قراءة حضارية في ضوء تحديات العامية والتغريب – للدكتور مصطفى عطية ..!! طه عبد الرحمن

قراءة حضارية في ضوء تحديات العامية والتغريب – للدكتور مصطفى عطية ..!! طه عبد الرحمن

قراءة - واقع العربية الفصحى في عالمنا العربي: قراءة حضارية في ضوء تحديات العامية والتغريب – للدكتور مصطفى عطية..!!

 

طه عبد الرحمن*

 

 

مملكة المعنى وسياج الروح: دفاعًا عن الفصحى بوصفها مشروع وجود

لا أكتبُ هذه السطورَ ردًا، بل هي امتدادٌ في أرضٍ حرثها الدكتور مصطفى عطية جمعة فأخصبت، وأضاء فيها مصابيحَ كشفَتْ تضاريسَ معركةٍ لا تُخاضُ بالسلاح، بل تُخاضُ بالوعي أو تُهزَمُ بالغفلة. إنه نصٌّ لا يُقرَأُ على عجل، ولا يُتأمَّلُ بعينٍ عابرة؛ ذلك أنه لا يطرق بابَ اللغة من خارجها، بل يُقيم في قلبها، ويُمسك بأعصابها الممتدة في شرايين الحضارة، ليقول لنا في هدوء العالِم ولهيب الغيور: إن المسألة اللغوية ليست مسألة ألفاظٍ وقواعد، بل هي مسألة وجود، وإن الرهان على الفصحى ليس ترفًا أدبيًا، بل هو رهانٌ على استمرار أمةٍ في التاريخ، أو انقطاعِها عن نبضِ ذاتها.

إن اللحظةَ الأولى التي تستوقف القارئ في طرح الدكتور جمعة، وتجبره على التوقف طويلًا، هي تلك التي يُحوِّل فيها اللغةَ من "أداةٍ" إلى "عالم". فاللغة، كما يتصورها السطحيون، وسيلةٌ محايدة، كالإناء يُفرَّغ فيه أي معنى، ويُمكن استبدالُها بغيرها متى شئنا، دون أن يمسَّ ذلك جوهرَ ما نحمله من فكر. وهنا تكمن الغفلة الكبرى التي ينسفها الكاتب من جذورها. إن لغتنا ليست مجرد أصواتٍ ورموز، بل هي - كما يشير بقوة - "مرآةٌ" لا تعكسُ الواقعَ وحده، بل تُشكِّلُ نسيجَه. إنها الذاكرةُ الحضاريةُ المتجسِّدةُ في ألفاظ، والتجربةُ الروحيةُ المتلبِّسةُ بتراكيب، والمذهبُ الفكريُّ المتخفِّي في استعاراتٍ وكنايات. إن المتكلم بالعربية الفصحى لا "يستخدم" لغةً فحسب، بل هو يُفَعِّلُ في ذهنه وروحه رصيدًا هائلًا من الرؤى والتصورات والقيم التي ترسَّبت عبر قرون، والتي جعلت من كلمة "رحمة" مثلًا غير "Mercy"، وجعلت من "علم" غير "Science"، لأن وراء كل لفظةٍ ظلالًا دلاليةً ممتدةً في قرآنٍ، أو حديث، أو بيتِ شعرٍ جاهلي، أو موقفٍ صوفي. من هنا، يصبح الحديث عن إماتة الفصحى - كما فعل دعاة التغريب والمستشرقون- حديثًا لا عن إحلال لغة محل لغة، بل عن إحلال "عالَمٍ" محل "عالَم"، واستئصالِ "ذاتٍ جمعية" لتحل محلها ذاتٌ مصطنَعةٌ هجينة، بلا جذور.

وإذا كان الطرح قد بلغ هذا العمق في ربط اللغة بالذات، فإنه ينتقل إلى ذروةٍ أشد تعقيدًا حين يؤسس لمراتب اللغات في الميزان الحضاري، متفاديًا ببراعة فخَّي العنصرية والتفوق العرقي اللذين سقط فيهما آخرون. إنه لا يصنف اللغات انطلاقًا من جينات المتكلمين أو شكل جماجمهم، بل انطلاقًا من أثر الحضارة وفعلها التراكمي في بنية اللغة ذاتها. وهذا مكمنُ عبقريةِ التحليل: ليست العربيةُ عظيمةً لأن العرب عنصرٌ مختار، بل لأن هذه اللغة كانت وعاءً لحضارةٍ كبرى، سلخت من عمرها أحقابًا وهي تنحت في الصخر اللغوي الخام كي تخلق ألفاظًا للفلسفة والطب والفلك والتصوف والغزل، بينما انشغلت غيرها من اللغات المحلية بدورة الحياة اليومية الضيقة. إن هذا المنظور يمنحنا تفسيرًا مدهشًا للصراع القائم؛ فليست الدعوة إلى العامية محضَ دعوةٍ بريئة لتقريب العلم من العامة، بل هي - في العمق- اعترافٌ ضمنيٌّ، أو إعلانٌ صريح، بالخروج من دورة التاريخ الحضاري الكبرى، وقبولٌ بأن نكون مجتمعًا من مجتمعات المرتبة الدنيا التي تكتفي من اللغة بوظيفتها البيولوجية: التواصل من أجل العيش، لا التواصل من أجل إنتاج المعنى الرفيع.

وهنا، في هذه النقطة الحرجة، يتكشَّفُ الوجهُ الآخر لعمق الدكتور جمعة، حين يتجاوز ثنائية "فصحى ضد عامية" التي يسجن فيها الكثيرون أنفسهم. إنه يرتقي إلى مستوى الرؤية الحضارية الشاملة للمأثور اللغوي، فيصنع مصالحةً نادرة بين روح العالم وروح الفنان. إن احتضانَه للتراث الشعبي والعامي ليس ضعفًا أو تراجعًا، بل هو قمة القوة والثقة بالنفس الحضارية. إنه يعلم أن الحضارة الحية ليست نهرًا واحدًا، بل هي أنهارٌ وروافدُ وسيول، وأن الشعب وهو يغني ويروي حكاياته ويخترع أمثاله، إنما يمارس فعلَ إبداعٍ أوليًا، يَصدُر عن وجدانٍ غضٍّ لم تلوثه عُقَدُ الازدواجية. ولكنه، في الوقت نفسه، يُبقي على القانون الحديدي: تبقى الفصحى هي "العاصمة" التي تتجه إليها كل الطرق، وهي "القناة الجامعة" التي تتدفق فيها كل الروافد، لأنها وحدها القادرة على تحويل هذا الموروث الخام إلى طاقة رمزية ضمن بناء حضاري شامل، يقرؤه القاصي والداني، ويُترجَم إلى كل لسان. أي محاولة لإغراق الفصحى في بحر العاميات هي، في هذا السياق، إغراقٌ للحضارة كلها في بحر من الجزر اللغوية المتناثرة العاجزة عن بناء جسر إلى العالم أو إلى تاريخها ذاته.

أما الأوج الذي يرتفع إليه النص، والذي لا يمكن لقارئ متأمل أن يتجاوزه، فهو تلك اللحظة الفلسفية الخالصة التي يتناول فيها علاقة اللغة بالفكر، ليقول لنا بصريح العبارة: إن اللغة ليست ثوب الفكرة، بل هي جسدها وروحها معًا. إن المتكلم بالعامية الضيقة يفكّر ضمن حدود قاموسها، وتصوراتِ بيئتها المباشرة، بينما المتكلم بالفصحى يستحضر، شاء أم أبى، كل "الكون الصغير" الذي أشار إليه علماء اللغة. إنها ليست مسألة ثراءٍ معجمي فحسب، بل هي مسألة بنية عقلية. اللغة العربية، بنظامها الاشتقاقي العبقري، وبمرونتها التركيبية، وبقدرتها الهائلة على توليد المعاني من جذر واحد، تخلق في عقل متكلمها نمطًا من التفكير العلائقي الشبكي، الذي يرى صلاتٍ خفية بين الأشياء. أما قَصْرُ التعبير على لغة يومية هزيلة، فهو تقزيمٌ للعقل ليتسع فقط للاستهلاك والطلب والأوامر المباشرة. إنه، بكل وضوح، مشروع لإنتاج إنسان أحادي البعد، سهلِ التطويع، مقطوعِ الصلة بأسئلة الوجود الكبرى التي لا يمكن صياغتُها إلا بلغةٍ خبرت أعماقَ الروح الإنسانية وصعدت إلى سماء التجريد.

وإذا كنا نلتمس أثرًا للبلاغة في هذا المسعى، فليست هي بلاغةَ الزخرف اللفظي المحض، بل بلاغةُ الفكرة حين تلبس ثوبها الوحيد الممكن. إن نص الدكتور جمعة هو نفسه تجسيدٌ حيٌّ لأطروحته؛ فهو يكتب بالفصحى، لا لكونها فرضًا أكاديميًا، بل لأن الموضوع ذاته لا يمكن أن يُقال بغيرها. إن دقته في رسم الحدود بين "الحضارة" و"المدنية"، وبين "اللغة الحضارية" و"اللغة المحلية"، ليست ترَفًا منهجيًا، بل هي عين المعركة؛ ففي هذه الفروق الدقيقة يسكن الشيطان دعاةِ التغريب، وحين نضبط مصطلحاتنا نكشف تمويههم. إنها كتابةٌ تنهج نهج الجيوش في معركة فاصلة، حيث كل كلمةٍ جندي، وكل فقرةٍ كتيبة، وكل استشهادٍ مدفعيةٌ ثقيلة تنسف تحصينات الخصم، دون أن تفقد شيئًا من رهافة حس المبدع الذي يعرف أن اللغة، في نهاية المطاف، ليست سلاحًا، بل هي الوطن الذي ندافع عنه.

إن هذا النص، في أعماقه، يتجاوز الأكاديميا إلى النبوءة. إنه يحذرنا، بكل هذا الصخب المنهجي الهادئ، من أن الأمم لا تموت حين تُغلَب في ساحات القتال وحدها، بل تموت، بشكل أعمق وأقسى، حين تفقد لغتها الحضارية، وحين يصبح أبناؤها يتكلمون، بألسنتهم، روحَ غيرهم. إن الدفاع عن الفصحى، في ضوء ما كتبه الدكتور مصطفى عطية جمعة، ليس حنينًا إلى الماضي، بل هو شرطُ المستقبل. إنه إصرارٌ عنيد على أن نكون جزءًا من صيرورة التاريخ، لا مجرد هامشٍ يُستهلك فيه ما تنتجه عقولٌ أخرى، بلغاتها هي، وعوالمها هي. إن الفصحى مشروعُ وجود، وسياجُ الروح الأخير، وحين نسلم بها، لا نكون قد خسرنا معركة أدبية، بل نكون قد وقعنا على وثيقة إنهاء كينونتنا الحضارية، بصفتنا أصحاب رسالة، لا مجرد سكان بقعة من الأرض. 

طه دخل الله عبد الرحمن 

البعنه == الجليل 

20/07/2026 

******************* 

القراءة: 

"واقع العربية الفصحى في عالمنا العربي: قراءة حضارية في ضوء تحديات العامية والتغريب"

                                                        د.مصطفى عطية جمعة 

رغم أن اللغة عنصر مستقل للتواصل بين أبناء الجماعة اللغوية الواحدة، فإنها تصبح عنصرا حضاريا، عندما تحمل ألفاظها وتعبيراتها دلالات مستقاة من مرجعيتها الثقافية، وتجربتها الحضارية، ورسوخها الاجتماعي، وساعتها تتمكن في الأذهان والألسنة والأفئدة، ومن ثم تصبح اللغة أداة حضارية، وتكون سببا، ووسيلة، وغاية، في مواجهة أي غزو فكري أو استعماري. 

اللغة مرآة حضارية:

يمكننا أن نصف اللغة العربية بأنها لغة حضارية في المقام الأول، و"اللغة الحضارية" وفق تعريف إبراهيم السامرائي هي: اللغة التي سلخت من عمرها أحقابا طويلة، فكانت مرآة لأدب قويم عال، وفكر ثاقب متفاعل، وهذا يعني في المنطق اللغوي أن تشتمل على ألفاظ كثيرة شاملة لمدلولات كثيرة، تعبّر عن حاجات مختلفة عرضت للناس في مختلف العصور([1]).

   فاصطلاح "اللغة الحضارية" يعني في المقابل أن هناك لغات غير حضارية، فنعت اللغة بأنها حضارية، يشير إلى رحلة زمنية وتاريخية مع الحضارة، أثمرت تفاعلات أدبية وفكرية، وإثراءً لقاموسها اللغوي، الذي سيعبر عن حاجات الناس، وتطور حياتهم وعمرانهم وعلومهم وفنونهم حضاريا، وسيترجم كل هذا في مفردات وتعبيرات، تمتاح من الجذور اللغوية الأصلية للغة، وتضيف عليها ما تستعيره من اللغات الأخرى، وعلى قدر ثراء الحضارة تُثرى اللغة.

   وهنا سيكون السؤال: ما العناصر الحضارية المؤثرة لغويا؟

والجواب أنها: التجربة الروحية، والمذهب الفكري، والأداة في يد الصانع، كلُّ ذلك من عناصر الحضارة؛ فالمذهب والتجربة تراث، والأداة والآلة من قبيل المدنية، والجانب النفعي من كل أولئك مدني، وكلا الجانبين ينتهي إلى مفهوم الحضارة. والثقافة حضارة مصغرة، فهي جزء من كل، فثقافة المجتمع جزء من حضارته، ولكل حضارة إطارها الروحي والفكري ومظهرها المادي، وهذا المظهر المادي يعرف باسم المدنية، أما الثقافة فيغلب عليها عنصرا الروح والفكر([2]).

   فالحضارة حاوية للثقافة بمكوناتها اللامادية، وهي تتسع أيضا لتشمل المدنية، بما تدل عليه من نشاط مادي، ومعرفة تطبيقية، فهي تشمل كل ما ينطوي عليه الكيان الاجتماعي من مبادئ الدين والسياسة والاقتصاد والأخلاق والثقافة، أما المدنية فتعبر عما حققه الإنسان في واقع الحياة من خبرات عملية. فالحضارة إن لم تؤدِ إلى تطوير معيشة الإنسان، وتحقيق مستوى من الرفاهية له؛ تصبح مجرد علوم نظرية، غير مؤثرة. فالمدنية هي الوجه العاكس للتقدم الحضاري ماديا، مثلما أن اللغة تعكس التقدم الحضاري والثقافي بكافة أوجهه؛ وهو السبب الذي دفع "أحمد أبو زيد" إلى نعته للغة بوصفها قصةً حضارية، يقول: "قصة اللغة هي قصة الحضارة الإنسانية، والحضارة لا تنعكس بوضوح في شيء مثلما تنعكس في الكلام واللغة، ويذهب بعض الكتّاب إلى القول بأن كل ما يظهر في لغة مجتمع من المجتمعات من نقص أو قصور، هو دليل قاطع على مدى تخلف ذلك المجتمع، في ركب الحضارة. فالخبرة الإنسانية المتراكمة على مدى الزمان تنعكس في اللغة، وتجد تعبيرا لها فيها، سواء اتخذ ذلك شكل الكلام العادي أو الكتابة المعروفة أو الرسوم أو النقوش التصويرية... أو حتى في الإنجازات الفنية المختلفة من معمارية أو موسيقية أو حركية، كالرقص والتمثيل الصامت، ما دامت كلها تترجم في آخر الأمر، إلى ألفاظ وتصورات ومفهومات ومشاعر... واللغة حتى في معناها الضيق الرقيق.. يصعب قيام الحياة الاجتماعية المتماسكة المتكاملة.. فاللغة أداة التفاهم، الذي هو أساس التعاون بين أفراد الجماعة"([3]).

مراتب اللغات في الميزان الحضاري:

انطلقت رؤية أحمد أبو زيد للغة من أعلى مراتبها، ثم المرتبة الأقل، ثم المرتبة الدنيا؛ فالمرتبة العليا للغة أن تكون لغة حضارية، تعبر عن كل مظاهر الحضارة والتقدم والمدنية، تتسع مفرداتها لتشمل المكتوب (العلوم والآداب) والمنطوق (الكلام)، والفنون، والموسيقى، ويتجلى ذلك في اللغات الأساسية في الحضارات الكبرى، مثل الحضارات الإسلامية، والهندية، والفرعونية، والبابلية، والحضارة الغربية المعاصرة، مع تفاوت بنسب مختلفة، حسب إسهام كل حضارة، وامتداد عمرها الزمني، وبقائها أو فنائها، وتأثيراتها ومؤثراتها. فهناك لغات حضارية كبرى، كانت واستمرت، وما زالت، مثل اللغة العربية في الحضارة الإسلامية، واللغة الصينية في حضارة الصين، واللغة السنسكريتية في حضارة بلاد الهند، وأيضا اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية في الحضارة المعاصرة.

أما المرتبة الأقل للغة، فهي تناسب المجتمعات التي بلغت شأوا من الثقافة، أو هي تابعة لحضارات كبرى، وتكون لغاتها المحلية مقتصرة على القُطر، تحفظ الثقافة المحلية المتوارثة، وقد تُنتج بها آدابا وفنونا، ولكن تظل تأثيراتها محدودة، والمثال على ذلك اللغات الأوروبية محدودة الانتشار، مثل اللغة السويدية، واللغة الفلمنكية، واللغة الصربية، واللغة الرومانية، وكثير من هذه اللغات متفرعة من اللغة اللاتينية، فالناطقون بها محدودون بحدود الإقليم الذي يعيشون فيه. ومن أجل التواصل مع بقية دول أوروبا، فإن شعوب هذه الدول مضطرة إلى استخدام لغات أخرى بديلة، أكثر انتشارا؛ مثل اللغة الألمانية أو الروسية اللتين تستخدمان في المجر، وفي تشيكوسلوفاكيا([4])، وهو ما يطلق عليه "الازدواجية اللغوية"، وتعني إمكانية استخدام أبناء المجتمع الواحد لغتين من أجل التواصل؛ لغة محلية محدودة، وأخرى حضارية منتشرة، مثل المنطقة الألمانية في سويسرا ففيها اللغة السويسرية، واللغة الألمانية، وفي مصر فيها اللغة العربية واللغة النوبية ولغة أهل سيوة. كما يشمل أيضا المجتمعات التي ينتمي أبناؤها إلى عرق واحد، ولكنهم يتكلمون لغة راقية، وأخرى وضيعة، ويقصد بذلك اللهجات المتفرعة من اللغة الأم، ومنها الدول العربية بلهجاتها([5]).

نحو رؤية حضارية شاملة للمأثور اللغوي:

فإذا نظرنا إلى الحالة اللغوية في العالم العربي، سنجد أن هناك لهجات، وبعض اللغات القليلة، وكلها تكاد تقتصر على كونها لغة تواصل يومي معيشي، ولغة الفنون التي تتخذ الشفاهية سبيلا، مثل الأغاني، والأشعار العامية، والفن التشكيلي الشعبي المصحوب بكلمات وأمنيات، ولكن تظل اللغة العربية هي لغة العلم والتعليم، ولغة التراث، ولغة الاتصال الرسمي في الصحافة والمجلات. وتسقط في المقابل كل الدعوات التي انتشرت في العصر الحديث، وطالبت أن تكون العاميات المحلية هي لغة العلم والإبداع والإعلام، والتي بدأت على يد عدد من المستشرقين، قاسوا اللغة العربية الفصحى بمقاس اللغة اللاتينية، التي تحولت لهجاتها إلى لغات، ورأوا أن الذي يمنع العرب عامة، والمصريين منهم خاصة، عن الإبداع، والنهضة الحديثة تمسكهم باللغة الفصحى، التي نعتوها بالجمود، وأنها لا تواكب العصر([6])، وهي دعوة خبيثة، غايتها إماتة الفصحى لتكون لغة مُتحَفية، لا يقرؤها إلا المؤرخون والباحثون المنقبون في التراث، وتلك كارثة من المنظور الحضاري نفسه؛ لأن الشعب الذي يستطيع أن يقرأ تراثه ويفهم لغته شعب قادر على أن يجدد هذا التراث، ويجعله حيا، بل ويستحضره في نهضته الحديثة، يمتاح منه، ويضيف عليه، ويجدد لغته الفصيحة، بجعلها معاصرة، متجددة، قابلة لأن تُكتب بها العلوم الحديثة، وتُترجَم إليها.

   وهذا لا يعني إهمال التراث الشعبي، وإن كان مكتوبا بالعامية، فاللهجات العربية قريبة من الفصحى بشكل عام، على تفاوت فيما بين هذه اللهجات، بل يجب أن نحتضن هذا التراث، ففيه الكثير من الأبعاد الجمالية والفنية والسوسيولوجية والنفسية، التي تمكننا من فهم الإبداع الشعبي الذي صاغه المبدع الشعبي، وتوجه به نحو البسطاء والعوام والنخبة أيضا طيلة قرون الحضارة الإسلامية، مع تفعيل منهجية المقارنة بين الإبداع الفصيح والعامي، ورصد المؤتلف والمختلف بينهما، في الإطار الحضاري، وضمن السياقات التاريخية والمكانية والمجتمعية([7]). وبذلك تتضافر روافد لغوية عديدة، في المسيرة الثقافية لشعوب الأمة، تشمل كل ما أنتجته المخيلة الإبداعية من فنون لغوية، بالفصحى أو بالعامية، وكلها تصب في النهر الحضاري للأمة.

   أما المرتبة الدنيا لغويا، فهي تخص اللغات في المجتمعات البسيطة، قليلة العدد، وتكاد تقتصر على متكلميها، وتصبح وسيلة للتفاهم في الدائرة المجتمعية، وتكون عادة فقيرة في مفرداتها، وتعبيراتها، لأنها لا تملك رصيدا حضاريا أو ثقافة عميقة، وتوجد عادة في المناطق القبلية والبدوية في وسط آسيا، وفي أعماق إفريقيا، وكذلك ما تبقى لدى السكان الأصليين في أمريكا الجنوبية.

  ويمكن -في هذا الصدد- الحديث عن امتصاص بعض اللغات للبعض الآخر، فمثلا الفرنسيون يتكلمون اليوم اللغة اللاتينية، وهي لاتينية عمرها عشرون قرنا، تتميز بأصول ألمانية قديمة، وبمفردات مأخوذة من كلام الأجداد من شعب الغول. وأيضا هناك لغات تذوب، فقد ذابت الفرنسية والساكسونية لتولد منها اللغة الإنجليزية، وهناك لغات اندثرت، وبقيت نقوشها، وهناك لغات في طريقها للاندثار([8])، وهناك لغات ستعلو حضاريا، وستقبل عليها النخبة في العالم؛ لأن دولها ستعلو حضاريا وعلميا وسياسيا، فحركة الحضارة الإنسانية لا تعرف من يتربع على القمة إلى الأبد، وإنما هناك حضارات تعلو، ثم تخبو، وهناك حضارات كانت خابية وعلت.

    وبناء على هذا، تسقط ادعاءات ربط اللغة الحضارية بالعرق والجنس، بمعنى أنه لا توجد لغة تعبّر عن جماعة مستطيلي الرؤوس، ولغة أخرى تعبر عن جماعة مستديري الرؤوس، أو أن هذه اللغة راقية تعبر عن رقائق الفكر ودقائق الإحساس، لأنها تعبر عن جماعة عرقية، أصحابها ناعمو الشعر، وأن هناك لغة متخلفة لأن أصحابها مجعدو الشعر.

وللأسف، فإن هناك مذاهب ونظما سياسية استغلت هذا التوجه، للتعصب لجنس ما، والزهو بلغته، واتخاذه ذريعة للسيطرة على شعوب تنتمي لأجناس أدنى منها، ويتكلمون لغات أدنى من لغاتهم، وبالتحديد أنصار الجنس الآري خاصة، والأوروبي عامة، الذين رأوا أن عائلة اللغات الهندوأوروبية أسمى من اللغات السامية والحامية، وأن سائر اللغات يجب أن تخضع لها. وهو منظور سقط علميا، فلا يمكن للأنثروبولوجيين أن يقولوا إن أصحاب الجماجم التي عثروا عليها، كانوا يتكلمون لغة متحضرة أو متخلفة، بل إن اللغة تنتشر لعوامل عديدة، لا علاقة لها بالجنس وشكل الجسد. فاللغة العربية انتشرت بين شعوب من أجناس مختلفة، لا تربطهم بالعرب الأصليين أية صلة([9]).

علاقة التفكير بالبناء اللغوي والمحيط الثقافي:   

 لقد تحولت العربية من لغة ثقافة محلية إلى لغة دين وعبادة، ولغة ثقافة عالمية وحضارة ممتدة؛ فهناك علاقة وثيقة بين اللغة الحضارية والخصوصية الثقافية، ففي الحضارة الغربية الحديثة، نجد أن مفردات اللغة والأساليب والتصورات وبناء الجملة، والتراكيب اللغوية والتشبيهات والاستعارات؛ تعبّر عن المجتمع الصناعي الحديث، الذي يتميز بتعقد نظمه الاجتماعية والاقتصادية، وشعور أعضائه بفرديتهم الذاتية([10])، أي أن التميزات التي يقيمها مجتمع ما من المجتمعات، تظهر في تعبيراته اللغوية، معبرة عن أنماطه الثقافية؛ فالمسألة تبدو وكأن اللغة تختار من البيئة العامة بعض الملامح ذات الأهمية الخاصة، وهي لذلك تعطي لهذه البيئة الخاصة نوعا من التنظيم أو البناء الخاص بتلك الجماعة بالذات([11])، وهو ما يفتح المجال لدراسة علاقة اللغة بالمجتمع والثقافة، ولتصبح اللغة معبرة عن ثقافة المجتمع، وعن طبيعة بيئته الجغرافية والطبيعية. والأمر ينصرف أيضا إلى طرائق التفكير في المجتمعات الحضارية وعلاقتها باللغة، والتي ستكون باستخدام أنواع معينة من الرموز، التي تبدو في لغة الناس وتعاملاتهم اليومية وأيضا في علومهم، وأيضا في أنواع الأشياء وماهيتها التي يعتقدون بأهميتها، وكذلك في الطرق التي يمثِّلون بها لأنفسهم العالم الفيزيقي والاجتماعي والأخلاقي الذي يعيشون فيه. فالشعوب التي تتكلم لغات مختلفة، تعيش في الواقع عوالم مختلفة، واللغات التي يتكلمون بها تؤثر بدرجة كبيرة في مدركاتهم الحسية، وفي أنماط تفكيرهم المعتادة. فهناك ما يسمى الكون الصغير الذي هو العالم الصغير الذي يحمله كل شخص في داخله، ويستخدمه في قياس وفهم العالم الكبير، وبالتالي فإن نظرة الإنسان إلى العالم الخارجي الواقعي، تحددها نشأته اللغوية، وكذلك في تصوراته عن الزمان والمكان([12]).

 فإذا كانت اللغة مرآة عاكسة لثقافة المجتمع، فهي أيضا عاكسة لتصورات الفرد في المجتمع، فهي أداة تعبير وتفكير، فالإنسان يفكّر ويعبّر من خلال الرموز والكلمات والتعبيرات التي تتيحها لغته. فالفرد عندما يعبر عن رؤية ما، أو موقف ما، فإنه يستحضر مخزونه الثقافي اللغوي، والأمر جلي في الأمثال الشعبية، التي يستخدمها الفرد في تعبيراته اليومية، فهو يتوسل بالمثل للبرهنة على فكره، والمثل مأخوذ من الثقافة الشعبية المتراكمة، وإذا تأملنا تكوين الأمثال، سنجد أنها تعبر عن مواقف وأحداث وقصص مجتمعية، ربما تنسى القصة الأصلية، ويتبقى المثل المعبر عنها. أيضا، فإن القاموس اللغوي المستخدم في المجتمعات الصحراوية يختلف عن مثيله في المجتمعات الزراعية، أو البحرية. والأمر يتعلق أيضا بالجانب الحضاري، فاللغة اليومية تعكس المستوى الحضاري الذي بلغه المجتمع، ففيها من المصطلحات والتصورات والمفاهيم والأدوات والأجهزة ما يبدو في اللغة اليومية، وأيضا في اللغة المكتوبة، ولغة الفنون والعلوم..

الهوامش

1) السامرائي، د. إبراهيم، اللغة والحضارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1977م/ ص8 

2) حسان، د. تمام، مقالات في اللغة والأدب، دار عالم الكتب، القاهرة، 2006م، ج2/ ص322 

3) أبو زيد، د. أحمد، حضارة اللغة، ، مجلة عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، المجلد الثاني، العدد الأول، 1971م/ ص11 

4) شاهين، د. عبد الصبور، في علم اللغة العام، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط6، 1993م/ ص140 

5) كالفي، لويس جان، حرب اللغات والسياسة اللغوية، ترجمة: د. حسن حمزة، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2008م/ ص79 

6) حسين، د. محمد محمد، الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، الجزء الثاني (من قيام الحرب العالمية الأولى إلى قيام جامعة الدول العربية، المطبعة النموذجية بالقاهرة، 1956 م/ ص 334 ، 335 

7 ) الصويان، د. سعد، نحو تحديد مفهوم عربي للمأثور، مجلة الخطاب الثقافي، جمعية اللهجات والتراث الشعبي، جامعة الملك سعود، ع1، خريف 2006م/ ص160 

8 ) كالفي، لويس جان، حرب اللغات والسياسة اللغوية/ ص26. ويرى محمود السعران أن قضية موت اللغة أو حياتها مسألة نسبية، تقاس بدورانها على الألسنة، وقد تظهر لغة عامة من لهجات عدة، فيما يعرف باسم التوحّد اللغوي. فاللغة نظام معين من النظم الاجتماعية، خاضعة لتطور مشروط، بتطور الجماعة التي تتكلمها، فهناك من يتحدث عن موت اللغة اللاتينية، والحقيقة أنها لم تمت، وإنما أصابتها تغيرات عميقة، وأنتجت أشكالا من لغات حديثة مثل البرتغالية، والقشتالية، ولغة قطالونيا، ولغة بروفانس، والفرنسية والإيطالية والإسبانية والرومانية (انظر: السعران، د. محمود، اللغة والمجتمع: رأي ومنهج، بدون ناشر، الإسكندرية، ط2، 1963م/ ص168، 169). 

9) السعران، د. محمود، اللغة والمجتمع: رأي ومنهج/ ص66- 68 

10) أبو زيد، د. أحمد، ، حضارة اللغة، ص12 

11) السامرائي، د. إبراهيم، اللغة والحضارة/ ص28 

12) المرجع السابق/ ص29

 

* ناقد وأديب فلسطيني.

 

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

د. منصور إسكوديرو.. من رحلة البحث عن المعنى إلى بناء الحضور الإسلامي في إسبانيا!

د. منصور إسكوديرو.. من رحلة البحث عن المعنى إلى بناء الحضور الإسلامي في إسبانيا!
الثقافة والأدب

قراءة لقصيدة – مراسم الفقد – للأستاذ الشاعر طاهر ..!! طه عبد الرحمن

قراءة لقصيدة – مراسم الفقد – للأستاذ الشاعر طاهر ..!! طه عبد الرحمن
الثقافة والأدب

رحيل إبراهيم الأخرس.. انطفاء وتر الرقة الأصيل!!

رحيل إبراهيم الأخرس.. انطفاء وتر الرقة الأصيل!!
الثقافة والأدب

دراسة نقدية في جدلية المكان والزمان وبلاغة التيه لقصيدة سكة الضور للكاتبة روعة سنوبر..!! طه عبد الرحمن

دراسة نقدية في جدلية المكان والزمان وبلاغة التيه لقصيدة سكة الضور للكاتبة روعة سنوبر..!! طه عبد الرحمن


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...