إلى أمي في السماء.. جسدي خريطة وطن ضائع، وحضنكِ هو وطني!!

إلى أمي في السماء.. جسدي خريطة وطن ضائع، وحضنكِ هو وطني!!

إلى أمي في السماء.. جسدي خريطة وطن ضائع، وحضنكِ هو وطني!!

أعيديني...

 

روعة سنوبر*

 

أمّاه، إنّني أتشظّى ألمًا، أرجوكِ عانقيني بعمق، ذاك العناق الأخير، قبليني، واردمي فوقي التراب، فقد فاقت قوّة احتمالي قدرتي.

 

أنا يا أمّاه مصلوب الجسد، نصفُي ممدود تحت التراب، ونصفي الآخر عالق في الفراغ.

أعيديني إلى جوفكِ، وسأخرج كائنًا آخر غيري، ربّما أنبتُ زهرة بنفسج، أو شجرة ياسمين دمشقي، أرويها من دمي النازف أمامي.

 

أمّاه، اهتزّ قلبكِ للعابرين غيري، أفلا يهتزّ لحظةً لأجلي؟ أنا أيضًا عابر طريق، ملّته الحياة، مشطور إلى نصفين: نصف ميت، والنصف الآخر لا يزال يتنفّس، وهذا أكثر ما يعذّبني.

 

أنا يا أمّي يعذّبني الحنين، ويعزّ على قلبي الفراق، فلا أريد بعد اليوم جسدي، لا أريد ذاكرتي، ولا أريد شيئًا منّي، فقط أريد حضنكِ البعيد عنّي. خذيني بعيدًا إليكِ، إلى رحمكِ الدافئ، كي أنجو من هلاكي، فالجوّ هنا كئيب اللون أزرق، رائحة الموت تستثير غثياني، والإسمنت الثقيل يحزّ جلدي كسيف من جليد. التراب يردم عينيّ المجروحتين، فلا يمكنني رؤية الأشياء من حولي، لا شيء سوى ظلمة قاسية مريعة. عشعش الغبار داخل فمي، ونسج العنكبوت بيتًا أنيقًا ليسكنه، وأنا هنا أبني صلواتي ومذبحي، أصرخ بشدّة، لكن صرخاتي تضيع تحت الركام، فلا أحد يسمعني سواكِ يا أمّاه، ولا أرتجي رثاءً من أحد.

 

جراحي يا أمّي قد شوّهت ملامحي، فما عدت اليوم أنسيًا. إن خرجت من هنا جثّة هامدة، فلن يتعرّف أحدٌ إلى جثّتي. سأكون بلا اسم، بلا رسم، وبلا هويّة، وسيكون جسدي المشوّه خريطةً لوطن ضائع، وطن مكلوم، مفجوع. وبعدها، لن يكون لي سواكِ وطن. حلّلي جسدي إذا، ولتطف روحي فوق السماء، أراقب ارتطام الكواكب ودمار الكون من بعيد، وأراكِ وأنت تناديني، فتعيدينني شمسًا أقف خلف تلالكِ فأضيؤها، تلك التلال التي كنت أقف عليها فيما مضى. سوف أحترق لأجلكِ، وأشعل أصابعي لأدفئ الفقراء والجوعى والمنكوبين في العراء. سأعود إليكِ طائرًا أبيض، أحمل إليكِ غصنًا أخضر، ثم ألقي عليكِ تحيّة السلام...

 

أعيديني إلى جوفكِ لأنفجر ينابيعًا لا تنضب، أسقي العطاش والمساكين. مدّي إليّ يدكِ يا أمّاه، وأخرجيني، لا تتركيني هنا وحيدًا، عالقًا تحت الحطام. علّني أعانق أحبّتي، أُقبّلهم جميعًا وأرفع الحزن عنهم. ثم أمكث في رحمكِ سنينًا طوالًا، ولن أزعجكِ صدّقيني، وتأكّدي بأنّ رحيلي إليكِ هو عودة أبديّة، لا شقاء بعدها ولا فراق. شدّيني إليكِ وأطيلي العناق، لكي يأمن خوفي، وتنجلي أحزاني، وأعود داخل حجركِ كائنًا آخر، كائنًا غريبًا، لا يشبه الإنسان...!

 

* كاتبة سورية.


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية

 القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...

إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!

   إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان*   لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...

تابعونا


جارٍ التحميل...