في الشعر ... عندما تغنّي دمشق !! عمر سعيد

IMG-20260804-WA0064.jpg

 

في الشعر ... عندما تغنّي دمشق !!

 

عمر سعيد*

 

هناك مدنٌ تستضيف مهرجانات الشعر، وهناك مدنٌ تتحول هي نفسها إلى قصيدة. ودمشق، المدينة المشتهاة ، في الأسبوع الأول من آب، وهي تستقبل شعراء العرب، كانت هي الأم الكبرى.

نعم...

 هنا في دمشق، والأزقة القديمة وهي تكتبُ مطلع القصيدة، يزيّنُ قاسيون القوافي ويزنها، كانت دار الأوبرا تفتح نافذتها على زمنٍ عربي جميل، ظن كثيرون أنه غادر إلى غير رجعة.

الدورة الأولى من مهرجان دمشق الدولي للشعر العربي، كانت إعلاناً هادئاً ، كبيراً ، بأن دمشق، مهما تعاقبت عليها العواصف، ما زالت تعرف الطريق إلى الجمال. فالزمن لا يُقاس بعدد ما تهدمه الحروب، لكنها الأغاني التي تستطيع أن تنشدها بعد أن يصمت الرصاص.

وفي وسط القصائد والندوات والحوارات، جاءت ليلة اختصرت فكرة المهرجان كلها. ليلة الفنانة اللبنانية ولاء الجندي.

منذ أن أطلت على خشبة مسرح دار الاوبرا بدمشق ، بدت كأنها تحمل أمانة التراث العربي كله على كتفيها؛ هي تغني بكامل مساحة صوتها، وتوقظ ذاكرةً كاملة كانت نائمةً في قلوب الحاضرين.

بدأت بـ "القمر"، فكان اللحن أشبه بإضاءة هادئة لليلٍ دمشقيٍ طويل، ثم انتقلت إلى " عشيات الحمى"، قبل أن ينساب البيت الصوفي : "إذا كان ذنبي أن حبك سيدي... فكل ليالي العاشقين ذنوب." في تلك اللحظة، صارت القاعة وهي تستمع، كأنها تتنفس عشقاً مع الكلمات.

ومع "مضناك " ، عاد الزمن العربي الجميل إلى مقاعد دار الأوبرا؛ الأغنيات صارت تُروى كحكاياتٍ شخصية، بصوتٍ دافئ، وصدقٍ نادر، وإحساسٍ جعل كل مستمع يشعرُ أن الأغنية كُتبت له وحده.

ثم جاءت "الأندلسيات"، و"عيني لغير جمالكم لا تنظر"، و"جادك الغيث"، فإذا بالمسرح يتحول إلى مجلس أندلسي مقيم، يتصافح فيه الشعر مع الموسيقى، ويصبح اللحن امتداداً للقصيدة لا مجرد خلفية لها. كان ذلك احتفاءً باللغة العربية نفسها، وهي تُغنّى كما تستحق.

ومع "عصفورة الشجن" و "عرفتك قبل يعرفني الغرام"، بدأ الجمهور يخرج من دور المتلقي إلى دور الشريك؛ التصفيق لم يعد مجاملة، لقد أصبح جزءاً محبباً من الإيقاع، والابتسامات التي ملأت الوجوه كانت تقول إن الفن، عندما يكون صادقاً، لا يحتاج إلى تفسير.

وحين غنّت ولاء الجندي "أغداً ألقاك"، ارتفعت في القاعة روح " أم كلثوم " دون أن تغيب شخصية المغنية؛ كان الأداء وفياً للأصل، باذخاً ، وارفاً ؛ وهذه أصعب معادلة يحققها فنان.

أما الختام والذروة ، فجاءت مع "قارئة الفنجان"؛ وما إن وصلت إلى كلمات نزار قباني: "بحياتك يا ولدي... امرأة..." حتى بدا المشهدُ كله وكأنهُ لقاءٌ بين ثلاثة عشاق لدمشق: نزار الذي كتب، وولاء التي غنت، ومدينة تحفظ القصائدَ كما تحفظ أسماء أبنائها.

ليلة أمس ، وبعد تلك الأمسية، رجعت ُ وأنا أكثر اقتناعاً بأنّ الشعرَ لا يعيش في دواوينه وحدها، انهُ روحُ الإنسان وهو يعبر طرقاتِ دمشق وازقتَها وبواباتها وأهلها! في تلك الليلة، لم تكن ولاء الجندي تغني في دمشق... لا .

 كانت دمشق هي التي تغنّي ..

 تغنّي ويعلو صوتُ القلب فيها ، مرة أخرى ، ومن جديد.

 

 

*كاتب فلسطيني / سوريا.

 

 

 

تعليقات


الاكثر شهرة
سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء..

  سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء..   _نحن نعمل بالممكنات.. _العالم منفتح تجاه سورية.. _ا...

كفارة!!

كفارة!!   سميحة عطية*   أشتهي لقاءك: بعيدةٌ عن الجميع بعناقٍ يُرهقُ أنفاسي وأنفاسك بصوتٍ...

مشاهير الاكراد في تركيا

  مشاهير الاكراد في تركيا نبذة عن اجداد الامير محمود قبلان بن شيخ بوزان بن شيخ حسن(شيخ مشايخ الش...

دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!! د. تمام كيلاني

دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!!   د. تمام كيلاني*   حوار في الحرية... وشها...

تابعونا


جارٍ التحميل...