إيبكاليبس الحرب : قراءة نقدية لقصة خبزنا الذي ننجبه أحمد فاروق بيضون..!!

إيبكاليبس الحرب : قراءة نقدية  لقصة  خبزنا الذي ننجبه  أحمد فاروق بيضون..!!

إيبكاليبس الحرب : قراءة نقدية لقصة خبزنا الذي ننجبه..!

 

 أحمد فاروق بيضون *

 

إيبكاليبس الحرب والتجرد من الانسانية في خبزنا الذي ننجبه.. بقلم المبدعة روعة سنبل:

منذ عتبة العنونة وما تزل عدسة الكاميرا تفتش عن كينونة رغيف الخبز.. ربما أصابنا الذهول المثخن بقتامة المشهد أو شيء من الضبابية لأنسنة هذا الخبز الذي يتم انجابه.. سرعانَ ما تتكشف الأمور في حضرة قابلة تعاون امرأة في مخاضها بعدما تفتق الرحم إيذانا بمولود ذكر يرتشف الحياة.. لكن - يبدو بأن تلك اللاهثة وراء مُحيا طفلها قد أيقنت منذ أول وهلة أنه بات من المستحيل أن يحيا مثل أخوته.. معللة ذلك لتلك الترهات والطقوس التي استنتها عشيرتها لما أتت الحرب أوزارها.. أبت القابلةأن يتم الرضاعة وبأن مكانه بين تنانير الخبز على خوان الطعام لينهمه الجميع! 

لما ذكرت البطلة مأساتها لتشي تلك اللامبالاة والسادية الوحشية للقابلة: (وأكّدتْ لنا أنّ صغيري هو الرّغيف الأجمل الذي شهدتْ ولادتَه في بلدتِنا كلها).. ما ابشع هذا التشبيه الاستعاري وذاك الجنون الغير مبرر الذي صاب عقول وأفئدة النساء تحت وطاة الوطيس.. وكان لسان حال المبدع الذي يعكس بيئته أو يعكس محطات إنسانية سوداء كالحة قنيئة بتاريخ البشرية لما قطعت الحروب دابرهم وجذَّرت أفواهاََ ضئيلة تواقة لرضاعة تمسدُ ثغراََ إلى وجبة من الخبز المحمص تحت رَمضاء الشمس.. ألهذه الدرجة غيبت الحروب الألباب وسلبت الرحمة من القلوب.. ما بالك بالقوارير من الإناث اللائي فقدن أسمى معاني الأمومة والرابط المشيمي مع الوليد وعشقهن لواءات تصدح في الفضاء.. هل وصل الحال بأن نصدق خرافات بأن رجال الصمود والدفاع لن تعود بمجرد إشهار ميلاد لروح تعبث وتلهو وتنمو وترتجي الوجود؟.. تساؤلات مثارة حول كانون من جحيم مستعر يتلظى بنار ارغفة صدر الحكم الإنساني عليها إن تحترق تأسياََ بثيمة الخوف والرهاب من البقاء بهذه الدنيا على ظهر كوكب متأجج؛ متغافلاََ القضاء والقدر الإلهي للخالق سبحانه الذي بيده ملكوت كل شيء وهو الذي خلق النفس ويعلم مستقرها ومستودعها وان ليس للإنسان إلا ما سعى.

 هذه القراءة التحليلية لهذه الفاجعة التي استحالت الحِكمة تدبرها وكأنها إيعازٌ بنذورهلكة ودنوّ يباس وقحط وتصحر الضمائر… وفي الختام يذهب ماء الأثداء ويذبل جسد الخبز في قماطه ليكون بمثابة وجبة تملأ بطونا قتلها الجوع وعقولا عطبت من الهول وقلوبا خلت من شآبيب الحب.. هكذا خطت الريشة ملتاعة وهي تبحث عن حيلة لتعيد تموضع الإنسانية على خارطتها لما صرحت الرواية المكلومة الخنساء:**

كنّا نمضغ خبزنا اليابس حين انصرفوا وأغلقوا خلفهم باب البيت بإحكام.

تبقى الأبواب الموصدة خلف ركام الإنسانية شاهدا على أننا نعيش الآن في إيبكاليبس يمهد لمشهد النهاية المحتومة والخطر المداهم وقيامة باتت قاب قوسين أو أدنى.. لما يصدح الخبز في وجهنا جميعاََ: (لماذا أنجبتموني بهذه الدنيا ؟!) 

كل الشكر والامتنان القديرة روعة سنوبر على إبداعها وأسلوبها السلس ولغتها الرائقة وموسيقاها الداخلية التي تتخلل المشهد وتضج من غصة الأم على فقيدها وتعملق غريزة الاستسلام في نفوس أناس مجبولون على الهوان بلا مقاومة.. السؤال الذي يفرض نفسه: (إلى متى سنظل أرغفةََ منبثَّة قيد الانتظار قبيل الوجبة المنشودة؟!) 

**********

نص القصة

 

خبزُنا الذي ننجبُه

 

"أعيني ولَدِك" صاحتِ القابلة العجوز وهي تُخرج أصابعَها من رحمي مفتوح الفم، راحت تمسّد بدأَبٍ أسفل بطني، بينما تقلّصٌ جديدٌ يبزغ من ظهري، ويزنّر حوضي.

دون سابق تمهيدٍ وجدتُ نفسي وسط هذا المخاض العسير، يحدثُ هذا في بلدتِنا منذ أشهر- بدأ على وجه الدّقّة حين مرّت ثلاثةُ أعوامٍ كاملة على غيابِ رجالِنا الذين ساقوهم إلى الحربِ الأخيرة- تنام إحدانا ببطنٍ خاوٍ مسطّح، وتستيقظ عند منتصفِ اللّيل بحملٍ ناضج وآلامٍ لا تُحتمَل.

 أثار الأمرُ ذعرَنا في البداية، ثمّ قبلناه كما نقبل هنا مع الوقت أشياء أخرى كثيرة، نعرف أنّنا جميعاً سنمرّ بهذه التّجربة يوماً، وأنّ المسألةَ مسألةُ انتظارٍ فقط، ومع ذلك فإنّ هذه المعرفة لا تخفّف من وطأةِ المفاجأة، ولا تهوّنُ من عُسرِ المخاض.

 "أعيني ولَدِك ليخرج، لم يبقَ الكثير" صاحت العجوز بصوتٍ أعلى وصفعتْ فخذي العاري، كانت آلام الطلق عنيفةً لحظتها، صرختُ بصوتٍ أقرب للعواء، ودفعتُ بكلِّ ما تبقى في جسدي من قوّة، فانزلقتْ من فَرْجي كتلةٌ دافئة، سكَنَ كلّ شيءٍ لبرهة، آلامي وصوتُ أنفاسِ القابلة، وتمتماتُ أمّي التي كانت قرب رأسي طوال المخاض تبتهلُ وتدعو وتتوسّل.

"حمداً لله على السلامة" قالت القابلة وعلا بكاء وليدي، دفعتْه نحو صدري، فتغلغلتْ في أنفي رائحةُ الخبز الطّازجة الّتي تفوح منه، احتجتُ بعض الوقت قبل أن أتجرّأ وأمدَّ يدي المرتجفة لأتحسّسَ جسدَه المدوّر السّاخن الطّري، الذي ما زال ملطّخاً باللّزوجة والدّم.

"ما أحلاه! انظرا كيف تتوزّع الفقاقيع السّمراء المقرمِشة على وجهه بتناسق" قالت القابلة هذا، وأكّدتْ لنا أنّ صغيري هو الرّغيف الأجمل الذي شهدتْ ولادتَه في بلدتِنا كلها، لم يعنِ لي هذا المديح شيئاً، لكنّ البِشْرَ ظهر على وجه أمّي، منحتْ بامتنانٍ القابلةَ مبلغاً إضافياً، ثمّ فتحتْ باب الغرفة بسعادة فدخلَ أطفالي، تحلّقوا حولي وعيونهم الجائعة تتأمّل أخاهم بنهم.

"لا ترضعيه!" قالتِ القابلة محذّرة قبل أن تغادر، وكنتُ بالطّبع أعرف أنّهم منعوا الإرضاع منذ أنجبتْ أوّلُ حبلى هنا رغيفاً، أطعْناهم كعادتِنا دونَ نقاش، لكنّنا وللحقيقةِ انشغلْنا لبعضِ الوقتِ بالأسئلة السّخيفة، مثل: كيف لنا أن نحبل؟ ممّن؟ ولماذا؟ تهامسْنا بالأسئلة زمناً ولم نلبث أن صمَتْنا، فالأرغفةَ هبةٌ منهم، ومن عدمِ المروءةِ أن يسأل المرءُ عن تفاصيلِ الهِبات، ومع ذلك ما تزال بعضُ الأحاديث الخافتة تتردّد هنا وهناك، تزعم أنّه حين يبدأ بطن إحدانا بالتكوّر، وتحبل بين الوقت والآخر، فهذا يعني أنّ رجُلَها لن يعود أبداً، تذكّرتُ هذه الشّائعاتِ فارتعش قلبي، وطفَرَ الدّمعُ من عينيّ، لكنّني هششْتُ مخاوفي بعيداً عنّي، وأشغلتُ نفسي بمراقبةِ أطفالي.

***

لم أتقصّدْ أن أخالفَ قوانينَهم أو أن أتحدّى سلطتَهم، بدأ الأمر كلُّه صدفةً في اللّيلة التّالية لولادتي، استيقظتُ في منتصفِ اللّيل على صوتِ بكاءِ صغيري، ولأنّني كنتُ منهَكة، فقد ضممْتُه إلى صدري، وبشكلٍ غريزيٍّ قرّبتُ حلمتي منه، تنبّهتُ بعد لحظاتٍ إلى الخطأ الذي ارتكبتُه، لكنّ الحليب كان قد بدأ يسيلُ من ثدييَّ بغزارة، ولأنّ صغيري دون فم فقد أخذ جسدُه كلّه يغبُّ الحليبَ بشراهةِ إسفنجةٍ صغيرة، رضع ليلتَها حتّى شبع ونام.

 أرضعتُه أيضاً في اليوم التّالي، مفترضةً بسبب سذاجتي، أنّ بضع رضعات صغيرةٍ كلّ يومٍ لن تضر، وفي الحقيقة فقد أفهموني فيما بعد أنّ أمومتي اللّعينة هي الّتي جعلتْني ضعيفة، وأغرتني لأطيلَ عمرَ ابني ولأضمّه إلى صدري أطول وقت ممكن.

 أسبوعٌ كامل من الرّضاعة بالخفاء ولم يزدد حجم صغيري ولو عقدة إصبع، لكنّ وزنَه زاد، صوت بكائِه صار عالياً، وجسده أصبح كتلة عجينيّة، دبقة ثقيلة، لها رائحةٌ زنِخة حامضية، وتشبه وجه جنينٍ آدمي، أدركتُ حينها خطئي، وحاولتُ أن أفعل ما كان يجب فعله منذ البداية حسب تعليماتهم، أعني أن أترك الرغيف ثلاثة أيّام في الشّمس والهواء كي يصبحَ جاهزاً، لكنّني مع صوتِ بكائه المرتفع وكلِّ الحليب في جسده، أدركتُ أن الأوان قد فات. 

ولأنّ لهم آذانٌ وعيونٌ كثيرة، فقد كنتُ على يقينٍ أنّهم سيعرفون قريباً، ولهذا خرجتُ بنفسي إليهم، وصلتُ السّاحة وسط المدينة أحملُ ابني بين ذراعيّ، طالبةً مساعدتَهم، وجاهزةً للعقاب الذي أستحقّه.

" انظري ماذا فعلتِ! أرضعتِه فأكسبته بذور ملامح، ومنحْتِه احتمالاتِ حياة، لقد حوّلتِه إلى مسخ" نهَرَني أحدُهم وهو يدفعني بغلظة ويأخذُ صغيري منّي، ناوله لآخر راح يتأمّله بما يشبه الخوف، ثمّ مضى به بعيداً عني، بينما عصَبَ ثالثٌ عينيّ وغلّ يديّ واقتادني إلى الأسفل.

لا أدري كم استضافوني، فالمكان عندهم مظلمٌ لم أعرف فيه ليلاً من نهار، وحيدة بين أربعة جدران تخبّطتُ باكيةً ملتاعة، ثدياي حجران ثقيلان مؤلمان، قلبي يأكله القلق على أطفالي الجائعين، ورأسي مسكونٌ بصوت بكاء طفلي، مرّ الوقت ثقيلاً لكنّني أدركتُ في النّهاية أنّهم محقّون، فالظّلمة والوحدة كانتا جيّدتين من أجلي إذ يبسَ كلّ شيء، الثّديان والعينان والرأس والقلب، وعندها شعرتُ بالرّاحة.

حين أخرجوني كان أحدُهم يحمل بين ذراعيه شيئاً ملفوفاً بالكامل بقماش أبيض، رافقوني حتى بيتي، وهناك تأكّدتُ أنّ الشّيء هو صغيري، أبعدوا أطراف القماش ووضعوا الصّغير على الأرض، تحلّقنا حوله نتأمّله بفضول، كان خامداً يابساً كما ينبغي.

 تنحنح أحدُهم، ثمّ أومأ لي برأسه فناولتُهم الصّغير، قصفوه بحرصٍ إلى قطعٍ صغيرة شبه متساوية: قطعة لي، قطعة لأمي، أمّا ما تبقّى منه فقد وزّعوه على إخوته الجائعين. 

بسَكينةٍ كنّا نمضغ خبزنا اليابس حين انصرفوا وأغلقوا خلفهم باب البيت بإحكام.

قصة بقلم / روعة سنبل

 

* كاتب وناقد مصري.

 

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

من القلم إلى القدم.. إلى الإبهام..!! د. تمام كيلاني

من القلم إلى القدم.. إلى الإبهام..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

الغابة والصراع من أجل البقاء..!!د. قاسم عبد العزيز الدوسري

الغابة والصراع من أجل البقاء..!!د. قاسم عبد العزيز الدوسري
بوابة دمشق

في ذكرى رحيل المقبور حافظ الاسد لا تُلمِّعوا وجه الطغيان ولاسلام على المجرمين ..!! د. تمام كيلاني

في ذكرى رحيل المقبور حافظ الاسد لا تُلمِّعوا وجه الطغيان ولاسلام على المجرمين ..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

التي نجتْ منَ اللجامِ ..!! تماضر سعيد عودة

التي نجتْ منَ اللجامِ ..!! تماضر سعيد عودة
بوابة دمشق

ورق الحائط الأصفر..!!شارلوت بيركنز جيلمان

ورق الحائط الأصفر..!!شارلوت بيركنز جيلمان


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

تابعونا


جارٍ التحميل...