في ذكرى رحيل المقبور حافظ الاسد لا تُلمِّعوا وجه الطغيان ولاسلام على المجرمين ..!! د. تمام كيلاني

في ذكرى  رحيل المقبور حافظ الاسد لا تُلمِّعوا وجه الطغيان ولاسلام على المجرمين ..!! د. تمام كيلاني

في ذكرى رحيل المقبور حافظ الاسد لا تُلمِّعوا وجه الطغيان ولاسلام على المجرمين ..!!

 

د. تمام كيلاني*

 

 

 

في العاشر من حزيران، يخرج علينا بعضهم ليقدم حافظ الأسد بوصفه بطلاً قومياً، ورجل دولة استثنائياً، وصاحب رؤية تاريخية. لكن الشعوب لا تقيس الحكام بما كتبته أجهزة الدعاية، بل بما تركوه خلفهم من آثارٍ في حياة الناس. وحين يُفتح ملف حافظ الأسد، لا يخرج منه مجدٌ بقدر ما تخرج منه رائحة السجون، وصدى الخوف، وذكريات الدم.

 

لقد حكم الرجل سوريا ثلاثين سنة لكنها لم تكن ثلاثين عاما من بناء الدولة بقدر ما كانت ثلاثين سنة من بناء السلطة. لم تُبنَ المؤسسات لتكون فوق الأشخاص، بل جرى تفصيلها لتدور في فلك الحاكم. لم يصبح المواطن شريكاً في الوطن، بل صار مطالباً بالتصفيق والخضوع والصمت.

 

كان حافظ الأسد يتحدث باسم الجمهورية، لكنه زرع الأسس التي جعلت الجمهورية تُورَّث. رفع شعارات الأمة والوحدة والحرية، بينما كانت السياسة تُختزل في إرادة رجل واحد، وكانت أجهزة الأمن تتمدد في كل زاوية من حياة السوريين حتى صار الخوف جزءاً من تفاصيلهم اليومية.

 

ولم يكن ضحاياه من خصومه فقط، بل من رفاقه أيضاً. كل من ظن أنه شريك في صناعة القرار اكتشف متأخراً أن النظام لا يحتمل الشركاء. سقط الحلفاء واحداً تلو الآخر، وأُقصي المنافسون، وغابت الأصوات المستقلة، حتى استقرت البلاد على معادلة واحدة: دولة كاملة تدور حول فرد واحد.

 

أما حماة، فستبقى شاهدة على واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في التاريخ السوري الحديث. هناك لم يكن المنتصر هو الدولة، بل منطق القوة المجردة. وهناك ترسخ في الوعي السوري أن السلطة مستعدة للذهاب إلى أبعد الحدود من أجل البقاء. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد الخوف مجرد شعور، بل أصبح نظام حكم.

 

لقد أراد حافظ الأسد شعباً لا يسأل، ونخبة لا تعترض، وصحافة لا تكتب، وبرلماناً لا يحاسب. أراد وطناً يردد ما يُملى عليه، لا وطناً يصنع مستقبله بإرادة أبنائه. وحين يُغلق باب السياسة لعقود، لا ينبغي لأحد أن يتفاجأ حين تتراكم الأزمات حتى تنفجر.

 

إن أكبر خطيئة ارتُكبت بحق سوريا لم تكن فقط في القمع، بل في تحويل الدولة إلى رهينة للسلطة، والوطن إلى إرث سياسي، والمستقبل إلى ملكية عائلية. وحين رحل حافظ الأسد، لم ترحل معه هذه البنية، بل بقيت جاثمة على صدر البلاد، تورث أزماتها كما تورث مواقعها.

 

اليوم، وبعد كل ما جرى، يبدو تمجيد تلك المرحلة نوعاً من إهانة ذاكرة السوريين. فالأوطان لا تُقاس بعدد الصور المعلقة على الجدران، ولا بعدد الخطب التي أُلقيت في الساحات، بل بمقدار الحرية والكرامة والعدالة التي يعيشها الناس.

 

لن يغير التمجيد من الحقائق شيئاً. ولن تمحو القصائد الرسمية أصوات المعتقلين، ولا دموع الأمهات، ولا سنوات الخوف التي عاشها السوريون. فالتاريخ قد يختلف حول إنجازات الحكام وإخفاقاتهم، لكنه لا يرحم أولئك الذين جعلوا من الدولة أداةً لحماية حكمهم، ومن الشعب وقوداً لاستمرار سلطتهم.

 

في ذكرى رحيله، لا نرفع السلام على الحاكم الذي أحاط نفسه بهالة القداسة، بل نقف مع حق السوريين في أن يرووا تاريخهم كما عاشوه، لا كما كُتب لهم أن يرددوه.

 

رحل الرجل، وبقي السؤال الذي يطارده في صفحات التاريخ: ماذا يبقى من أي حاكم حين يسقط الخوف من قلوب الناس لكنه لايبرئ المستبدين. 

 

وفي ذكرى رحيله، لا نرفع السلام على الطغيان، بل نرفع صوتنا من أجل الحقيقة، ومن أجل وطنٍ يستحق الحياة، ومن أجل شعبٍ دفع أثماناً باهظة كي يستعيد حريته وكرامته. فالشعوب قد تصبر، وقد تُقهَر زمناً، لكنها لا تنسى، والتاريخ قد يتأخر في إصدار أحكامه، لكنه لا يبرئ المستبدين.

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

التي نجتْ منَ اللجامِ ..!! تماضر سعيد عودة

التي نجتْ منَ اللجامِ ..!! تماضر سعيد عودة
بوابة دمشق

ورق الحائط الأصفر..!!شارلوت بيركنز جيلمان

ورق الحائط الأصفر..!!شارلوت بيركنز جيلمان
بوابة دمشق

مدينة إسطنبول عبر التاريخ..!! د. تمام كيلاني

مدينة إسطنبول عبر التاريخ..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

نبض الأرض الفلسطيني في دمشق: أكثر من معرض للفن التشكيلي..!! عمر سعيد

نبض الأرض الفلسطيني في دمشق: أكثر من معرض للفن التشكيلي..!! عمر سعيد
بوابة دمشق

نجاة رجاح... حين يصبح الشعر وطناً آخر!! كوثر جعفر

نجاة رجاح... حين يصبح الشعر وطناً آخر!! كوثر جعفر
بوابة دمشق

نكسة حزيران..يوم سقطت الأوطان وبقيت الأنظمة!! د. تمام كيلاني

نكسة حزيران..يوم سقطت الأوطان وبقيت الأنظمة!! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

تابعونا


جارٍ التحميل...