"متاهات".. حين يصبح السؤال أكثر قيمة من الجواب! ماجد القيسي

"متاهات".. حين يصبح السؤال أكثر قيمة من الجواب!

 

ماجد القيسي*


ق.ق.ج.
كتب نصوصاً تُحرِج اليقين، زرع الدهشة في أرض الحكاية. حين استعصى عليه فتح العقول المحصنة.. سأل الصحراء عن المفتاح، همست له الريح أن السر مكتوب على وجه الرمال.
قصة حسن لختام.

 
ليست كل القصص القصيرة جدًا تُقرأ في لحظة وتنتهي في لحظتها. هناك نصوص قليلة، على قصرها، تترك القارئ واقفًا أمامها كأنه يبحث عن باب خفي. هذا ما شعرت به وأنا أقرأ "متاهات" لحسن لختام. لم أتعجل المرور على عباراتها، لأن النص بدا لي وكأنه يدعوني إلى الإصغاء أكثر مما يدعوني إلى الفهم السريع..
يفتتح الكاتب قصته بعبارة لافتة:
"كتب نصوصًا تُحرِج اليقين". لم يقل إنه كتب نصوصًا تعارض اليقين أو تهدمه، بل تُحرجه. والفارق كبير. فالإحراج هنا ليس هجومًا، بل دفعٌ للعقل كي يعيد النظر فيما اعتاد أن يعدّه حقيقة نهائية. إنها كتابة تراهن على السؤال قبل أن تراهن على الإجابة، وعلى الدهشة قبل الاقتناع.
ثم تأتي الجملة التالية: "زرع الدهشة في أرض الحكاية." أعجبتني هذه الصورة لأنها تمنح الكتابة وظيفة مختلفة؛ فالدهشة لا تُلقى في وجه القارئ، بل تُزرع كما تُزرع البذور. وقد لا تنبت في اللحظة نفسها، لكنها تبقى كامنة حتى تجد تربة مناسبة داخل القارئ. وهذا ما يفعله الأدب الصادق غالبًا؛ يغادر الصفحة، لكنه لا يغادر الذاكرة..
غير أن النص ينعطف إلى منطقة أكثر عمقًا عندما يعترف بأن فتح "العقول المحصنة" لم يكن ممكنًا. هنا يتجاوز الكاتب الحديث عن شخص واحد إلى حالة إنسانية نعيشها جميعًا. كم مرة حاولنا أن نشرح فكرة، أو نناقش رأيًا، أو نفتح نافذة للحوار، فاكتشفنا أن المشكلة ليست في وضوح الكلمات، بل في استعداد الآخر لأن يسمع؟ أليست أكثر العقول انغلاقًا هي تلك التي تظن أنها لم تعد بحاجة إلى سؤال؟
ومن أجمل اختيارات الكاتب أنه لم يبحث عن المفتاح بين الناس، بل ذهب إلى الصحراء. بدت لي الصحراء هنا أكثر من مكان؛ إنها فضاء للتجرد، حيث تسقط الضوضاء ولا يبقى إلا الإنسان في مواجهة نفسه. أما الريح، فهي ذلك الصوت الخافت الذي لا يسمعه إلا من تعب من الصخب. وعندما تهمس بأن "السر مكتوب على وجه الرمال"، فإنها لا تقدم حقيقة نهائية، بل تفتح باب التأويل على مصراعيه..
الرمال تحتفظ بالأثر لحظة، ثم تمحوه. ومع ذلك لا تتوقف الأقدام عن السير فوقها. ربما أراد الكاتب أن يقول إن الحقيقة ليست نقشًا على حجر، بل أثرًا يتجدد مع كل قراءة، ومع كل تجربة، ومع كل إنسان يمر من هذا الطريق. وربما أراد شيئًا آخر تمامًا، وهذا من جمال النص؛ أنه لا يصادر حق القارئ في اكتشاف معناه..
فنيًا، تقوم القصة على اقتصاد لغوي واضح. لا توجد كلمة زائدة، ولا استعارة جاءت لتزيين العبارة فقط. كل جملة تدفع السرد خطوة إلى الأمام حتى تبلغ النهاية التي تبدو هادئة في ظاهرها، لكنها تترك خلفها مساحة واسعة من الأسئلة. وهذا أحد أسرار القصة القصيرة جدًا؛ أن يكون حجمها صغيرًا، بينما يظل صداها أكبر من عدد كلماتها..
خرجت من النص وأنا أفكر في أمر بسيط: ربما لا تكون مهمة الكاتب أن يغيّر العقول كلها، فهذا رهان يكاد يكون مستحيلًا. يكفيه أن يوقظ سؤالًا واحدًا في عقل كان يظن أنه امتلك كل الإجابات. فالبدايات الكبرى كثيرًا ما تبدأ بسؤال صغير، وبهمسة عابرة، وبأثر تتركه الريح على وجه الرمال.

 

*كاتب عراقي.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

تأملات في رسالة الحب والعدم للشاعر الاردني د. محمد سليط! طه دخل الله عبد الرحمن

تأملات في رسالة الحب والعدم للشاعر الاردني د. محمد سليط! طه دخل الله عبد الرحمن
الثقافة والأدب

قراءة في قصيدة حسن أجبوه الموسومة" الآن بدأت حكم العالم"..!!عبد الغفور مغوار

قراءة في قصيدة حسن أجبوه الموسومة" الآن بدأت حكم العالم"..!!عبد الغفور مغوار
الثقافة والأدب

قراءة حضارية في ضوء تحديات العامية والتغريب – للدكتور مصطفى عطية ..!! طه عبد الرحمن

قراءة حضارية في ضوء تحديات العامية والتغريب – للدكتور مصطفى عطية ..!! طه عبد الرحمن
الثقافة والأدب

رحيل إبراهيم الأخرس.. انطفاء وتر الرقة الأصيل!!

رحيل إبراهيم الأخرس.. انطفاء وتر الرقة الأصيل!!
الثقافة والأدب

قراءة لقصيدة – مراسم الفقد – للأستاذ الشاعر طاهر ..!! طه عبد الرحمن

قراءة لقصيدة – مراسم الفقد – للأستاذ الشاعر طاهر ..!! طه عبد الرحمن
الثقافة والأدب

د. منصور إسكوديرو.. من رحلة البحث عن المعنى إلى بناء الحضور الإسلامي في إسبانيا!

د. منصور إسكوديرو.. من رحلة البحث عن المعنى إلى بناء الحضور الإسلامي في إسبانيا!


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...