الذاكرة لا تتذكر فقط… بل تختلق أيضًا..!! د. تمام كيلاني
الذاكرة لا تتذكر فقط… بل تختلق أيضًا..!!
د. تمام كيلاني*
نحن نعيش مطمئنين إلى ذاكرتنا، وننظر إليها بوصفها أرشيفًا أمينًا لحياتنا وتجاربنا. وعندما نقول: “أتذكر جيدًا”، فإننا نعتقد أننا نستحضر حقيقة وقعت كما هي. لكن المفارقة التي تكشفها الدراسات النفسية والفلسفية الحديثة هي أن الذاكرة ليست آلة تصوير تحفظ الأحداث كما جرت، بل هي عملية مستمرة من إعادة البناء وإعادة التأويل. ولهذا فإن الذاكرة لا تتذكر فقط، بل تختلق أيضًا.
والاختلاق هنا لا يعني الكذب. فالكاذب يعلم أنه لا يقول الحقيقة، أما الإنسان الذي يختلق ذكرى زائفة فإنه يصدقها بكل جوارحه. إنه لا يخدع الآخرين، بل قد يكون ضحية لخداع عقله هو نفسه.
السؤال الفلسفي العميق هو: لماذا تختلق الذاكرة؟
يذهب عدد من الباحثين في علم النفس المعرفي إلى أن العقل لا يرى الواقع كما هو، بل كما يتوقعه. فنحن لا نستقبل العالم استقبالًا محايدًا، وإنما نُسقط عليه شبكة من المعتقدات والتصورات والأحكام المسبقة والتوقعات الجاهزة. ومن هنا تبدأ عملية الاختلاق.
فالإنسان لا يرى الأشياء بعينيه فقط، بل يراها أيضًا من خلال أفكاره السابقة عنها.
ولهذا قد يحدث أن تتهم شخصًا بعمل لم يقم به، لا لأنك رأيته يفعل ذلك، بل لأنك تتوقع منه أن يفعله. لقد رسمت له صورة مسبقة في ذهنك، وأصبحت هذه الصورة أقوى من الواقع نفسه. وهكذا لا يعود التوقع وسيلة لفهم الحقيقة، بل يصبح حاجزًا يمنعنا من رؤيتها.
إن التوقعات لا تسمح لنا دائمًا أن نرى الأشياء كما هي، بل تجعلنا نراها كما نعتقد أنها يجب أن تكون.
وقد أظهرت التجارب النفسية أن الإنسان يمكن تضليله بسهولة مدهشة. فالعقل لا يسجل الأحداث فقط، بل يعيد تأليفها باستمرار. وعندما يسترجع ذكرى قديمة، فإنه لا يستخرج ملفًا محفوظًا في مكان ما، وإنما يعيد بناء الحدث من جديد، مستعينًا بالمعلومات الحالية والمشاعر والتوقعات والروايات التي سمعها عبر الزمن.
ولهذا اهتم العلماء بدراسة ما يسمى “الذكريات الزائفة”. وقد أُجريت تجارب عديدة على متطوعين أظهرت أن الإنسان يستطيع أن يقتنع بحدوث أشياء لم تحدث له أصلًا.
ومن الأمثلة اللافتة أن بعض الأشخاص يتحدثون عن حوادث يعتقدون يقينًا أنهم عاشوها، بينما يتبين لاحقًا أنهم لم يكونوا موجودين أصلًا في المكان أو الزمان الذي يصفونه. فما الذي حدث؟
الذي حدث أن هذه القصص سُمعت مرارًا من الأب أو الأم أو الأقارب، حتى اندمجت الرواية في بنية الذاكرة الشخصية. وبعد سنوات لم يعد الإنسان يميز بين ما عاشه بنفسه وما سمعه من الآخرين. فتتحول القصة المروية إلى ذكرى شخصية، ويتحول السماع إلى تجربة معاشة.
وقد يصل الأمر أحيانًا إلى صور أكثر غرابة. فقد يصرّ شخص على أنه يتذكر أمورًا حدثت وهو بعمر السنة او السنتين ، أو يتحدث عن تفاصيل وقعت عندما كانت والدته حاملًا به. وهو لا يقصد الكذب إطلاقًا، بل يكون مقتنعًا تمامًا بما يقول. غير أن ما يتذكره ليس تجربة حقيقية عاشها، وإنما صورة ذهنية تشكلت من القصص المتكررة التي سمعها من والدته أو أفراد أسرته.
لقد أخبرته والدته عشرات المرات أنها كانت تتمشى في حديقة معينة أثناء حملها به، أو أنها كانت تسكن منزلًا محددًا، فبنى عقله صورة كاملة للمشهد. ومع مرور الزمن اندمجت الصورة في ذاكرته حتى ظن أنها جزء من خبرته الشخصية.
إن الذاكرة هنا لا تحفظ الماضي، بل تعيد تأليفه.
وهذه الحقيقة تقودنا إلى سؤال فلسفي أكبر: إذا كانت ذاكرتنا قابلة للاختلاق، فإلى أي مدى يمكننا الوثوق بما نعتقد أننا نعرفه عن أنفسنا؟
ربما تكون كثير من قناعاتنا الشخصية مبنية على روايات سمعناها أكثر مما هي مبنية على تجارب عشناها. وربما تكون بعض صورنا عن الآخرين ناتجة عن توقعاتنا لا عن حقيقتهم. بل إن كثيرًا من النزاعات البشرية تبدأ عندما يختلط ما وقع فعلًا بما نظن أنه وقع.
إن أخطر ما في الذاكرة ليس أنها تنسى، بل أنها قد تملأ الفراغات بنفسها. والعقل لا يحب النقص والغموض، لذلك يسارع إلى بناء قصة متماسكة حتى لو احتاج إلى إضافة تفاصيل لم تكن موجودة أصلًا.
لهذا فإن الحكمة تقتضي قدرًا من التواضع المعرفي. فليس كل ما نتذكره حدث بالضرورة، وليس كل ما نعتقده صحيحًا بالضرورة. إن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى مراجعة ذكرياته كما يراجع أفكاره، وإلى مساءلة يقينه كما يسائل شكوكه.
فالذاكرة ليست مرآة صافية للماضي، بل هي رواية يكتبها العقل باستمرار. وكلما ازداد الإنسان وعيًا بهذه الحقيقة، ازداد قدرة على رؤية العالم كما هو، لا كما تتمنى له توقعاته وأحكامه المسبقة أن يكون.
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
من مفارقة العنوان إلى انزياح اللغة وقلب التناص!! سعيدة بركاتي
إيبكاليبس الحرب : قراءة نقدية لقصة خبزنا الذي ننجبه أحمد فاروق بيضون..!!
من القلم إلى القدم.. إلى الإبهام..!! د. تمام كيلاني
الغابة والصراع من أجل البقاء..!!د. قاسم عبد العزيز الدوسري
في ذكرى رحيل المقبور حافظ الاسد لا تُلمِّعوا وجه الطغيان ولاسلام على المجرمين ..!! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...