في بلدكم حرمة، لو كان لي حرمة في بلدكم لم يجرؤ هذا أن يتلو عليّ مثل هذا الكلام، ثم سأله الشاعر نفسه، ما رأيك: قال أحسنت بأنك تقيأته وإلا لو أبقيته لأورثك السل.
فهل الذات دائماً على حق بوصفها الضائعة في دروب كثرت بها الظلال وتشابكت مساربها، ومن يجرؤ حقاً على أن يبحث عن ذاته ليكتشف أن العالم كله ما زال وراءها، وما زال ينتج لها في الوقت عينه مكائدها الطريفة.
*ناقد فلسطيني سوري/ دمشق.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
حين يتوقف الطبيب عن التعلّم… يبدأ المرض في التقدّم..!! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...