الكاميرا والعدم: جدلية التوثيق والموت في سردية الحرب!! طه عبد الرحمن

الكاميرا والعدم: جدلية التوثيق والموت في سردية الحرب!! طه عبد الرحمن

 

 


الكاميرا والعدم: جدلية التوثيق والموت في سردية الحرب!!

طه عبد الرحمن*

قراءة للقصة القصيرة جدا –حمل الكاميرا – للأستاذة الهام عيسى 
مدخل نظري: في أنطولوجيا الصورة والموت
حين يلتقط السردُ لحظةَ التوتر القصوى بين العين والرصاصة، بين العدسة والجثة، فإنه لا يكتب عن الموت فحسب، بل يكتب الموتَ نفسَه كتابةً مكثفة تجعل من الكلمة جثةً دلالية نابضة بالأسئلة. إن قصة "إلهام عيسى" الموسومة بـ"احمل الكاميرا" ليست نصاً قصصياً بالمعنى التقليدي، بل هي بيانٌ أنطولوجي مصغّر، يشتغل على واحدة من أعقد الإشكاليات الفلسفية والجمالية في آن: كيف يتحول فعلُ الرؤية إلى فعلِ موت؟ وكيف تصبح الكاميرا شاهداً على فناء الشاهد نفسه؟ وكيف ينقلب التوثيقُ من وسيلةٍ للخلود إلى اعترافٍ ضمني بالزوال؟
إن النص، في بنيته العميقة، يطرح سؤالاً مرعباً لا يكاد يُسمع وسط ضجيج المعارك: هل نُصوِّر لكي نتذكر، أم نُصوِّر لكي ننسى أننا سنموت؟ وهل الكاميرا درعٌ ضد العدم، أم مرآةٌ تعكس وجهَ العدم نفسه بكل تفاصيله العالية الدقة؟
البنية الأسلوبية: من جمالية التكثيف إلى شعرية التلاشي
إن أول ما يدهش في هذا النص هو قدرته على اختزال كونٍ كاملٍ من المعاني في سبع جملٍ قصيرة، أشبه بسبع طلقاتٍ متتالية في جسد المعنى. وهذا التكثيف ليس ضرباً من البلاغة الزخرفية، بل هو ضرورة وجودية يفرضها الموضوع ذاته؛ فالموت – موضوعَ النص الخفي – لا يحتمل الإسهاب، والرصاصة لا تملك ترف الاستطراد. هكذا تصبح البنية القصصية القصيرة جداً محاكاةً شكليةً لاقتصاد الموت نفسه، الذي يختزل الحياةَ في لحظة، والكلامَ في شهقة، والوجودَ في ومضة.
وإذا تأملنا الجملة الافتتاحية "احمل الكاميرا"، وجدناها تبدأ بفعل أمرٍ مجرّد من الفاعل، وكأنما المتكلم يخاطب إنساناً غير مرئي، أو يخاطب البشرية جمعاء، أو ربما يخاطب نفسه في مرآةٍ غائبة. إن غياب الفاعل هنا ليس عجزاً نحوياً، بل هو خيارٌ وجودي يُذيب الحدود بين الآمر والمأمور، بين الذات والآخر، بين الحيّ والميت. فمن يأمر؟ ومن يطيع؟ وهل ثمة فارقٌ حين يكون الجميع في دائرة الاستهداف؟
ثم تأتي "امتشق قلماً" لتكتمل اللوحةُ الافتتاحية بثنائية الكاميرا والقلم، العدسة والكلمة، الصورة والحرف. لكن اللافت أن النص لا يجعلهما متساويين، بل يجعلهما متواطئين في مشروع واحد هو "التدوين"، أي تحويل الواقع إلى أثر، وتحويل الدم إلى حبر، وتحويل الموت إلى سطور. إن القلم هنا ليس أداةَ إنقاذ، بل هو توأم الكاميرا في لعبة التوثيق العبثية، وكلاهما يشارك في تحويل الإنسان إلى "مادة إخبارية" قابلة للاستهلاك.
ساحة الميدان: جغرافيا الحقيقة أم مسرح الوهم؟
في عبارة "ساحة الميدان هي فصل الحقيقة"، ينتقل النص من المستوى الآمري إلى المستوى التعريفي، وكأنما يضع القارئَ أمام حقيقة كبرى: إن الميدان – أي ميدانِ حرب – ليس مجرد فضاء جغرافي تُدار فيه المعارك، بل هو نصٌّ مفتوح يُقرأ فيه "فصلٌ" من كتاب الحقيقة. لكن أيّ حقيقة هذه؟ هل هي حقيقة الموت الظاهرة، أم حقيقة الحياة المستترة خلف الدخان؟
إن كلمة "فصل" هنا موحيةٌ بعمق؛ فالفصل جزءٌ من كتاب، والكتاب له بداية ونهاية، والفصل يُقرأ ثم يُطوى. فهل الميدان فصلٌ من كتاب الوجود سيُطوى بعد حين؟ وهل الحقيقة التي تتجلى فيه حقيقةٌ مؤقتة كفصول السنة، أم حقيقةٌ مطلقة كالعدم الذي ينتظر الجميع؟ إن النص لا يجيب، بل يترك السؤال معلقاً في فضاء النص كرصاصةٍ في الهواء لا تعرف أين ستسقط.
والأعمق من ذلك أن النص يربط الحقيقة بالميدان لا بالكتاب ولا بالقلم ولا بالكاميرا؛ فالحقيقة لا تُقرأ في النصوص الموثقة، بل تُعاش في ساحة الاشتباك. وهذا انزياحٌ خطير عن المألوف، إذ يقلب النصُّ منطقَ التوثيق رأساً على عقب: ليست الكاميرا هي التي تنقل الحقيقة، بل الميدان هو الحقيقة، والكاميرا مجرد ظلٍّ ينقل صورةً باهتة عن هذه الحقيقة. إنها لحظة تفكيكية عميقة تكشف تواضعَ الوسائل أمام جبروت الواقع.
عين الكاميرا: الدقة البصرية مقابل العمى الوجودي
ثم تأتي الجملة المحورية: "عين الكاميرا تنقل صورة، تصنع مشاهد عالية الدقة". هنا يبلغ النص ذروته في المفارقة الساخرة؛ فعينُ الكاميرا – وهي عينٌ اصطناعية لا تدمع ولا ترمش ولا تخاف – تنقل صورةً "عالية الدقة"، لكن هذه الدقة البصرية المفرطة تُخفي خلفها عمىً وجودياً كاملاً. فالكاميرا ترى التفاصيل، تلتقط ملامحَ الوجوه، توثّق لحظةَ السقوط بدقةٍ متناهية، لكنها لا تفهم شيئاً مما ترى. إنها عينٌ بلا وعي، عدسةٌ بلا قلب، رؤيةٌ بلا رؤيا.
وهنا يطرح النص سؤالاً فلسفياً قديماً متجدداً: ما قيمة الرؤية الدقيقة لعالمٍ فقد معناه؟ وما جدوى الدقة التقنية في تصوير عبثيةٍ مطلقة؟ إن "المشاهد العالية الدقة" التي تصنعها الكاميرا ليست سوى صياغةٍ بصرية متقنة للا معنى، تماماً كما يصنع النحات تمثالاً بديعاً لإلهٍ ميت. وثمة تناصٌ خفي هنا مع مقولة مارشال ماكلوهان "الوسيلة هي الرسالة"، لكن النص يتجاوزها إلى ما هو أعمق: الوسيلة هنا ليست الرسالة، بل الوسيلة هنا شاهدٌ على غياب أي رسالة، وعلى فراغٍ كونيٍّ لا تملؤه كلُّ الصور العالية الدقة.
تشتد المعارك: حين يصير الأمان صفةً للموتى
تأتي الجملة التالية لتكسر كلَّ التوقعات: "حينما تشتد المعارك، وحدهم من ماتوا باتوا بأمان". هذه الجملة ليست مجرد ملاحظةٍ ساخرة، بل هي قمةُ التراجيديا الوجودية في النص. إنها تقلب منطق البديهة: فالأمان – الذي هو غاية كل حيٍّ وهدف كل إنسان – يصبح هنا حكراً على الأموات، بينما الأحياء غارقون في الخوف حتى آذانهم. لكن السؤال العميق: أي أمانٍ هذا الذي ينعم به الموتى؟ هل هو أمانُ النجاة من الموت، أم أمانُ النجاة من الحياة؟
إن النص هنا يلمس واحدةً من أعمق الإشكاليات الإنسانية: هل الموت نهايةٌ مأساوية يجب تجنبها، أم ملاذٌ أخير من مأساةٍ لا تطاق؟ وهل الحياة – في ظل الحرب – نعمةٌ يجب الحفاظ عليها، أم عبءٌ ثقيل يجب التخلص منه؟ إن عبارة "باتوا بأمان" تحمل في طياتها حنيناً خفياً إلى الموت.

 

*كاتب وناقد عراقي.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

سوريا بعد التحرير: تحررنا من الطاغية.. ولم نتحرر من الفوضى!

سوريا بعد التحرير: تحررنا من الطاغية.. ولم نتحرر من الفوضى!
بوابة دمشق

"نزاز"... أنا ابن الحكاية من ألفها إلى ألفها..!!عمر محمد جمعة

"نزاز"... أنا ابن الحكاية من ألفها إلى ألفها..!!عمر محمد جمعة
بوابة دمشق

الحكمة ضالة المؤمن.. دروس من العالم لإعادة بناء سوريا !! د. تمام كيلاني

الحكمة ضالة المؤمن.. دروس من العالم لإعادة بناء سوريا !! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

"كل ليلة وليلة... وذاكرة الثلاثاء" !! د. تمام كيلاني

"كل ليلة وليلة... وذاكرة الثلاثاء" !! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

الانحراف السردي ومضمراته الدلالية قصة "ليلة صمت لطوف"!

الانحراف السردي ومضمراته الدلالية قصة "ليلة صمت لطوف"!
بوابة دمشق

مريم تمر.. تقول ما لا يقال وتسكن وطنها دوح قصيدة! كوثر جعفر

مريم تمر.. تقول ما لا يقال وتسكن وطنها دوح قصيدة! كوثر جعفر
بوابة دمشق

شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني

شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...