من مفارقة العنوان إلى انزياح اللغة وقلب التناص!! سعيدة بركاتي

من مفارقة العنوان إلى انزياح اللغة وقلب التناص!! سعيدة بركاتي

 

من مفارقة العنوان إلى انزياح اللغة وقلب التناص!!

 

سعيدة بركاتي*

 

قراءة نقدية في ققج "نهش الشياطين" للإعلامية إلهام عيسى/ سوريا.

المدخل:
"سقف من قماش وخيبات بلا نهاية : المخيم حين ينهشه الصمت" عنوان يلخّص مأساة النص في ثلاث إشارات : هشاشة السقف رمزًا للطموح المسلوب ، واستمرار الخيبة مدادًا لا ينضب ، والصمت أنيابًا للشياطين .

ومن عتبة : "كان الليل ساخنًا، صدور عارية ..."، ألم يسقط قناع "الإنسانية "؟ أليس النص مفارقة بين الشعار والنهش ؟ أليست اللغة مكسورة كالبيوت ؟ ألم يتحول الصبر إلى اتهام ؟


التحليل:
 مفارقة العنوان والواقع
انطلاقا من العنوان "نهش الشياطين" يتلقى القارئ صدمة عن الفاعل ، فالفاعل شيطانيّ صرف ، وفعله "النهش" لا القتل الرحيم ولا الأذى العابر . والنهش تقطيع بطيء ، أكل من الأطراف حتى وصل إلى العظم ، فالألم وصل حد العظم . و نهش مزق و قطع بالأسنان .
العبارة مبنية على الاستعارة المكنية ؛ حيث حُذف المشبَّه به وهو ( السباع أو الكلاب المفترسة ) وجيء بصفة من صفاتها وهي ( النهش : أي العض بمقدم الأسنان والتمزيق ) ، وإسنادها إلى ( الشياطين ) لإفادة شدة الأذى ، والتمزيق البطيء ، والتعذيب المتواصل و الألم القبيح .
تتضاعف الصدمة مع الجملة الختامية : "بعنوان الإنسانية". فالمكان معسكر لجوء ، و اللافتة المرفوعة عليه "إنسانية". وهكذا لا تهاجم الشياطين من الخارج ، بل تنهش من الداخل وتحت غطاء أخلاقي لامع و برّاق . والقاصة لا تحكي معاناة اللاجئ فحسب ، بل توجه الاتهام إلى ازدواجية الخطاب العالمي : "الليل ساخن / صدور عارية / دخان الصرخات يلف الخيام / : تفاصيل تفضح أن هذا السقف من القماش لا يحمي أحدًا ، وأن شعار الإنسانية ما هو إلا قناعًا يخفي وحشية الإهمال ، حتى تحوّل المخيم من ملجأ مؤقت إلى " مذبح أو مسلخ " يومي تُسلطن فيه الشياطين باسم الرحمة.

اللغة المكسورة مرآة للواقع المهشّم
بعد كشف المفارقة العنوانية ، تتجلى تقنية القصة في البنية اللغوية . القاصة لم تكتب بلغة فصيحة مترفة بل كتبت بلغة مهشمة توازي هشاشة الخيمة : تقول : "كان الليل ساخنًا، صدور عارية، أحلام مبللة بعرق الانتظار، مداد العيون لا ينتهي" : جمل اسمية متقطعة ، بلا أفعال و دون روابط ، كأنفاس مقطوعة ( اسلوب لغوي عهدناه في الققج مع الدكتورة إلهام عيسى). وهذا الانزياح النحوي متعمّد ، فحذف الفعل هو حذف الفاعل الحقيقي من المشهد ، كما حُذف حق اللاجئ من العالم . ثم تكديس الصور بلا عطف و لا ربط يخلق إحساس الاختناق، البحث عن النفس ( جانب من المعاناة يعيشها المتلقي )، كأن الكلمات نفسها محشورة في خيمة ضيقة بالية، كانها تحتضر، حتى استعارة "مداد العيون لا ينتهي" قاسيةجدا: فالدموع تحوّلت حبرًا لا ينضب لأن الحكاية لم تنته بعد... وعليه فقد أصبحت اللغة أداة معاناة لا أداة وصف، فكل كسر نحوي كسر في جدار بيت، وكل جملة ناقصة هي فعلا حياة ناقصة. فنص القصة يكسر القواعد كما كُسرت القلوب.

 التناص المقلوب مع الصبر
تبلغ القفلة "بعنوان الإنسانية" ذروة النص عبر تناص خفي مع قصة أيوب عليه السلام .
فالصبر في الموروث الديني فضيلة تُثاب، و بلاء يُحتسب وخاتمته فرج وعوض . لكن الهام عيسى تقلب هذا التناص رأسًا على عقب : هنا الصبر نُزعت عنه سيمة الفضيلة فأصبح "مداد العيون لا ينتهي". أيوب صبر فجاءه الفرج من أوسع أبواب الرحمن، وأهل المخيم يصبرون فلا يأتيهم إلا "ليل ساخن" و "صدور عارية" أخرى فيحوّل النص التناص من مواساة إلى اتهام صارخ: أي صبر هذا الذي لا نهاية له؟ وأي إنسانية تلك التي تطلب من المقهور أن يصبر إلى ما لا نهاية، ثم تكتفي برفع شعارها فوق رأسه " الانسانية"؟ وبهذا أبدعت الكاتبة في فضح ازدواجية الخطاب: فالصبر المطلوب من اللاجئ ليس طريقًا إلى النجاة، بل هو أفيون مخدّر تُسكّت به الضمائر. وعليه تصبح الخاتمة طعنة لا خاتمة، فالنهش مستمر ما دام القناع مرفوعًا.

الخاتمة:
يتضح جليًا مما تقدم ذكره أن ققج "نهش الشياطين" نص مكثف وصادم ، نجح في اختزال مأساة المخيم في ومضة سردية. وقد قامت بنية نص القصة على ثلاث ركائز: مفارقة العنوان التي كشفت ازدواجية الخطاب بين شعار الإنسانية ونهش الواقع/ لغة منزاحة مكسورة جسّدت كسر البيوت وكسر النفوس/ تناص مقلوب مع الصبر حوّل المواساة إلى صرخة اتهام . وبهذا لا يطلب النص الشفقة، بل يطلب إسقاط الأقنعة، وكشف الشياطين التي تنهش تحت غطاء الرحمة.


القصة:
نهش الشياطين ق ق ج
في مخيمات اللجوء كان الليل ساخنا، صدور عارية، قصص محفورة في اخاديد الزمن، دخان متصاعد يشرأب من زفير الصرخات، أحلامهم معلقة مهب الريح، ضرب فأسه تلابيب من حجارة، صرخت قلوبهم بحرارة فيما ظلت عيونهم مستغرقة بمداد لا ينتهي، استعرض سقف الطموح ثم استذكر عدد الخيبات، ردد بشهق.. هكذا تسلطن الشياطين و تنهش بعنوان الإنسانية.

 

*كاتبة تونسية.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

إيبكاليبس الحرب : قراءة نقدية لقصة خبزنا الذي ننجبه أحمد فاروق بيضون..!!

إيبكاليبس الحرب : قراءة نقدية لقصة خبزنا الذي ننجبه أحمد فاروق بيضون..!!
بوابة دمشق

من القلم إلى القدم.. إلى الإبهام..!! د. تمام كيلاني

من القلم إلى القدم.. إلى الإبهام..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

الغابة والصراع من أجل البقاء..!!د. قاسم عبد العزيز الدوسري

الغابة والصراع من أجل البقاء..!!د. قاسم عبد العزيز الدوسري
بوابة دمشق

في ذكرى رحيل المقبور حافظ الاسد لا تُلمِّعوا وجه الطغيان ولاسلام على المجرمين ..!! د. تمام كيلاني

في ذكرى رحيل المقبور حافظ الاسد لا تُلمِّعوا وجه الطغيان ولاسلام على المجرمين ..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

التي نجتْ منَ اللجامِ ..!! تماضر سعيد عودة

التي نجتْ منَ اللجامِ ..!! تماضر سعيد عودة


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

تابعونا


جارٍ التحميل...