بين التاريخ والجغرافيا: من حماة إلى غزة

بين التاريخ والجغرافيا: من حماة إلى غزة
د. تمام كيلاني

بين التاريخ والجغرافيا: من حماة إلى غزة

د. تمام كيلاني*

 

في شتاء عام 1982، انطفأت مدينة حماة السورية تحت ركامها.
كانت المدينة التي تتفيأ ظلّ نواعيرها على العاصي، تتحوّل إلى رمادٍ بفعل نارٍ لم تترك حجراً على حجر، ولا روحاً إلا وخنقتها.
لم يكن ما جرى معركةً، بل فصلًا من فصول الإبادة، حين يقرّر الحاكم أن يختصر الوطن في نفسه، فيمحوه إن تمرّد عليه.

وبعد انقضاء المأساة، قال أحد الحمويين لصديقه الحمصيّ بمرارةٍ موجعة:

“لقد دخلنا التاريخ.”
فأجابه الحمصيّ ساخرًا، وفي صوته حزن الأبد:
“لكنكم خرجتم من الجغرافيا.”

هكذا لخص السوريون مأساتهم بنكتةٍ سوداء؛ سخريةٍ تمشي على جراحٍ غائرة.
فالسخرية كانت درعهم الأخير في وجه الجنون، وسيلتهم للبقاء أحياء في حضرة الموت.
لم تكن النكتة إلا صرخةً خافتة تقول: ربما سُوِّيت مدينتنا بالأرض، لكنّها ستبقى شاخصة في الذاكرة إلى الأبد.

واليوم، بعد أكثر من أربعة عقود، تُعيد غزة المشهد في صورةٍ أشدّ قسوةً وأوسع مأساة.
مدينةٌ محاصرة منذ سنين، تُقصف ليلًا ونهارًا، يُقتل أهلها ويُهدم عمرانها، ثم يخرج الناجون منها وهم يرفعون رايات النصر.
يبدو المشهد للبعيدين غير قابل للفهم: كيف يمكن للمدينة التي تحوّلت إلى أنقاضٍ أن تُعلن النصر؟
لكن من يعرف غزة يدرك أن النصر ليس دائمًا في كسر العدوّ، بل في كسر اليأس.
أن تخرج من تحت الركام وتقول “ما زلت هنا” هو أعظم نصرٍ يمكن أن يحقّقه الإنسان.

كما دخلت حماة التاريخ يوم خرجت من الجغرافيا، تدخل غزة اليوم التاريخ دون أن تبرحه جغرافيًا.
فهي المدينة التي قرّرت أن تبقى رغمًا عن من أراد محوها،
وأن تزرع في ركامها بذور الحياة من جديد، لتقول للعالم:
قد تُهدم البيوت، لكن لا يُهدم الإصرار.

إنها المفارقة التي تُعيد تعريف النصر والهزيمة.
فبعض المدن تُخلَّد لا لأنها انتصرت في معركة، بل لأنها صمدت في وجه الفناء.
وحين تتحوّل المدينة إلى رمزٍ للكرامة، تصبح أكبر من جغرافيتها، وأعمق من حدودها، وأقرب إلى الخلود.

وهكذا، كما بقيت حماة شاهدًا على جرحٍ لم يندمل، تبقى غزة اليوم شاهدًا على أمةٍ ما زالت تنبض بالحياة رغم الجراح.
فربّ مدينةٍ دُمّرت لتولد من رمادها،
وربّ شعبٍ خرج من تحت الركام أكثر التصاقًا بالأرض، وأكثر إيمانًا بأن الذاكرة أقوى من القذائف،
وأن من يزرع في التراب دمه، لا يمكن أن يُمحى من التاريخ، ولا من الجغرافيا.

 

*رئيس اتحاد الاطباء العرب بالنمسا


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة فيينا

حيث استحال الوطن فكرة.. صفاء رومايا الحكاية!! ماجدة شريف

حيث استحال الوطن فكرة.. صفاء رومايا الحكاية!! ماجدة شريف
بوابة فيينا

سمرقند وبخارى وخيوة… حين يلتقي التاريخ بالحضارة..!! د. تمام كيلاني

سمرقند وبخارى وخيوة… حين يلتقي التاريخ بالحضارة..!! د. تمام كيلاني
بوابة فيينا

ابن كثير و”البداية والنهاية”!!.. د. تمام كيلاني

ابن كثير و”البداية والنهاية”!!.. د. تمام كيلاني
بوابة فيينا

مؤتمر اتحاد الأطباء والصيادلة السوريين السنوي يلتئم في باريس!!

مؤتمر اتحاد الأطباء والصيادلة السوريين السنوي يلتئم في باريس!!
بوابة فيينا

الكل حكيم.. ما دامت القصة ليست قصته!! د. تمام كيلاني

الكل حكيم.. ما دامت القصة ليست قصته!! د. تمام كيلاني
بوابة فيينا

بين واجب المشورة وحدود التدخل!! د. تمام كيلاني

بين واجب المشورة وحدود التدخل!! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

تابعونا


جارٍ التحميل...