قلب مفتوح
قلب مفتوح
لطيفة محمد حسيب القاضي
ذات يوم بارد، كنت أجلس في البهو. والدي يرقد في الفراش. طلب الأطباء منه الراحة التامة بعد إجراء عملية للقلب المفتوح إثر جلطة في القلب.
الجو يزداد برودة كلما تقدمت الساعة في الليل. قمت بإشعال التدفئة لتعم الدفء البيت كله.
والدي نام بعدما أعطيته الأدوية المقررة له.
جهزت مشروبي الساخن لأجلس على الأريكة وأمد ساقي عليها .فتحت التلفاز لكي أرى أخر المستجدات في العالم الآن. مسكت الحَاكُومُ لأغير القنوات الإخبارية. تارة أرى مجازر واغتيالات، وتارة أخرى أرى أزمات ومجاعات تحدث في العالم. وفجأة شرد ذهني وتذكرت الصعوبات الصحية التي مر بها والدي في الأيام الماضية وقبل دخوله العملية، وخروجه منها حينها كانت حالته صعبة للغاية.
وفجأة، شرد ذهني وتذكرت الصعوبات الصحية التي مر بها والدي في الأيام الماضية .
أتذكر عندما ذهبت برفقة والدي لزيارة طبيب القلب في يوم مشمس والسماء صافية. لم أكن أعلم أن هذه الزيارة ستغير حياتنا. كانت كافة أمورنا تسير بشكل طبيعي. فقط كان والدي يعاني من بعض الأعراض البسيطة. لكننا لم نتوقع أن الطبيب يقرر له عملية جراحية خطيرة مثل عملية القلب المفتوح.
كان ذلك الخبر صادمًا لنا. فقلوبنا باتت تنبض بالقلق والخوف. تشخيص الطبيب كان قاسيًا وواضحًا. والدي يعاني من مشكلة خطيرة في القلب، والحل الوحيد كان إجراء عملية قلب مفتوح.
تذكرت حينها كيف ضبطت أنفاسي. كانت الكلمات تتلاشى في ذهني، وكأنني أجريت رحلة طويلة في ذهني المتوقد بالخبر. واستولى القلق على كل شبر من وجودي.
في ذلك الوقت العصيب والحاسم، رأيت وجه القوة والصمود والصبر في عيني والدي. يحمل في عينيه تفاؤلاً مريحًا لا يعرف اليأس، وفي الوقت نفسه يحمل رغبة حقيقية في التغلب على هذا التحدي العصيب.
لم يكن الأمر سهلاً. فقد كانت تلك العملية مجهولة المستقبل ومحفوفة بالمخاطر، ولكن كان هناك شيء واحد لم يفقد والدي الثقة فيه. وهو فريق الأطباء الذين سيتولون رعايته. كانوا يعملون بجد واجتهاد لتهيئة كل الظروف اللازمة لنجاح العملية. وهذا أعطاه القوة لمواجهة التحدي.
وبعد أن تمت الاستعدادات وجاء يوم العملية، وبعد ساعات طويلة من الجراحة المعقدة، كنت أجلس في غرفة الانتظار المشرقة والمملوءة بالهمسات والصمت الرهيب والتوتر. أعاني من الضغط النفسي وأخاف أن أفقده. حالتي كانت مزيجًا من الأسى والأمل. تتراقص الأفكار بلا رحمة في عقلي، وأصارع مخاوفي وتخيلاتي بين النجاح والفشل، بين الحياة والموت، بين السعادة والشقاء. أحاول جاهدًا أن آخذ نفسًا عميقًا لتهدئة انفعالاتي المتلاطمة كالموج الهائج.
أتذكر دفء حضن والدي والقلق والخوف قبل أن يدخل غرفة العمليات. أتساءل في صمت هل سيتمكن الأطباء من إصلاح قلب والدي المرهف؟ وأحاول استعادة الثقة بالله ثم بالأطباء وقدرتهم على إنقاذ أبي.
الزمن يمر ببطء شديد ويزداد انتظاري تعبًا، أتلمس أصابعي بشدة. أحاول أن أركز في أمور بسيطة لأشتت انتباهي وتفكيري عن الواقع الصعب الذي أعيشه وحدي. وقتها كنت أشعر بأنني أريد أن أرتمي في حضن أبي وأقول له:
- أرجوك لا تفارقني.. لا أستطيع أن أتخيل حياتي بدونك. كن قوي وأرجع لي بحنانك وعطفك واحتوائك لي.
كنت أريد أن أكون بجانبه لأشعر بالأمان في تلك اللحظات العصيبة. في هذه الساعات الثلاث التي كنت أنتظر خروج أبي من العملية، كان يجتاحني صراخ صامت. أتمنى أن أكون قوية لأتحمل أي نتيجة، ولكنني لا أستطيع التحكم في القدر.
انتظار طويل مرهق. اعتصرت صبراً.
انتهت الثلاث ساعات، وما أن يخرج الطبيب من غرفة العمليات بابتسامة وَجْه مشرق كإشراقة شمس الصباح، وكافتراش الشمس قلب السماء التي أدلت بجدائلها الذهبية خيوط أمل، وبنبرة صوت مريحة أشعرتني بارتياح لا مثيل له. تتسرب الدموع من عيني، ولكن هذه المرة دموع الفرح.
الطبيب يبتسم قائلًا: "مبروك نجاح العملية، والراحة التامة للمريض."
فقلت له بكل فرحة: "شكراً لك ولطاقم الطبي."
انقلبت مشاعري رأساً على عقب، امتلأ قلبي بالامتنان والتقدير، وأشعر براحة عميقة بعد طول عناء وانتظار وصبر. تمتلكني سعادة الدنيا كلها.
أعلم أن الطريق للشفاء لا يزال طويلاً ومجهداً، وأن والدي يحتاج للدعم المستمر، ولكنني أشعر بالأمل وفرصة كبيرة للمستقبل.
الفرحة كانت كثيرة عليّ. ارتفعت نبضات قلبي تصرخ بالفرحة، وعيناي توسعتا وازدادتا بريقاً مشرقاً. امتلأ وجهي بابتسامة عريضة تعكس هنائي الداخلي. أصبح العالم من حولي مليئاً بالجمال والمفاجآت السارة. كانت لحظة خروج الطبيب من العملية وهو يزف لي خبر نجاح من أجمل لحظات عمري.
لحظات وخرج أبي من غرفة العمليات نائمًا إثر تأثير التخدير العام. مشيت بجانب السرير المتحرك الذي سينقله إلى الغرفة الخاصة بالعناية المركزة. بالفعل وصل إلى الغرفة، ونقلوه على السرير الثابت. جلست أنتظره حتى يفيق من أثر التخدير.
والدي الذي يتميز بملامح تعكس رحلته الطويلة في الحياة والتحديات الصحية التي واجهها. كان لون وجهه شاحبًا قليلاً. لديه تجاعيد وخطوط عميقة على وجهه. تبدو على وجهه علامات القلق والتعب. شعره قصير لونه رمادي. هيئته نحيلة. عيناه مغلقتان، ولكن تعكسان الإيمان والأمل بالشفاء.
انتظرت ساعتين. وبدأ والدي بالإفاقة قليلاً.. قليلاً. أفاق أخيرًا. قلت له وأنا مليئة بالسعادة:
-الحمد لله على سلامتك، والدي. لقد نجحت العملية.
فرح كثيرًا وتكلم بصوت منخفض:
-الحمد لله على كل حال. إن كان لي في الدنيا حظ، فهو وجودك معي. فبك، يا ابنتي، أيقنت أنني أملك من الحظ أجمله. ومعك أدركت أنك أجمل ما في الحياة، ولا أريد من الدنيا شيئًا. أعترف أنني أخذت نصيبي من الفرح منذ ولادتك.
رأيت فيك كل ما تتمناه نفسي.
عندما سمعت هذه الكلمات من والدي، زادت سعادتي ضعفين. ورجوت الله أن يديم أبي دائمًا بصحة وعافية، فهو كل ما لي في هذه الحياة.
وبعد مرور فترة على إجراء عملية القلب المفتوح، أصبح والدي وجهه ينبض بالسعادة، كأنه حصل على فرصة جديدة في الحياة. كانت الدموع تملأ عينيه، ولكن هذه المرة كانت دموع الفرح. لقد قدمت له الدعم الذي يحتاجه وساعدته في استعادة قوته. وخلال هذه الفترة، قمت بمشاركته اللحظات الجميلة - نمشي معًا في حديقة المنزل ونستمتع بروائح الزهور وصوت الطيور المغردة، نتحدث ونضحك معًا. ومع مرور الوقت، بدأ والدي يستعيد قوته وعافيته، فازدهر بشكل مدهش وعاد لممارسة هواياته المفضلة كفنان تشكيلي يرسم لوحاته الفنية.
بدأ في رسم أول لوحة بعد امتثاله للشفاء، فسألته بكل سعادة:
- ما موضوع اللوحة التي تريد البدء بها، والدي الغالي؟
أجاب وهو في حالة من السعادة العارمة
- أريد أن أرسم لوحة عن المعاناة في الحياة والصبر الذي يساعد على زوال كل معاناة. واتخذت من نبتة الصبار مثلاً راسخًا للعمق الوجداني. سأرسم نبتة الصبار وحولها مدينة عامرة بالسكان.
سألته عن اختياره لنبتة الصبار
-هل تعتبر رسمك لنبتة الصبار خروجًا عن المألوف؟
-اعتبرها لوحة معبّرة عن معاناتي التي مررت بها أثناء فترة المرض ورحلة الشفاء، واتخذت شجرة الصبر للتعبير عن المعاناة. نبتة الصبار تعبر عن الصمت والصمود.
مرت أشهر على شفاء والدي، واستعاد حياته العادية وقام بزيارة أصدقائه والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية. كانت رحلة التعافي لوالدي محفزة للجميع، وقدمت الأمل والقوة في التغلب على تحديات الحياة.
وأخيرًا، أودّ أن أقول لك، يا والدي:
- لقد مررنا بأيام عصيبة جدًا وكنت فيها أخشى يا والدي حزنك جدًا. أخشى أن يؤلمك قلبك وأنا لا أعلم. وأن أضحك في وقت بكائك. أخشى أن تبكي ولا أكون بجانبك. وألا تستطيع النوم وأنا نائمة. أخشى حزنك جدًا وأعلم أنه لا يمكنني أخذ حزنك أو أحمل همك. أنا أدعو لك دائمًا.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
مع د. نادر الصيرفي.. أمير نصيف: "ارجعوا إلى لائحة 1938.. لائحة ممتازة وأفضل من مشروع القانون"
يشرق الصباح للشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
قصيدة شمير للشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...