مريم تمر.. تقول ما لا يقال وتسكن وطنها دوح قصيدة! كوثر جعفر
مريم تمر.. تقول ما لا يقال وتسكن وطنها دوح قصيدة!
كوثر جعفر*
مريم تمر : وطنٌ يسكن القصيدة، وامرأةٌ تقول ما لا يُقال..
تكتب مريم تمر قصيدتها من مساحةٍ يتجاور فيها الوجع والجمال، فتمنح للكلمات قدرةً على ملامسة الإنسان في أعمق أسئلته. وفي شعرها تحضر المرأة بوصفها كائنًا يقاوم، ويحضر الحب باعتباره قوةً تمنح الروح معنىً رغم كل ما يثقل الحياة. في هذا الحوار نقترب من تجربتها الإبداعية، ونتوقف عند أبرز محطات مشروعها الشعري ودواوينها: إلى صغيرتي قامشلو، ورود من فم الحرب، والأبله الذي يدق في غيابي
*مريم تمر، متى شعرتِ للمرة الأولى أن الشعر ليس مجرد كتابة، بل طريقة أخرى للحياة ورؤية العالم؟
_ هذه الحقيقة لم تغب عني يوماً لربما أبصرتها مبكرة أو أيقنتها مع يقيني أن الحياة شعر والشعر حرية، لم تنطلي علي يوماً كحقيقة ثابتة، إذ تجاوزت كونها شعور إلى حقيقة واقعة وصادمة بنفس الوقت،أن تكون في خضم الحياة تمتهن الحس إنها لكارثة وعبء على كاهلك يتخطى كونه شعوراً ينتابك، انها الحقيقة التي لا مفر منها والهاجس الحتمي أن هناك ما هو مختلف لم يأتي بعد.
*بين الصحافة والشعر، أين تجدين نفسكِ أكثر؟ وهل أخذت الصحافة شيئًا من شاعريتكِ، أم منحتها شيئًا؟
_ لم تكن الصحافة غريبة على الفتاة الصغيرة التي تعبر على الورق عن كل ما يخالجها من مشاعر (كره – حب – رفض –الخ ) حيث كانت تلك الفتاة مهووسة بجهاز صغير( المذياع ) ليكون نافذتها على العالم وحلمها أن تكون مثلهم، برغم أن العمل الصحفي جاء في وقت غير طبيعي إذ لم تكن الحرب رحيمة على أحد .
العمل في الاعلام هو متعة قبل أي شيء أخر وتحقيق حلم.
لم أجد نفسي مضطرة للمقارنة بين الصحافة والشعر أو تفضيل بينهما، كانا ومازالا الجزء الجميل من حياة مريم تمر، المهنة التي ما زلت على أمل أن أقدم فيها الأفضل والشعرالذي سيبقى حتى إن فنيت.
في فترة ما، الانشعال بالعمل الصحفي أثر على النبض الشعري داخلي الحيرة والغيرة بينهما كانت تشتعل أحيانا ولكن كان لابد من استثمار الحس الشعري لصالح العمل الصحفي والموازنة بينهما.
*هل تكتبين القصيدة حين تأتيكِ الفكرة، أم حين تضيق بكِ الحياة ولا تجدين وسيلة أخرى للقول؟
_ دعيني أصارحك بحقيقة، قصيدتي لم تكن مدللة يوماً، كانت دائماً تحضر في خضم التعب لذا لم يكن لها وقت، لتكون الجمال لكل الأوقات، كانت تمد برأسها في خضم الأسى ولسانها في قمة الخذلان ويدها في انهمار الدموع ، تغيب فاشتاقها وتحضر فأرحب بها بحفاوة قل نظيرها، لنقل انها صديقة كل الأوقات.
*في ديوانكِ «إلى صغيرتي قامشلو» تخاطبين المدينة كما لو أنكِ تخاطبين كائنًا حيًا تربطكِ به علاقة حميمة!
ماذا بقي من قامشلو فيكِ، حتى أصبحتِ تكتبين إليها لا عنها؟ وهل تكتبين للمدينة التي عشتِ فيها، أم للمدينة التي فقدتِها كما كانت؟
_ قامشلو ليست مدينة فحسب بل حالة حب لا يمكن تجاوزها، أهديت مجموعتي الأولى لها، بوصفها المدينة الأغلى في مخيلتي على الأقل .
قامشلو مدينة مٌحبة وتستحق الحب، ومن عجائب هذا الحب أنه مهما تغير حالها لن ينقص من حبها في قلب من يسكنها، وسأخالفك الرأي لأقول أني كتبت لها وعنها، هي من المدن التي تسكنك، حتى وإن لففت العالم ستعود إليها ممتناً، لذلك لامبرر لحب هذه الفاتنة.
*عنوان ديوانكِ «الأبله الذي يدق في غيابي» يثير الفضول منذ اللحظة الأولى، من هو هذا الأبله؟
_ هذه المجموعة الغالية كانت فاصلاً مهماً في حياتي الشعرية، العنوان جاء من مقتطف شعر أقول فيه ( هذا الأبله الذي اسمه قلبك ،كيف يدق في غيابي ) إذاً الأبله كان قلباً ناكراً تجسيد لحالة حب نكرها قلب، لا لشخص بعينه.
*«كنت أود أن أقول لك مثلًا»… عنوان يتكرر في قصائدكِ كأنه اعتراف مؤجل. ماذا تُخبّئ المرأة خلف هذه الجملة؟ وما الذي تظل عاجزة عن قوله لمن تحب، رغم كل هذا الحب؟ في هذه القصائد، يبدو الحب أحيانًا مساحة تقول فيها المرأة ما لا تستطيع قوله في الحياة. هل ترين أن المرأة ما زالت تجد صعوبة في التعبير عن رغباتها واحتياجاتها العاطفية، وأن الشعر يمنحها المساحة التي لا تمنحها الحياة؟
_ نعم هذه اللازمة خاصتي أفضلها كثيراً في نصوص البوح، البوح للكثير الغائب عن تفاصيل حياتنا المثقلة بكل هذا الوجع، هي مسام صغير (متنفس) يبهر القلب، لعل أسوأ ما يفعله الشاعرهو تبرير قصيدته أو شرحها أو ذكر مناسبتها، او الباسها ثوب واسع أو ضيق فتصبح بشعة. (كنت أود أن أقول لك مثلاً ) هي نصوص في أشياء يجب أن تقال كي لا تنسى.
بالنسبة للجزء الثاني من السؤال باعتقادي أن المرأة لن تعدم الوسيلة عن قول كل ما تريد، رغم اني أتفق أن هناك إرث لا يمكن الخلاص منه بسهولة من كم الأفواه والخوف من كل إرث الشرق في قلوب النساء.
*للمرأة حضور واضح في تجربتكِ الشعرية. هل تكتبين عنها بوصفكِ امرأة، أم بوصفكِ شاهدة على ما تعيشه النساء من حولكِ؟ وهل تحاولين أن تمنحيها صوتًا، أم أنكِ تكتفين بفتح الباب أمام صوتها كي يُسمع؟
_ لم أحاول أن أكتب يوما بلسان حال الرجل مثلا ولم أتصنع أوأقرر أن أكون صوت النساء .
باعتقادي انا أماثلهن التجربة وحاولت أن أكون صدى لما لم يستعطن قوله
أو أن أما رس بشكل تلقائي حالة تكريس القصيدة ( الأنثى) لأنها ببساطة حالتي وصوتي وقد يكون صوت مثيلاتي ، ويهمني كثيراً أن يكون كذلك .
نعم أتحدث عنا نحن النساء في الحب والحرب والغيرة والخوف والأمومة وأتمنى أن أصل إليهن بما يجمعنا.
*في «ورود من فم الحرب» تلتقي مفردتان تبدوان متناقضتين: الورود والحرب. كيف ولدت هذه المفارقة؟ وكيف أثرت الحرب في صوتكِ الشعري، وهل غيّرت موضوعاتكِ فقط أم غيّرت نظرتكِ إلى الإنسان والحب والحياة؟ً
_ لربما كل بشاعة يقابلها جمال، الخير يقابله الشر، الحرب يقابلها السلام ،لولا هذه التناقضات لكان الحال أصعب بكثيرمماهو عليه الآن، ولولا هذه الورود التي انتزعتها من فم الحرب لأصبحت صنماً دون إحساس لذا ولدت هذه المفارقة، للأسف أثرت الحرب في كل مفصل من حياتنا وسرقت منا الكثير، الكثير، سرقت ما لايمكن تعويضه، كانت كالجحيم بكل تفاصيله.
بشكل تلقائي تحولت نصوصي في منحى أخر حيث أصبح ألم هذه الحرب يسكنها.
ولم استطع اقصاء نصوصي عن ما يحدث ليصبح الوجع فيها ظاهراً رغم عن أنفها ولا يمكنني أن أتخلص منه،.
وبطبيعة تغيرت نظرتنا إلى كل ما حولنا وسيكون هناك عين ترى كل الأحداث بشكل مختلف، فالحزن يغير ميزان الأشياء غن شئنا أم أبينا وحزن الحرب كان كبيراً وفادحاً.
لذلك ولدت (ورود من الحرب) في هذا الوقت وكانت ابنة وقتها.
*هل ترين أن الشعر قادر على مقاومة الحرب، أم أن مهمته تبدأ بعد أن تصمت المدافع؟
_ لا الشعرلا ينتظر حتى تصمت المدافع كي يبدأ دوره وبالتأكيد لن يكون قادراً وحده على مواجهة الحروب.
فالحروب تشعلها المصالح والأسلحة أما الشعر فيحرس الانسان من داخل يقاوم الحرب بطريقته الخاصة.
خلال الحرب يصبح الشعر حالة مقاومة أخلاقية وجمالية،يرفض الاعتياد على القتل و يؤكد أن الانسان أكبر من الخراب وبعد أن تصمت المدافع تبدأ مهمته الأخرى الأكثر أهمية وهي ترميم ما تهدم في الارواح لذلك أرى أن مهمة الشعر ترافق الحرب وتستمر بعدها، إنه لا يوقف الرصاص لكنه يحول دون انتصار العنف على الإنسانية.
*أنتِ شاعرة كردية تكتب بالعربية. كيف تتجاور الهوية الكردية واللغة العربية داخل قصيدتكِ؟ وهل تشعرين أحيانًا أن اللغة التي تكتبين بها تختلف عن اللغة التي تحلمين بها؟
_ لم أجد نفسي إلا كردية في كل نص أكتبه ولم تمنعني العربية من ذلك، فالهوية بالنسبة لي هي الذاكرة والوجدان والبيئة والطفولة وما تراكم في الروح من تجارب وصور بالاضافة إلى اللغة.
قد أكتب بالعربية ولكني أعايش لغتي الكردية يومياً في كل تفصيلة.
بالنسبة لي اللغة العربية لغة القصيدة سواء إن جاء ذلك بالفرض أو بالمحبة أجزم أن رائحتها كردية صرفة، لا أخفيك بأني انبهر بنصوصي عندما تترجم للكردية وأحبها أكثر ولازلت أحلم بالكردية وأكتب بالعربية.
*هل ترين أن الشاعر يستطيع أن يحمل ذاكرة شعبه وهويته من دون أن تتحول القصيدة إلى خطاب مباشر؟
_ بالتأكيد، القصيدة تستطيع أن تحمل ذاكرة الشاعر وشعبه وهويته من دون أن تتحول الى خطاب مباشر، فالشعر ليس بياناً سياسياً ولا منشوراً أيديولوجياً بل هو فن الايحاء والكثافة والرمز.
عندما تصبح الهوية جزءاً من التجربة الإنسانية العميقة فإنها تتسلل إلى القصيدة بصورة طبيعية من خلال الصورة والايقاع والتفاصيل الصغيرة عبر الشعارات.
*كيف تنظرين إلى النقد الأدبي اليوم؟ وهل تشعرين أن النقد يواكب التجارب الشعرية الجديدة وينصفها، أم أن هناك فجوة بين الشاعر والناقد؟ وكيف تتعاملين شخصيًا مع النقد، خصوصًا حين يكون قاسيًا أو مختلفًا مع رؤيتكِ؟
_ للحقيقة نحن نفتقد للنقاد وهذا عامل مباشر في الاستسهال الأدبي إن صحت التسمية، نحن بحاجة إلى النقد المنصف التي يستند الى قواعد أكاديمية بعيداً عن المشاعر الشخصية، يهمني النقد جداً وأقف عنده بجدية.
مع نضوج التجربة الشعرية يقل انحياز الشاعر لنصه، والثقة الشعرية تجعل الشاعر يقبل عيوب نصه ويعرفها قبل الناقد.
أجدني متقبلة للنقد ولكن هذا يضل للمنتقدين.
*ماذا تعني لكِ التكريمات والجوائز؟ هل ترينها اعترافًا حقيقيًا بقيمة التجربة، أم أنها مجرد محطة جميلة في مسيرة الشاعر لا ينبغي أن تؤثر في علاقته بالكتابة؟ وهل هناك تكريم أو جائزة تركت أثرًا خاصًا في نفسكِ؟
_ هي لفتات تقدير لطيفة، وتمنح الكاتب شعوراً بأن صوته وصل إلى الأخرين ولكنها ليست المقياس النهائي لتجربته فهناك نصوص عظيمة لم تنل جوائز ولا تعني أن الكاتب وصل الى المطلوب منه في الكتابة، اعتراف جميل لربما نحتاجه أحيانا ولكنه ليس الفصل.
بالنسبة لي الاعتراف الأبقى أن يجد القارئ نفسه في القصيدة، وينبغي أن تكون هذه الجوائز حافزاً للمزيد من المسؤولية.
الحقيقة العديد من التكريمات المعنوية بقيت في ذاكرتي لن أذكر واحدة منها احتراماً لكل من وجد في أني استحق منهم لفتة تكريم لطيفة.
*ما الذي أخذته منكِ الكتابة، وما الذي أعطتكِ إياه؟
_ في الكتابة العلاقة تبادلية فهي لا تأخذ دون أن تمنح، لقد أخذت مني الكثير من الراحة، قلق الكتابة متعب لأن الشاعر يعيش يقضاً أمام الألم والأسئلة والتفاصيل التي قد يتجاوزها الأخرون دون التفات.
الكتابة تجعلك أكثر حساسية لكل ما حولك، بالمقابل منحتني الكتابة مساحة أتنفس فيها وأعيد ترتيب فوضى روحي، والأهم أنها أعطتني فرصة أن أترك ولو أثراً صغيراً في هذا العالم (بالمختصر اعطتني نفسي ).
*هل هناك قصيدة كتبتِها وشعرتِ بعدها أنكِ تركتِ جزءًا منكِ على الورق؟
_ نعم.. أكثر من نص، كانت حقيقية لدرجة الخوف ومؤلمة لدرجة الموت، ضلت صامتة على الورق وكأنها التاريخ لكل تلك العواصف.
*لو عاد بكِ الزمن إلى مريم التي بدأت الكتابة، ماذا كنتِ ستقولين لها؟
_ سأقول يا مريم لربما لم تكوني منصفة بحق مريم الشاعرة ولم تعطها الوقت الكافي وما تحتاجه للإنجاز، وإن م تحقق قليل على الشعر وكان يستحق منك أكثر.
*بعد هذه التجربة الشعرية، هل تشعرين أنكِ اقتربتِ من الشاعرة التي أردتِ أن تكونيها، أم أن الطريق ما زال طويلًا؟
_ الشاعر الحقيقي لا يشعر يوماً بأنه وصل فالأجمل دائما هي النصوص التي لم تكتب.
نعم أشعر أني اقتربت أكثر من صوتي الشعري لكني لا أزعم أني بلغت الشاعرة التي أحلم ان أكونها
مازال الطريق طويلاً وأنا أنظر لكل نص جديد بوصفه بداية جديدة ومحاولة للاقتراب من القصيدة التي ما زلت ابحث عنها.
مجال سيري:
مريم تمر شاعرة كردية وصحفية من القامشلي، ولدت عام ١٩٨٠ لها ثلاث مجموعات شعرية الى صغيرتي قامشلو ٢٠١٣ عن مطبعة الشباب، الابله الذي يدق في غيابي ٢٠١٣ عن دار التكوين بدمشق، ورود من فم الحرب ٢٠١٩ عن دار الزمان بدمشق. تعمل في مجال الاعلام ونشر لها في عدة دوريات شاركت كتبها في معارض عربية و محلية.
*كاتبة سورية, فن ومدن للإعلام/ حلب.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
الانحراف السردي ومضمراته الدلالية قصة "ليلة صمت لطوف"!
شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني
د. تمام كيلاني يزور مشفى جامعة حلب ويسلّم أجهزة طبية حديثة لدعم قسم العينية!
غربتان في روايتي الأديب الراحل أحمد جميل الحسن! عمر محمد جمعة
حماه بين أركيلة الليل وصوت الحريه ..!!د. تمام كيلاني
د. تمام كيلاني يقدم أجهزة طبية حديثة لقسم العينية في مشفى المواساة! روعة سنوبر
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...