بين النهر والمقدّس!! د. تمام كيلاني
د. تمام كيلاني
بين النهر والمقدّس!!
د. تمام كيلاني*
طبقات المشرق من بداية التاريخ إلى تحولات الدولة الحديثة
دراسة فلسفية في التاريخ الحضاري للمشرق من ما قبل التاريخ إلى المرحلة المعاصرة
د. تمام كيلاني
يمتدّ المشرق، في عمقه التاريخي، بوصفه فضاءً حضاريًا متواصلاً يتجاوز الحدود السياسية الحديثة ليشكّل بنية طويلة المدى من التفاعل بين الجغرافيا والدين والدولة والمعرفة. فهو ليس مجرد منطقة بين الشام والعراق وما حولهما، بل هو نظام تاريخي متراكم، تتداخل فيه طبقات الطبيعة بالمجتمع، والمقدس بالسياسة، واللغة بالعقل، في حركة لا تتوقف عن إعادة إنتاج نفسها عبر الزمن.
في طبقته التأسيسية الأولى، يتشكل هذا الفضاء ضمن الإطار الجيولوجي لما يُعرف بـ الهلال الخصيب، حيث تتيح الأنهار الكبرى مثل دجلة والفرات إمكانات مبكرة للاستقرار الزراعي، وتخلق شروطًا لولادة أولى أشكال التنظيم الاجتماعي المعقد. هنا لا تكون الطبيعة مجرد خلفية صامتة، بل فاعلًا تأسيسيًا في تشكيل التاريخ نفسه. فالعراق، بفيض مياهه وكثافة موارده، ينتج نموذجًا مبكرًا للدولة المركزية، بينما تتجه بلاد الشام نحو نمط أكثر تنوعًا وانفتاحًا على المتوسط، يتجلى في تعددية جغرافية وثقافية واضحة.
وفي هذا السياق، تظهر حضارات وادي الرافدين بوصفها أول مختبر تاريخي للدولة والقانون والكتابة، حيث تتجسد السلطة في شكل مؤسسات تنظيمية قادرة على إدارة الفائض الزراعي وبناء نظام قانوني مكتوب، كما في بابل وغيرها، في حين تكشف النصوص الملحمية مثل جلجامش عن وعي مبكر بالموت والحدود الوجودية للإنسان. وعلى الضفة الأخرى، تبرز بلاد الشام في موقع مختلف من التجربة التاريخية، حيث تظهر في أوغاريت واحدة من أقدم الأبجديات، في تحول معرفي أساسي ينقل اللغة من نظام رمزي مغلق إلى نظام صوتي مفتوح، ما يعني انتقال المعرفة من النخبة إلى إمكانية التداول الواسع.
ومع تطور الزمن، يدخل المشرق مرحلة التحول الديني الكبرى، حيث تتجه البنية المقدسة من التعدد الطبيعي إلى التجريد والتوحيد، في مسار طويل تتقاطع فيه الديانات القديمة مع الديانه الإبراهيمية الحنيفه،وصولًا إلى تمركز رمزي بالغ الكثافة في القدس، التي تتحول إلى نقطة تقاطع للذاكرات الدينية الكبرى. ومع المسيحية، يحدث تحول جذري في مفهوم المقدس، إذ ينتقل من كونه قوة خارج التاريخ إلى كونه تجربة داخل التاريخ، فتغدو الجغرافيا نفسها جزءًا من السرد الخلاصي، ويتحول الزمن إلى مجال لمعنى ديني متجسد.
ثم يأتي الإسلام ليعيد تنظيم هذه الطبقات التاريخية ضمن بنية توحيدية شاملة، لا تلغي ما سبقها بل تعيد صياغته. فتبرز دمشق في العصر الأموي بوصفها مركز الدولة الإمبراطورية الأولى في الإسلام، حيث تتبلور الإدارة المركزية واللغة السياسية الموحدة، قبل أن ينتقل الثقل الحضاري إلى بغداد في العصر العباسي، حيث يتحول المشرق إلى فضاء للعقل والمعرفة، وتزدهر حركة الترجمة والفلسفة والعلوم، ويعاد تعريف العقل بوصفه أداة لفهم العالم لا مجرد تابع للنص.
وفي العصور الوسيطة، يتعدد المركز السياسي والثقافي للمشرق، فتظهر في حلب التجربة الحمدانية بوصفها نموذجًا لتداخل السلطة والثقافة، ويتجسد هذا التداخل في شخصيات مثل أبو فراس الحمداني، حيث تتقاطع الهوية السياسية مع التعبير الأدبي. وفي السياق نفسه، تمثل الدولة الأيوبية مع صلاح الدين الأيوبي لحظة إعادة توحيد كبرى للمشرق في مواجهة الحملات الصليبية، حيث تتداخل الشرعية الدينية مع الفعل السياسي في صياغة نموذج جديد للسلطة.
وفي موازاة البنية السياسية والعقلية، يتشكل داخل الإسلام تيار عميق يعيد تعريف الدين بوصفه تجربة وجودية داخلية، وهو التصوف، الذي ينقل مركز الثقل من الخارج إلى الداخل، ومن السلطة إلى التجربة، ومن النص إلى الذوق. وفي هذا السياق، يبرز ابن عربي بوصفه ذروة هذا التحول الفلسفي، حيث تُفهم الوجودات بوصفها تجليات متعددة لحقيقة واحدة، ما يمنح المشرق بعدًا ميتافيزيقيًا يتجاوز التاريخ السياسي نحو فلسفة الوجود.
وفي امتداد هذا المسار، تتبلور التجربة الصوفية في الشام والعراق بوصفها بنية اجتماعية وروحية متكاملة، لا مجرد ممارسة فردية، بل شبكة من التعليم والزوايا والتربية الروحية. ويبرز في هذا السياق الشيخ القادر الجيلاني ( الكيلاني)في بغداد بوصفه أحد أبرز أعلام التصوف السني، حيث أسس الطريقة القادرية التي جمعت بين العلم الشرعي والتزكية الروحية، وشكلت لاحقًا أحد أهم التيارات الصوفية انتشارًا في العالم الإسلامي. وقد امتد أثر هذه الطريقة عبر القرون من العراق إلى الشام والأناضول، ثم إلى شمال أفريقيا والمغرب العربي، حيث اندمجت داخل البنى الاجتماعية المحلية عبر الزوايا وشبكات التعليم الديني، وأسهمت في تشكيل أنماط من التضامن الاجتماعي والشرعية الدينية غير المركزية، بما جعل التصوف أحد أهم مكونات البنية الحضارية الإسلامية في المجال الواسع، لا بوصفه سلطة سياسية، بل بوصفه قوة اجتماعية وروحية ممتدة عبر الزمن.
ومع اتساع المجال الإسلامي، لا يعود المشرق محصورًا في حدوده الجغرافية، بل يمتد إلى الأندلس، حيث تتحول قرطبة إلى مركز حضاري موازٍ لبغداد ودمشق، فتنتقل العلوم والفلسفة واللغة إلى فضاء متوسطي أوسع، ويعاد إنتاج النموذج المشرقي في سياق أوروبي-متوسطي، ما يجعل الأندلس امتدادًا للمشرق خارج جغرافيته الأصلية، لا قطيعة معه.
ثم تبدأ المرحلة الحديثة مع دخول القوى الاستعمارية الأوروبية، حيث تواجه المنطقة، مع فرنسا وبريطانيا، عملية إعادة تشكيل سياسية واقتصادية عميقة، تؤدي إلى تفكك البنية العثمانية وبروز الدولة الوطنية الحديثة. ومع الانتدابات، تتشكل الكيانات السياسية الجديدة في الشام والعراق، وتظهر الحركات الوطنية التي تسعى إلى الاستقلال وإعادة تعريف الهوية السياسية، ثم تتبلور “الكتلة الوطنية” في بعض السياقات بوصفها محاولة لبناء دولة حديثة ضمن شروط دولية ضاغطة.
ومع تأسيس الملكيات في سوريا والعراق، يظهر نموذج انتقالي بين الإرث العثماني والدولة الوطنية الحديثة، لكنه سرعان ما يدخل في حالة عدم استقرار سياسي، تتجلى في سلسلة الانقلابات العسكرية في خمسينيات القرن العشرين، حيث يتحول الجيش إلى فاعل سياسي مركزي في إعادة تشكيل الدولة والمجتمع. ثم مع صعود حزب البعث إلى السلطة في سوريا والعراق، تتبلور مرحلة الدولة الأيديولوجية المركزية، حيث تُعاد صياغة المجتمع ضمن مشروع قومي شمولي يجمع بين الدولة والأمن والتحديث القسري، ويعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والدولة بصورة عميقة.
وتبلغ هذه المسارات ذروتها في التحولات السورية المعاصرة، حيث يدخل البلد مرحلة إعادة تشكل جذري للبنية السياسية والاجتماعية، تنتهي عمليًا إلى انهيار نموذج الحكم المركزي الذي استمر لعقود، وفتح المجال أمام مرحلة جديدة من إعادة تعريف الدولة والمجتمع في سياق إقليمي ودولي مفتوح على احتمالات متعددة.
وهكذا، يتضح أن المشرق، في امتداده من ما قبل التاريخ إلى الدولة الحديثة، ومن أوغاريت إلى بغداد ودمشق، ومن المسيحية إلى الإسلام، ومن التصوف إلى الدولة الوطنية، ليس مجرد سلسلة أحداث تاريخية، بل بنية حضارية عميقة تنتج التاريخ ذاته، وتعيد تشكيل الإنسان داخل الزمن باستمرار، بحيث يصبح المشرق ليس مكانًا في العالم، بل أحد الطرق الأساسية التي يتشكل بها العالم نفسه.
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
سوريا… ذاكرة الحضارة ومستقبل النهضة! د. تمام كيلاني
زمن الانفلات: الحياة المنفلِتة التي نعيشها ومستقبل البشرية! د. تمام كيلاني
سقوط بلا ضجيج: كيف تدمّر الأخلاق المنهارة عقل المجتمع! د. تمام كيلاني
في 21 آذار… قم بنا يا صاحِ، حيِّ الربيع حديقة الأرواح! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!! د. تمام كيلاني* ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...