من باريس إلى دمشق: هل حان وقت مراجعة الشهادات الأكاديمية المشكوك بها..؟! د. تمام كيلاني
من باريس إلى دمشق: هل حان وقت مراجعة الشهادات الأكاديمية المشكوك بها..؟!
د. تمام كيلاني*
في الأيام الماضية، هزّ الأوساط الأكاديمية الأوروبية خبر سحب جامعة باريس سيتي الفرنسية شهادة الدكتوراه من الفيزيائي والمفكر المعروف إتيان كلاين، بعد تحقيق أكاديمي استمر قرابة عشرين شهراً، خلص إلى وجود حالات واسعة من الانتحال والاقتباس غير الموثق في أطروحته للدكتوراه التي نوقشت قبل أكثر من ربع قرن.
قد يعتقد البعض أن القضية تخص جامعة فرنسية أو باحثاً فرنسياً معروفاً، لكنها في الحقيقة تتجاوز الأشخاص والحدود الجغرافية، لأنها تعيد طرح سؤال جوهري: ما قيمة الشهادة العلمية إذا لم تُبنَ على النزاهة العلمية؟
إن أهم ما في قضية إتيان كلاين ليس حجم الشهرة التي يتمتع بها الرجل، بل الرسالة التي بعثتها الجامعة إلى العالم بأسره: لا أحد أكبر من المعايير الأكاديمية، ولا تسقط السرقة العلمية بالتقادم، حتى لو مرت عشرات السنين على منح الدرجة العلمية. فقد أثبتت القضية أن الزمن لا يحول الخطأ إلى حقيقة، ولا يحول الانتحال إلى إنجاز علمي.
ولم تكن فرنسا الدولة الأوروبية الوحيدة التي واجهت مثل هذه القضايا.
ففي ألمانيا، خسر وزير الدفاع الأسبق كارل تيودور تسو غوتنبرغ شهادة الدكتوراه بعد اكتشاف حالات واسعة من الانتحال في أطروحته، وانتهت القضية باستقالته من منصبه رغم شعبيته الكبيرة آنذاك. كما اضطرت وزيرة التعليم والبحث العلمي الألمانية أنيته شافان إلى الاستقالة بعد أن سحبت جامعة دوسلدورف شهادة الدكتوراه الخاصة بها بسبب ما وصفته الجامعة بأنه “خداع منهجي ومتعمد” في الرسالة العلمية.
أما في رومانيا، فقد تحولت قضية رئيس الوزراء السابق فيكتور بونتا إلى واحدة من أشهر فضائح الانتحال الأكاديمي في أوروبا الشرقية، بعدما أثارت لجان أكاديمية وتقارير مستقلة شبهات قوية حول أجزاء كبيرة من أطروحته للدكتوراه، لتصبح القضية رمزاً للنقاش الدائر حول نزاهة المؤسسات الأكاديمية ودورها في حماية المعايير العلمية.
هذه الدول لم تنهَر عندما كشفت أخطاء الماضي، بل على العكس، ازدادت قوة مؤسساتها لأن الجامعات اختارت حماية الحقيقة لا حماية الأشخاص.
وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن يشغل كل أكاديمي سوري اليوم:
ماذا عن سوريا؟
بعد عقود طويلة من هيمنة النظام السابق على مؤسسات الدولة، ومنها الجامعات، لا يمكن تجاهل حقيقة أن الحياة الأكاديمية السورية تأثرت بشكل عميق بالمحسوبيات والتدخلات السياسية والأمنية والحزبية.
لقد عرف السوريون لسنوات طويلة أن الولاء السياسي كان أحياناً أقصر الطرق إلى المناصب الجامعية، وأن بعض الترقيات الأكاديمية لم تكن دائماً مرتبطة بالإنتاج العلمي الحقيقي. كما أن كثيراً من الباحثين المتميزين أُقصوا أو هاجروا، في حين صعد آخرون بفضل النفوذ والعلاقات أكثر مما صعدوا بفضل البحث والابتكار.
لا يعني ذلك بالطبع التشكيك في جميع الشهادات أو الطعن في كفاءة الجامعات السورية التي خرجت آلاف العلماء والأطباء والمهندسين المرموقين، لكن المرحلة الجديدة التي تعيشها سوريا تفرض إعادة بناء الثقة بالمؤسسات الأكاديمية على أسس شفافة وعادلة.
إن وزارة التعليم العالي السورية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بفتح ملف النزاهة الأكاديمية بكل شجاعة ومسؤولية. وليس المقصود إطلاق حملات انتقام أو تصفية حسابات سياسية، بل إنشاء لجان علمية مستقلة تراجع الشهادات والأبحاث والترقيات التي تحيط بها شبهات جدية، وفق معايير أكاديمية دولية واضحة.
لقد دخل العالم عصر الذكاء الاصطناعي وبرامج كشف الانتحال المتطورة. وما كان يصعب اكتشافه قبل عشرين أو ثلاثين عاماً يمكن كشفه اليوم خلال دقائق. ولذلك فإن مراجعة الرسائل الجامعية القديمة لم تعد مهمة مستحيلة كما كانت في الماضي.
إن الدول التي تحترم جامعاتها لا تخشى الحقيقة، بل تبحث عنها.
ولا يمكن لسوريا الجديدة أن تبني نظاماً تعليمياً حديثاً إذا بقيت الملفات الأكاديمية الحساسة خارج دائرة المراجعة والمساءلة. فإعادة الاعتبار للعلم تبدأ بإعادة الاعتبار لقيم الأمانة العلمية والشفافية والاستحقاق.
إن قضية إتيان كلاين في فرنسا، وقضايا غوتنبرغ وشافان في ألمانيا، وقضية بونتا في رومانيا، ليست مجرد أخبار أوروبية عابرة، بل دروس عملية تؤكد أن الشهادة الأكاديمية ليست امتيازاً دائماً، وإنما مسؤولية أخلاقية تستمر ما دام صاحبها يحمل ذلك اللقب.
واليوم، تقف سوريا أمام فرصة تاريخية نادرة لإعادة بناء جامعاتها على أساس الجدارة والكفاءة والنزاهة. وإذا كانت أوروبا قد امتلكت الشجاعة لمراجعة أخطاء مضى عليها ربع قرن، فإن من حق السوريين أن يتطلعوا إلى يوم تصبح فيه الشهادة العلمية عنواناً للمعرفة الحقيقية، لا للنفوذ أو الولاء أو العلاقات.
فالأوطان تُبنى بالعلم، والعلم لا يُبنى إلاعلى الحقيقه.
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
عدنان مندريس.. شهيد الديمقراطية وصوت الأذان الذي عاد إلى سماء تركيا..!! د. تمام كيلاني
سيغريد هونكه… Sigrid Honke شاهدةٌ للحقيقة في زمن العمى الحضاري..!! د. تمام كيلاني
حين تصبح الحقيقة خادمةً للسلطة..!! د. تمام كيلاني
الذاكرة لا تتذكر فقط… بل تختلق أيضًا..!! د. تمام كيلاني
من مفارقة العنوان إلى انزياح اللغة وقلب التناص!! سعيدة بركاتي
إيبكاليبس الحرب : قراءة نقدية لقصة خبزنا الذي ننجبه أحمد فاروق بيضون..!!
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...