الإفطار الرمضاني في فيينا… تقليد إنساني يعزز التعايش في زمن التحديات!!

الإفطار الرمضاني في فيينا… تقليد إنساني يعزز التعايش في زمن التحديات!!

الإفطار الرمضاني في فيينا… تقليد إنساني يعزز التعايش في زمن التحديات!!

 

د. تمام كيلاني*

 

 

على مدى ما يقارب عقدين من الزمن، شهدت مدينة فيينا مبادرة اجتماعية وإنسانية مميزة أصبحت جزءاً من المشهد الرمضاني فيها، تمثّلت في إقامة مأدبة إفطار رمضاني رسمية تجمع بين ممثلي الجالية الإسلامية والعربية وبين المسؤولين في حكومة البلدية وعلى رإسهم عمدة المحافظة . وقد جاءت هذه الخطوة في سياق إدراكٍ مبكر للتحولات الديموغرافية والاجتماعية التي رافقت ازدياد أعداد المسلمين في العاصمة النمساوية، وحرصاً على بناء جسور التواصل والتفاهم بين مختلف مكونات المجتمع.

بدأ هذا التقليد خلال فترة المحافظ السابق الدكتور ميخائيل هويبل ، الذي تبنّى فكرة الانفتاح والحوار المباشر مع الجاليات المختلفة، واستمر النهج نفسه مع المحافظ الحالي الدكتور ميخائيل لودفيغ، تأكيداً على أن التعايش لا يُبنى بالشعارات بل بالمبادرات العملية.

والإفطار يُقام عادة داخل مطعم قصر بلدية المدينة في راتهاوس فيينا، بحضور أعضاء من حكومة بلدية العاصمة، وشخصيات اجتماعية وثقافية، وممثلين عن الجالية الإسلامية، إضافة إلى مسؤولي الهيئة الإسلامية الرسمية في النمسا. وكانت المناسبة تبدأ بكلمات ترحيبية تؤكد قيم الاحترام المتبادل والتنوع، ثم يُرفع الأذان داخل القاعة، ويُقدَّم طعام إفطار حلال، وتقام صلاة المغرب جماعة في أجواء يسودها الاحترام والتنظيم.

ومن المهم الإشارة إلى أن هندسة وتنظيم هذه الإفطارات الرمضانية، وتحويلها إلى تقليد سنوي مستمر، يعود إلى جهود المهندس عمر الراوي، النائب في برلمان ولاية فيينا وعضو المجلس البلدي والذي يشغل حالياً رئاسة لجنة الإعمار في حكومة المدينة. فقد لعب دوراً محورياً في بناء جسور التواصل بين مؤسسات البلدية والجالية الإسلامية والعربية، وساهم في ترسيخ فكرة أن الحوار المباشر والاحترام المتبادل يشكلان أساس الاندماج الناجح داخل المجتمع النمساوي.

لم يكن الهدف من هذه المبادرة دينياً بحتاً، بل اجتماعياً وثقافياً أيضاً؛ إذ أسهمت في تعميق أواصر الثقة بين أبناء الجالية الإسلامية وسكان المدينة، ورسخت صورة النمسا كدولة قادرة على احتضان التنوع ضمن إطار القانون والقيم الديمقراطية.

كما امتد هذا النهج في مراحل سابقة إلى مؤسسات الدولة العليا، حيث درج بعض رؤساء الجمهورية والمستشارين الاشتراكيين على تنظيم إفطارات رمضانية رسمية في مقار الدولة، تأكيداً على الاعتراف الرمزي بالمكوّن الإسلامي في المجتمع النمساوي. غير أن هذه العادة توقفت لاحقاً مع تغيّر المشهد السياسي وصعود حكومات جديدة، كما حدث خلال فترة المستشار السابق سيباستيان كورتس الذي ألغى هذا التقليد ضمن توجه سياسي مختلف.

في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد أصوات التيارات اليمينية المتشددة في بعض وسائل الإعلام، أصبحت مثل هذه المبادرات عرضة للانتقاد، حيث رُوّجت مخاوف من “أسلمة” المجتمع، بل وصل الأمر إلى التحذير من أن تتحول فيينا إلى نسخة من إسطنبول. غير أن هذه الطروحات تتجاهل حقيقة أن الإفطار الرمضاني لم يكن يوماً مشروعاً سياسياً أو دينياً توسعياً، بل مساحة لقاء إنساني تُظهر احترام الدولة لمواطنيها على اختلاف معتقداتهم.

إن المجتمعات الحديثة لا تُقاس بقدرتها على إلغاء الاختلاف، بل بقدرتها على إدارته بحكمة. والإفطار الرمضاني في بلدية فيينا مثال واضح على سياسة الاندماج القائمة على الحوار المباشر بدل العزلة وسوء الفهم. فالجلوس إلى مائدة واحدة، وتبادل الكلمات الودية، والتعرّف على ثقافة الآخر، يبدد الكثير من الصور النمطية التي قد تبنيها المسافات أو الخطابات المتشنجة.

إن الحفاظ على مثل هذه العادات الحسنة لا يعني التخلي عن الهوية الوطنية، بل يؤكد قوة المجتمع وثقته بنفسه. ففي زمن تتصاعد فيه لغة التخويف والانقسام، تبقى مبادرات الحوار والاحترام المتبادل الطريق الأقصر نحو مجتمع آمن ومتوازن، يشعر فيه الجميع بأنهم شركاء في المكان .

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة فيينا

نوفا العرب السورية.. تتوجع فارسة اللغات في النمسا!!

نوفا العرب السورية.. تتوجع فارسة اللغات في النمسا!!
بوابة فيينا

ستون عاماً بين السجون والخراب… ثم جاء فجر الحرية!!

ستون عاماً بين السجون والخراب… ثم جاء فجر الحرية!!
بوابة فيينا

أنا سعيد لأنني لا أنتظر شيئًا: شهادة إنسانية من قلب النمسا

أنا سعيد لأنني لا أنتظر شيئًا: شهادة إنسانية من قلب النمسا
بوابة فيينا

بين النقد والمعرفة: أزمة الحوار داخل الجالية!!

بين النقد والمعرفة: أزمة الحوار داخل الجالية!!
بوابة فيينا

لقاء تشاوري حول شؤون الجالية السورية بالنمسا!!

لقاء تشاوري حول شؤون الجالية السورية بالنمسا!!


الاكثر شهرة
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!

   إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان*   لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...

تابعونا


جارٍ التحميل...