بمناسبة عيد الأم د. تمام كيلاني

بمناسبة عيد الأم  د. تمام كيلاني
غلاف

 

 

بمناسبة عيد الأم


د. تمام كيلاني*

في هذا اليوم الذي تتلألأ فيه معاني الوفاء، وتتجدد فيه مشاعر الحب الصادق، نقف أمام أعظم إنسان في حياتنا… الأم. ليست الأم مجرد كلمة تُقال، بل هي وطنٌ يسكننا، ودفءٌ يحيط بنا، ونبضٌ لا يتوقف مهما تقلبت بنا الأيام.

الأم هي البداية التي لا تسبقها بداية، وهي المدرسة الأولى التي تُبنى فيها شخصية الإنسان. منها نتعلم القيم، وفي ظلها نكبر على الأخلاق، وعلى يديها تتشكل ملامح المستقبل. وصدق القول:
“الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق”
فإعداد الأم الواعية الصالحة هو إعداد لجيلٍ كامل، بل لأمةٍ بأسرها. هي التي تغرس الصدق، وتعلّم الصبر، وتزرع في النفوس الإيمان والعمل والانتماء.

وفي عالمنا العربي، كانت الأم وما زالت عنوان التضحية والصبر. هي الحارسة الأولى للهوية، والناقلة للقيم، والمربية التي تُخرّج رجالًا ونساءً يصنعون المجد. كم من أمٍ سهرت الليالي، وتحملت المشاق، لتصنع من أبنائها نورًا يضيء دروب الحياة. إنها الركيزة التي يقوم عليها المجتمع، فإن صلحت صلح، وإن ضعفت اهتز بنيانه.

وقد جاء ديننا الحنيف ليضع الأم في أعلى مراتب التكريم، فجعل برّها من أعظم القربات، ورضاها من رضا الله، وأوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:
“أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك”
في تأكيد عظيم على مكانتها، وعلى ما تبذله من عطاء لا يُقدّر بثمن.

بل إن الإسلام لخّص عظمة دورها في عبارة خالدة تهز القلوب:
“الجنة تحت أقدام الأمهات”
فأي منزلة هذه التي تجعل طريق الجنة يبدأ من خدمة الأم وبرّها؟ إنها دعوة صريحة لأن نُحسن إليها، ونرعاها، ونكون لها كما كانت لنا.

وفي هذا اليوم، لا تكتمل المشاعر دون أن نلتفت إلى أولئك الذين فقدوا أمهاتهم، فغابت وجوههن، وبقيت ذكراهن تنبض في القلوب. إلى كل من فقد أمه، نقول: إن الحب لا يغيب، والدعاء لا ينقطع، والبرّ يمتد حتى بعد الرحيل.

اللهم ارحم أمهاتنا اللاتي فارقن الحياة، واغفر لهنّ، واجعل قبورهن روضة من رياض الجنة.
اللهم أدخلهن الجنة بغير حساب، وارزقهن الفردوس الأعلى، واجمعنا بهن في دار كرامتك.
اللهم اجعل ما قدّمنه من حب وتعب وتضحية في ميزان حسناتهن، وارفع درجاتهن في عليين.

عيد الأم ليس يومًا واحدًا، بل هو معنى يُعاش كل يوم. فالأم لا تنتظر كلمات، بل تستحق أفعالًا؛ برًا، ووفاءً، واهتمامًا دائمًا. فلنحفظ مكانتها في قلوبنا، ولنترجم حبنا لها سلوكًا حيًا يليق بعظيم فضلها.

سلامٌ على كل أمٍ أعطت بلا مقابل، وضحّت بلا حدود…
وسلامٌ عليها في عيدها، وفي كل يوم.

كل عام وأمهاتنا بخير، فهنّ الحياة… وهنّ الجنة.

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

رواية «جنّ»: حين لا يكفي البيت لجمع العائلة

رواية «جنّ»: حين لا يكفي البيت لجمع العائلة
الثقافة والأدب

الأنا المنتفخة في زمن جوجل: لماذا صار الجاهل يغلب العالم؟ د. تمام كيلاني

الأنا المنتفخة في زمن جوجل: لماذا صار الجاهل يغلب العالم؟ د. تمام كيلاني
الثقافة والأدب

عبد الله عيسى الفادح.. يؤرق مساء المدينة الوادعة بأناشيد المخيم!!

عبد الله عيسى الفادح.. يؤرق مساء المدينة الوادعة بأناشيد المخيم!!
الثقافة والأدب

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
الثقافة والأدب

سوريا… ذاكرة الحضارة ومستقبل النهضة! د. تمام كيلاني

سوريا… ذاكرة الحضارة ومستقبل النهضة! د. تمام كيلاني
الثقافة والأدب

زمن الانفلات: الحياة المنفلِتة التي نعيشها ومستقبل البشرية! د. تمام كيلاني

زمن الانفلات: الحياة المنفلِتة التي نعيشها ومستقبل البشرية! د. تمام كيلاني
الثقافة والأدب

سقوط بلا ضجيج: كيف تدمّر الأخلاق المنهارة عقل المجتمع! د. تمام كيلاني

سقوط بلا ضجيج: كيف تدمّر الأخلاق المنهارة عقل المجتمع! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

تابعونا


جارٍ التحميل...