قراءة لـ: نهش الشياطين ق ق ج للكاتبة إلهام عيسى!! د. توفيق مدار

قراءة لـ: نهش الشياطين ق ق ج للكاتبة إلهام عيسى!! د. توفيق مدار

 

قراءة لـ: نهش الشياطين ق ق ج للكاتبة إلهام عيسى!!


د. توفيق مدار*


"في مخيمات اللجوء كان الليل ساخنا، صدور عارية، قصص محفورة في اخاديد الزمن، دخان متصاعد يشرئب من زفير الصرخات، أحلامهم معلقة مهب الريح، ضرب فأسه تلابيب من حجارة، صرخت قلوبهم بحرارة فيما ظلت عيونهم مستغرقة بمداد لا ينتهي، استعرض سقف الطموح ثم استذكر عدد الخيبات، ردد بشهق.. هكذا تسلطن الشياطين و تنهش بعنوان الإنسانية.


يمثل نص الكاتبة إلهام عيسى الذي بين أيدينا تحفة فنية على الأقل من الجانب الفني وهو ينتمي إلى جنس القصة القصيرة جداً (ق.ق.ج)، وهو جنس من الاجناس الأدبية التي تدخل تحت مظلة ما أسميه ب : (جوامع الكلم الأدبي) تجاوزا وهو جنس يراوغ بين الحروف والكلمات فيولد المعنى الوسيع في كلمات معدودات يولد بهيا نقيا هادفا هاديا هادئا وبالدرجة الأولى يعتمد على تكثيف المعاني في ومضة (إشهارية)، ويختم بالضربة الخاتمة التي تصنع (المفارقة) التي تفكك أبعاد هذا النص المؤلم والمشحون.
فالعتبة النصية هنا أو الاستهلال استطاعت الهام عيسى أن تصدم المتلقى وتدهشه وقد تورطه فانتخبت عتبة مدهشة إذ تقول"نهش الشياطين" فهذه العتبة هي إحالية صادمة. فتلاعبت باللغة النحوية واستخدمت المصدر "نهش" الذي يشي بوحشية حيوانية غريزية، وربطته بـ "الشياطين" لتخرج الحدث من سياقه المعتاد أو الخطأ البشري الطبيعي إلى سياق الشر المطلق واللغة التشبيهية هنا بليغة. فالعنوان يلخص القيمة الشعورية للنص قبل أن تقحم نفسك في التفاصيل.
تبدأ الكاتبة بـ "في مخيمات اللجوء كان الليل ساخناً". تظهر هنا مفارقة حية ساخنة فالمخيمات في وعينا الجمعي مرتبطة أساسا بالبرد والعرين المكشوف،والصدور العارية لكن " النفسية المشتعلة والأحاسيس الملتهبة والظلم كل ذلك جعلت الليل "ساخناً" بالوجيعة والترقب، لا بالدفء والحنو.
لتنتقل الكاتبة سريعاً وترسّم مشهدا نصيا تمثل في أجساد الشخوص: "صدور عارية، قصص محفورة في أخدود الزمن"وهي بذلك تحاول توثيق لحظة هاربة خشية أن تدخل في طي النسيان لتحول تلك الصدور والأجساد نفسها إلى وثائق جغرافية وتاريخية تعبر عن الألم تحمل لقارئها الشعور ذاته الذي عاشته وهو الوجع، والفقد والحرمان... وتلك الأخاديد ليست في الأرض فقط، بل في ملامح اللاجئين والمنهكين وخط الزمن تجاعيده على تلك الجبهات.
ومن زاوية الصورة البلاغية فقد برعت الكاتبة في تقديم صور سريالية مكثفة تناسب وجع اللجوء ويبرز هذا في قولها "دخان متصاعد يشرأب من زفير الصرخات" فهنا لحظة أنسنة فريدة (التشخيص)، فالصرخة التي خرجت من الصدور العارية تجسدت خرج معها دخان يمد عنقه مشرئبا وكأن الوجع وصل من المدى يبحث عن مخرج أو عين تراه.
وتصور الهام عيسى بصورة كلاسيكية قد تبدو مألوفة إلا أنها وظفتها في سياق يعكس فقدان البوصلة ليعم فقدان التوازن ويبقى الااستقرار هو الحقيقة في وضعهم هذا إذ تقول"أحلامهم معلقة مهب الريح" ..وتوظف الهام عيسى الفأس كرمز للمحاولة والقوة والعزم وقد يكون للموت أو حفر القبور لتضرب به تلابيب الحجارة وكأنها تقول بفأسهم هذا سنهدم بيوت المستوطن "ضرب فأسه تلابيب من حجارة" (والتلابيب هي ممسك الثوب عند العنق) يمنح الحجارة صبغة إنسانية، كأن الأرض عاصية وخانقة.
لقد حاولت الهام عيسى أن تجدد بناء وعي الأمة لتصنع المفارقة الختامية في اللحظة التي تستغرق فيها العيون بـ "مداد لا ينتهي" لترمز بذلك إلى الانتظار الطويل قد يؤدي إلى المجهول المحتوم لكنها تحدث تحولا نفسيا في أعماق البطل في لحظة المونولوج والصراع الداخلي في نفسه "استعرض سقف الطموح ثم استذكر عدد الخيبات" فهذه العبارة هي ذروة الصراع الداخلي جمعت موازنة رياضية قاسية بين ما يعيشه ويراه اللاجئ (السقف المنهار أصلاً) وبين الواقع النفسي والمحيط (الخيبات المتراكمة).
وتختار الكاتبة مغلاقا فولاذيا لنصها أو فقل الضربة القاضية بلغة كرة القدم "ردد بشهق.. هكذا تسلطن الشياطين و تنهش بعنوان الإنسانية."
فالخاتمة هنا تحمل تعرية سياسية وفلسفية لكل من ينظّر على اللاجىء من شياطين الإنس لقوى الظالمة و الحروب و أكثر منهم تجار المآسي الذين لا يمارسون شرهم بشكل فج، بل يجعلون لأنفسهم سلطة ينهشون من خلالها الأجساد الضعيفة محتمين بشعار الإنسانية وهي منهم براء ف "الشهق" هنا ليس مجرد صوت فيزيائي، بل هو تشنج الروح أمام حجم النفاق العالمي الملاحظ.
وختاما يمكننا القول أن النص نجح بامتياز في معايير الـ (ق.ق.ج)؛ فاللغة مشحونة، والحدث مقتضب، والقفلة غيّرت مسار النص من مجرد وصف لمعاناة لاجئ إلى صرخة احتجاج ضد النفاق الكوني.
الهام عيسى في نصها هذا تجمع بين النقيضين: الإنسانية التي يُفترض بها الحماية والرحمة وفعل الالتهام الوحشي. هذا التناقض الصادم هو بالضبط ما يعكس جوهر الخاتمة في نص الكاتبة إلهام عيسى، حيث تتحول الشعارات البراقة إلى غطاء لنهش المستضعفين.

 

*كاتب جزائري.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

راشد القناص: حين يصبح التراث رسالة لا هواية!! عبد الكريم العفيدلي

راشد القناص: حين يصبح التراث رسالة لا هواية!! عبد الكريم العفيدلي
الثقافة والأدب

عائشة بريكات: لا أكتب الحقيقة... أكتب كي لا أفقدها!! عبد الكريم العفيدلي

عائشة بريكات: لا أكتب الحقيقة... أكتب كي لا أفقدها!! عبد الكريم العفيدلي
الثقافة والأدب

رؤية نقدية حول (ق ق ج) للكاتب السوداني عبد الباسط عبد الله!! ماجد القيسي

رؤية نقدية حول (ق ق ج) للكاتب السوداني عبد الباسط عبد الله!! ماجد القيسي


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

تابعونا


جارٍ التحميل...