هل يصبح الجاهل ناطقًا رسميًا؟

هل يصبح الجاهل ناطقًا رسميًا؟
د. تمام كيلاني

هل يصبح الجاهل ناطقًا رسميًا؟
بيان اتهام في زمن انهيار العقل

 

د. تمام كيلاني*

لم يعد سؤال الدكتور فيصل القاسم «هل يصبح الجاهل ناطقًا رسميًا؟» استفهامًا بلاغيًا أو مبالغة نقدية، بل توصيفًا دقيقًا لواقع عربي مأزوم، واقعٍ انقلبت فيه المعايير رأسًا على عقب، فارتقى الجهل إلى موقع السلطة، وتراجع العقل إلى الهامش، وأُقصي أهل المعرفة لحساب أكثر الأصوات ضجيجًا وفراغًا.

نحن لا نعيش أزمة تعبير، بل أزمة وعي. فحرية الكلمة التي كان يُفترض أن توسّع أفق النقاش العام، تحوّلت إلى فوضى ادّعاء، حيث يتساوى الرأي المبني على معرفة مع الجهل العاري، ويتحوّل المنبر المفتوح إلى منصة لتسويق الوهم، لا لتبادل الأفكار. لم يعد يُسأل المتكلم عمّا يعرف، بل عن مدى ثقته بنفسه، ولم تعد قيمة الفكرة فيما تحمله من مضمون، بل فيما تُحدثه من صخب واستقطاب.

الجاهل في هذا العصر ليس ضحية، بل فاعل عدواني. إنه يتقدّم بلا تردد، يتكلم في كل شيء، ويفتي في كل شأن، ويصادر حق الاختصاص، ويعامل الشك بوصفه ضعفًا، والمعرفة بوصفها ترفًا. لا يعترف بحدود جهله، ولا يحتمل النقد، ولا يرى في الحوار إلا تهديدًا لسلطته الزائفة. وحين يمتلك هذا النموذج جمهورًا ومنصّة، يتحوّل من شخص جاهل إلى خطر عام، يلوّث الوعي ويعيد تشكيل الرأي العام على أسس هشة وخطيرة.

السياسة اليوم تُدار بمنطق التبسيط الفجّ. قضايا مصيرية تُختزل في شعارات، وتاريخ معقّد يُختصر في روايات انفعالية، والتحليل يُستبدل بالتحريض. المنصّات لا تكافئ الفهم، بل الانفعال، ولا ترفع منسوب الوعي، بل منسوب الغضب. وفي هذا المناخ، لا يُقصى الجاهل وحده، بل يُقصى العقل نفسه، بوصفه عنصر إزعاج لا ينسجم مع منطق السوق الإعلامي.

المشكلة ليست في أفراد، ولا في أسماء، بل في بنية كاملة تنتج هذا المشهد وتعيد إنتاجه. بنية تكافئ السطحية، وتروّج التضليل، وتعاقب العمق، وتدفع أصحاب المعرفة إلى الصمت أو العزلة. في مثل هذه البيئة، يصبح الجاهل ناطقًا رسميًا بلا تفويض، وبلا مساءلة، وبلا وعي بحجم الخراب الذي يصنعه.

وحين يتحوّل الجهل إلى رأي عام، لا يبقى جهلًا فرديًا، بل يصبح قوة سياسية. يحرّك الجماهير، يضغط على القرار، ويعيد تشكيل الوعي الجمعي. عند هذه النقطة، لا يعود الجهل نقصًا في المعرفة، بل أداة هدم منظم، تُستخدم لتفريغ السياسة من معناها، والعقل من وظيفته، والحقيقة من قيمتها.

ولا يمكن إعفاء النخب من هذه الجريمة الصامتة. فانسحاب أهل الاختصاص من الفضاء العام لم يكن حيادًا، بل تخلّيًا. وصمت العقلاء لم يكن حكمة، بل تقاعسًا. الفراغ لا يُترك بلا بديل، ومن ينسحب من المعركة يخسرها حتمًا، ويترك الساحة لمن لا يملك إلا الصوت العالي والثقة الكاذبة.

هذا الكلام ليس عداءً لحرية التعبير، بل دفاعًا عنها في معناها الحقيقي. فحرية التعبير لا تعني مساواة الجهل بالمعرفة، ولا منح الأكاذيب صفة الرأي، ولا تحويل التضليل إلى وجهة نظر محترمة. حرية التعبير بلا معرفة ليست حرية، بل فوضى، وبلا مسؤولية ليست حقًا، بل أداة تدمير.

السؤال اليوم لم يعد: هل يصبح الجاهل ناطقًا رسميًا؟
بل: إلى متى نسمح له بذلك؟

إما أن نستعيد قيمة المعرفة، ونُعيد الاعتبار للعقل، ونكسر سلطة الجهل المصنوع،
أو نقبل – عن وعي أو تواطؤ –
أن يُدار وعينا ومستقبلنا
على يد من لا يعرف…
ولا يريد .

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

“اغفر لأعدائك، لكن لا تنسَ أسماءهم”: دروس سوريا بين الماضي والحاضر!!

“اغفر لأعدائك، لكن لا تنسَ أسماءهم”: دروس سوريا بين الماضي والحاضر!!
الثقافة والأدب

حين يغيب الميزان ويحضر المزاج: من خراب نصف قرن إلى أمل عام 2026

حين يغيب الميزان ويحضر المزاج: من خراب نصف قرن إلى أمل عام 2026


الاكثر شهرة

تابعونا


جارٍ التحميل...