الأنا المنتفخة في زمن جوجل: لماذا صار الجاهل يغلب العالم؟ د. تمام كيلاني

الأنا المنتفخة في زمن جوجل: لماذا صار الجاهل يغلب العالم؟ د. تمام كيلاني
د. تمام كيلاني

الأنا المنتفخة في زمن جوجل: لماذا صار الجاهل يغلب العالم؟


د. تمام كيلاني*

تداول الناس صورة منسوبة للعالم ألبرت أينشتاين تحمل معادلة بسيطة في شكلها، مرعبة في معناها
كلما زادت المعرفة صغرت الأنا، وكلما قلت المعرفة كبرت الأنا.

قد لا تكون هذه المعادلة من كلام أينشتاين حرفيًا، لكنها تلخص جوهر العلم وأخلاق العلماء. فالرجل الذي غيّر وجه الفيزياء كان يردد دائمًا: كلما تعلمت أكثر، أدركت كم أنا جاهل . وهذه هي المعادلة مطبقة على صاحبها.

لماذا المعرفة تُحجّم الأنا؟

الجواب في ثلاث حقائق يدركها كل من غاص في بحر العلم:

أولًا: المعرفة تكشف لك حجم جهلك.
افتح كتابًا في الفيزياء الكمية، أو اقرأ عن آليات عمل الدماغ البشري، أو تأمل في اتساع هذا الكون. ستخرج بنتيجة واحدة: أن ما تعرفه لا يساوي قطرة في محيط. هذا الاكتشاف هو أعظم كاسر للغرور. الجاهل وحده هو من يظن أنه أحاط بكل شيء، لأن حدود عالمه هي حدود جهله.

ثانيًا: المعرفة تعلمك أن تشك وتستمع.
العالم الحقيقي يعيش في قلق علمي دائم. يعرف أن النظرية التي أفنى عمره في إثباتها قد تنهار غدًا بورقة بحثية واحدة. لذلك يتواضع، ويستمع، ويشك في نفسه قبل أن يشك في غيره. أما قليل المعرفة، فمتمسك برأيه كأنه وحي منزل، لأن رأيه هو كل ما يملك.

ثالثًا: المعرفة تريك أكتاف العمالقة.
كلما قرأت لابن سينا والرازي وابن النفيس ونيوتن وأينشتاين، صغرت في عين نفسك. تدرك أنك لست سوى حلقة صغيرة في سلسلة عظيمة ممتدة عبر القرون. فكيف تتضخم "أناك" وأنت تعرف أنك تقف على أكتاف جبابرة؟

"ما ناقشت جاهلًا إلا غلبني"

هنا نصل إلى بيت القصيد، وإلى المأساة التي لخصها الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قبل أربعة عشر قرنًا بقوله: "ما ناقشتُ عالماً إلا غلبته، وما ناقشتُ جاهلاً إلا غلبني"

لماذا يغلبك الجاهل؟ لأن العالم تقيده الأدلة والمنطق والأمانة العلمية. يزِن كلامه، ويتراجع إن أخطأ، ويقول "لا أعلم" إذا جَهِل. أما الجاهل فلا سقف له ولا فرامل. لا يعرف ما الذي لا يعرفه، فيجادل بثقة عمياء، ويرفع صوته، ويتهمك بالجهل. فتُهزم لا لضعف حجتك، بل لأنك ترفض النزول إلى مستوى الفوضى.

وهذا يقودنا إلى المثل النمساوي العميق: "عندما يسأل الجاهل سؤالًا، يحتاج إلى ألف عاقل ليجيب عنه"
لأن سؤاله ليس طلبًا للفهم، بل فخ للمراوغة. إجابتك ستفتح عشرة أبواب، كلها خارج الموضوع، وتجد نفسك تحرث في البحر.

السوشيال ميديا: حين تساوى الجاهل والعالم

للأسف، جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتجعل الجاهل والمتعلم تقريبًا على حد سواء. المنصة واحدة، ومربع التعليق واحد، وحق الكلام متاح للجميع. لا فرق ظاهري بين أستاذ جامعي أفنى أربعين سنة في تخصصه، وبين شاب قرأ منشورين على فيسبوك. الكل "خبير"، والكل "يفتي"، والكل "يصحح".

لقد نزعت السوشيال ميديا الهيبة عن التخصص، وأعطت "وهم المعرفة" لكل من يملك هاتفًا. وهذا أخطر ما في الأمر.

وباء "دكتور جوجل" و "مفتي الإنترنت"

صار هذا المشهد يتكرر يوميًا في كل مهنة:

في القانون:شخص لا يفرق بين "الدعوى" و"الادعاء"، لكنه قضى نصف ساعة على جوجل فصار يظن نفسه فقيهًا قانونيًا. يجادل المحامي، ويطعن في حكم القاضي، ويكتب منشورات عن "ثغرات القانون" التي اكتشفها بعبقريته.

في الدين:أناس لم يفتحوا كتابًا فقهيًا واحدًا في حياتهم، صاروا يفتون في كبار المسائل: الطلاق، الميراث، العقيدة. آية مجتزأة من هنا، وحديث ضعيف من هناك، وصار "شيخ السوشيال ميديا" يُضلل العوام بثقة مطلقة.

في الطب:وهذه هي الكارثة الأكبر. يدخل المريض إلى العيادة وقد "شخّص" نفسه عبر الإنترنت. يجادل الطبيب في التشخيص، ويعترض على الدواء، ويقترح خطة علاجية. لأنه قرأ مقالًا أو شاهد فيديو ثلاث دقائق، صار يظن نفسه مرشحًا لجائزة نوبل في الطب. ينسى أن الطبيب أمامه درس سبع سنوات، وتخصص خمس إلى سبع سنوات، وعالج آلاف الحالات، ورأى ما لا يمكن لمقال أن يصفه.

المشكلة ليست في البحث والاطلاع، بل في "وهم التخصص". جوجل يعطيك "معلومات"، لكنه لا يعطيك "علم". لا يعطيك الخبرة السريرية، ولا القدرة على ربط العوارض ببعضها، ولا فهم السياق، ولا معرفة الاستثناءات. الفرق بين المعلومات والعلم، كالفرق بين من يملك أحجارًا، ومن يملك القدرة على بناء بيت.

إن هدف العلم ليس أن يملأك غرورًا، بل أن يحررك من وهم أنك مركز الكون. كل كتاب تقرأه، وكل سؤال تعجز عن جوابه، وكل خطأ تعترف به، هو خطوة تصغر فيها "أناك" وتكبر فيها إنسانيتك.

السوشيال ميديا منحت صوتًا لمن لا صوت له، وهذا من حسناتها. لكنها بنفس الوقت سوّت بين من أفنى عمره يتعلم، ومن أفنى عمره يتكلم.

لذلك، اسأل نفسك بصدق كل ليلة: هل "أناي" تكبر أم تصغر؟
إذا كنت تكتشف كل يوم كم كنت جاهلًا بالأمس، فاطمئن.. أنت تتعلم.
أما إذا كنت تزداد يقينًا كل يوم بأنك تفهم في الطب والهندسة والسياسة والدين والاقتصاد.. فتوقف، وراجع المعادلة من جديد.
فالمعرفة الحقيقية تواضع.. والجهل الحقيقي ضجيج.

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

عبد الله عيسى الفادح.. يؤرق مساء المدينة الوادعة بأناشيد المخيم!!

عبد الله عيسى الفادح.. يؤرق مساء المدينة الوادعة بأناشيد المخيم!!
الثقافة والأدب

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
الثقافة والأدب

سوريا… ذاكرة الحضارة ومستقبل النهضة! د. تمام كيلاني

سوريا… ذاكرة الحضارة ومستقبل النهضة! د. تمام كيلاني
الثقافة والأدب

زمن الانفلات: الحياة المنفلِتة التي نعيشها ومستقبل البشرية! د. تمام كيلاني

زمن الانفلات: الحياة المنفلِتة التي نعيشها ومستقبل البشرية! د. تمام كيلاني
الثقافة والأدب

سقوط بلا ضجيج: كيف تدمّر الأخلاق المنهارة عقل المجتمع! د. تمام كيلاني

سقوط بلا ضجيج: كيف تدمّر الأخلاق المنهارة عقل المجتمع! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

تابعونا


جارٍ التحميل...