شجرة عزيز!! كوثر جعفر

شجرة عزيز!! كوثر جعفر
كوثر جعفر

شجرة عزيز!!

 

كوثر جعفر*


السابعة صباحا بتوقيت المخيم وناقص اربعة بتوقيت البرد مقياس الجليد يكاد يتجاوز الناقص اربعة ، ام عزيز تلبسه ملابس المدرسة الممهورة بختم الامم المتحدة ، عزيز يحمل اسم جد لم يراه ولايعرفه وحتى ابوه لم يعرف أباه فقد مات الجد ووالد عزيز في الخامسة من عمره ، هذا الطفل يحمل اسما لا يعرفه كما يحمل على ظهره حقيبة المدرسة يحمل بعناء أعوام عمره الثمانية التي قضاها في هذا المخيم لا اعرف اذا كان يحملها او تهرب منه فيجرها خلفه .
كل من في المخيم تجمعهم الغربة ، رجفة البرد ...رجفة الجوع في ظل شح كل شي ، هذا العام انعدمت المحروقات وحتى الحطب والاهالي لم يتركوا شيئا لم يحرقوه ينشدون بعض الدفء
إنها ليلة راس السنه عزيز في الصف مع زملائه في مدرسة على شكل خيمه او خيمة على شكل مدرسه لا أدري
سألت المعلمة التلاميذ ماذا ستفعلون اليوم انها ليلة رأس السنه اطفال في الثامنة قضوا عمرهم خلف اسوار هذا المخيم ...خلف اسوار سجن مفتوح الابواب قضوا هذه الاعوام وهم يعيشون بشح لكل شيء، صمت الجميع قال احدهم وماذا تعني براس السنه معلمتي ؟
راحت تحدثهم عن راس السنه وكيف يأكل الناس الحلوى واطايب الطعام ويشترون الهدايا ويزينون شجرة العيد في بيوتهم ورسمت لهم شجرة على السبورة ونادت على كل واحد من التلاميذ كي يضعوا عليها دوائر ملونه مما توفر من ألوان من اقلام السبورة حتى رسموا معا شجرة كبيره ملونة سعد التلاميذ جدا ومن كثر الحماسة صاح عزيز يا آنسه سأجلب شجرة لخيمتنا اليوم شجعته المعلمة بالثناء على فكرته لكنها كانت تعرف انها مستحيلة وماهي إلا حماسة طفل. عزيز كان هزيلا جدا ووجهه اصفر وعينا نادرا ما تراهم دون قيح ورموشه مبتلة وملتصقه فقد كان مريضا بسوء امتصاص في الامعاء وهذا النوع من المرض يصيب الاطفال في الاغلب ويحتاج علاجا طويلا ويمنع فيها المريض من كل منتجات القمح كل شيء من القمح عدو هذا المرض كان يجب عليه ان يتناول الخضار والفاكهة واللحم فقط ولكن للأسف رغم محاولات اهله لتأمين الغذاء المناسب ولكن ضيق ذات اليد كانت تحول دون ذلك فكانت حاله تسوء يوما بعد يوم ومع انعدام التدفئة والبرد الشديد هذا العام ساءت حاله اكثر كان يعاني من آلام معويه وإقياء وإسهال بشكل دائم لكنه كان جميلا شجاعا ويبلي حسنا في دروسه لذلك شجعته المعلمة انتهى الدوام وعاد الجميع إلى خيمته إلا عزيز راح يجوب المخيم يبحث عن غصن ليصنع شجرته لكن المهمة شبه مستحيلة فالناس لم يتركوا شيئا إلا ورموه داخل مدافئهم الباردة الخاوية بحث وبحث ولكن دون جدوى قرر ان يعود ادراجه الى بيته وفي اثناء ذلك سمع أمراتان تتحدثان
_ البرد شديد الصقيع ينخر عظامنا لو تمطر قليلا لكسر المطر حدة هذا البرد
_ نعم سيكسر حدة البرد ولكن سنغوص حتى الركب في الطين يارب ما هذا الحال ساعدنا يا إلهي
ليت لدينا حظ كأم سعيد فهي لا تنقطع من اي شيء انظري مدخنة خيمتها فقط تنفث الدخان ورائحة الطعام المطهو تفوح من خيمتها
_ حسنا أفعلي ما تفعله ام سعيد وبناتها وستحصلين على كل شيء
_ اعوذ بالله يااختي
تقاطعهم امرأة اخرى
-اتقوا الله هل رأيتم شيئا بأعينكم كونها تعيش افضل مننا فهذا لا يعني ان تسيئوا لسمعتهم لربما لديهم مقتدرون من اهلهم يساعدوهم عار علينا ان نرمي الناس بالتهم الا يكفي مانحن فيه ؟ سنكون نحن والحرب على بعض ،
- إدخلي خيمتك يا اختي لن نقدر على لسان محامية الدفاع هذه .

وهنا خطرت لعزيز فكره ان يذهب إلى خيمة ام سعيد ليطلب منها غصنا بفروع
ام سعيد ام في الخمسين تقريبا ارمله وام لأربعة بنات وصبي واحد تعيش عيشة كريمة جدا في المخيم .
سار عزيز نحو خيمتها ونادى ياخالتي ام سعيد خرجت أبنتها الكبرى نرجس بكامل جمالها وزينتها
_ جئت اطلب منك غصنا واحدا ، واحدا فقط شريطة ان يكون له فروع واسترق النظر فكانت ام سعيد تقطع دجاجا وروائح الطعام تفوح للحظه غاب عن العالم وهو يحاول ان يمتص كل الروائح الشهية ويزرعها في مخيلته وقبل ان تجيب صرخت عليه ام سعيد وطردته قالت
ان كل اهل المخيم يطلبون غصنا ستموت هي وعائلتها من البرد اذهب من هنا
الح عزيز في طلبه لكنها طردته وماإن خطى خطوتين حتى نادته نرجس فعاد ادراجه التي في حركتها خفة الامل
_ هل تعرف فؤاد ابن العم توفيق
_ نعم اعرفه
_ إذا اوصلت له هذه الرسالة سأعطيك غصنا بالخفية عن امي
_ ولكن بيتهم في اول المخيم بجوار بيتنا وأنتم في اخره ما رأيك ان تعطيني الغصن والرسالة اعطيه إياه في طريق عودتي للبيت كي لا أتعرض للبرد ولا أتأخر على البيت اكثر مؤكد ان امي قلقه الآن
_لا اذهب وأوصل الرسالة لفؤاد واطلب منه ان يأتي الى هنا لرؤيتي وإذا اتى سأعطيك الغصن
- حسنا هاتي الرسالة
- مامن رسالة فقط اخبره ان هاتفي تعطل ولا استطيع محادثته لذلك عليه ان يحضر إلى هنا
وافق وسار مسرعا في طريقه للبيت وعلى مقربة من خيمة ام سعيد على الناصية كان ابنها سعيد يبيع على صينية كبيره أكياسا صغيرة يضع فيها بعض بزر دوار الشمس والفستق الرخيص وبصف على طرف الصينية الأخر التفاح المغطى بالسكر الاحمر منظر التفاحات وهي مستلقية وقد غرز فيها عود خشبي ولون السكر الذي شكل طبقة على التفاح استوقفت عزيز فسأل سعيد
_ بكم حلوى التفاح هذه
_ بخمس وسبعين ليره
الرقم كان كبيرا على عزيز ابتلع ريقه وهو ينظر الى التفاحة لكنه قرر ان يتركها ويسرع إلى فؤاد وعلى مقربة من خيمته رأته امه التي كانت تطوف المخيم باحثة عنه وبادرت بتوبيخه بسرعة رمى حقيبته في الخيمة وهرول نحو فؤاد مسرعا وقال ان عليه مرافقته لان نرجس تنتظره
سعد فؤاد بالأخبار شكر عزيز وحمله رسالة شفويه اخبرها اني سأوافيها بعد نصف ساعه سأنتهي من بعض الاعمال
_ولكن عليك مرافقتي
_ اذهب من هنا الآن وسألحق بك
سارع عزيز لإخبار نرجس لأخذ الغصن ولكن نرجس قالت له
_وما أدراني إنك اخبرته وسلمته الرسالة انتظر إلى ان يأتي
ودخلت الخيمة ، عزيز بقى واقفا ورجفة البرد تنهش لحمه وعظامه ، قرر السير نحو سعيد ليتفرج على التفاح المحلى بالسكر . سعيد طالب في الصف السادس وقد رسب لعدة اعوام لذلك ترى شارباه قد رسما خطا رفيعا جدا ناداه سعيد فجاه
_ هيه عزيز ما رايك ان اعطيك تفاحة مقابل ان تجلب الماء نيابة عني
_ ولكن وعاء الماء ثقيل علي
_ حسنا وهو يرفع تفاحة وينزل الاخرى وكأنه يعيد ترتيبها
فكر عزيز قالت المعلمة انهم ليلة راس السنه يأكلون الحلويات ويزينون الشجرة وأنا سأحصل على الغصن من نرجس وسأحصل على الحلوى من سعيد سأذهب واحضر الماء
جلب له سعيد الوعاء وعدا مسرعا الى مكان تعبئة المياه وقف في الطابور ورجفة البرد تستحوذ على كامل جسمه بشفتاه المزرقتان من البرد واصطكاك اسنانه ويداه المتخشبتان حمل عزيز ذاك الوعاء الكبير جدا بالنسبة لحجمه حملها بصعوبة بالغه يحملها خطوتين ويتوقف دقيقتين هكذا وبصعوبة بالغه وصل وعندما راه سعيد سارع لأخذ الوعاء منه وادخله لأمه وهو يتأفف مدعيا التعب لمح عزيز فؤادا ونرجس يرميان بعضهم بالنظرات ونرجس تحاول إغوائه بجمالها، سارع إلى نرجس طلب منها الغصن فأعطته الغصن خلسة ، سارع إلى سعيد اخذ التفاحة ومضى سعيدا حينها كانت الشمس كبرتقالة تدحرجت وكادت تختفي خلف الافق ، عزيز عاد ادراجه إلى خيمته ونشوة النصر انسته ذاك البرد الذي احتل جسده أخفى التفاحة في جيب سترته كي لا يسأل عن مصدرها وحمل الغص الكبير نوعا ما ودخل الخيمة استقبلته امه فرحة
_من اين حصلت عليها بني
_ اعطاني اياها سعيد فهو صديقي في المدرسة
_احسنت يأبني اجعل علاقتك به متينه فربما يعطيك بعض الاغصان
_ هذا الغصن ليس للمدفئة بل سأصنع منها شجرة رأس السنه
_ كفاك حمقا بني مثلنا يحتاج دفء وليس شجره وهي تهم بأخذ الغصن ووضعه في المدفئة سارع اليها يخلص الغصن من بين يديها قبل رميها بين انياب المدفئة لتطحنه وراح يبكي يتوسلها بحرقه فأشفقت عليه ورمت الغصن على الارض وهي تنهال عليه بالشتائم سارع لأخذها ، جلس طوال اليل يضع عليها قصاصات ملونة من القماش وغلف الغصن مما توفرمن ورق الاشغال المدرسية الملون وزين اغصانها الرفيعة بمشابك الغسيل بعد تلوينها بعد ساعات من العمل انهى شجرته بفرح غامر جاء بكومة احجار جمعها من امام خيمته وثبت بها شجرته على الارض في زاوية في واجهة الخيمة نظر إليها بفخر وهو يحدث نفسه سأريها لمعلمتي واصدقائي في المدرسة غدا ، خيم الصمت على المخيم وأطفئت جميع الاضواء لبس سترته واندس في الفراش ينتظر الجميع لينام فيخرج التفاحة ويأكلها ويكون بهذا اتم احتفاله
تفقد تفاحته من تحت الفراش كانت حرارة السترة أذابت معظم السكر عليها نظر بحرقة اراد أن يلعق السكر بفرح ولكن لابأس باقي القليل سينامون الأن وسيأكلها رجفة البرد كانت تغطي احلامه حتى .
اليوم الاول في السنة الجديدة الساعة السابعة بتوقيت المخيم وناقص اثنان بتوقيت الجليد تصرخ أم عزيز صراخا مدويا ياااااا عزيز، فقد مات عزيز من البرد مات وتفاحته ترقد جانبه بجيب سترته.

 

*كاتبة سورية.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

من دفاتر الحياة.. قصص قصيرة جداً!! عبد الباسط عبد الله

من دفاتر الحياة.. قصص قصيرة جداً!! عبد الباسط عبد الله
الثقافة والأدب

المسرح السوداني والهوية!! عبد الباسط عبد الله

المسرح السوداني والهوية!! عبد الباسط عبد الله
الثقافة والأدب

"رسائل من ذاكرة كازانوفا" بين يدي جمعية المرأة الكوردية!!

"رسائل من ذاكرة كازانوفا" بين يدي جمعية المرأة الكوردية!!
الثقافة والأدب

حين تتحوّل ذاكرة الحصار إلى حكمة ماء!! د. تمام كيلاني

حين تتحوّل ذاكرة الحصار إلى حكمة ماء!! د. تمام كيلاني
الثقافة والأدب

تضادات الوعي والاختلاف في تجربة أشرف مسمار اللبناني!! كوثر جعفر

تضادات الوعي والاختلاف في تجربة أشرف مسمار اللبناني!! كوثر جعفر
الثقافة والأدب

رواية «جنّ»: حين لا يكفي البيت لجمع العائلة

رواية «جنّ»: حين لا يكفي البيت لجمع العائلة
الثقافة والأدب

الأنا المنتفخة في زمن جوجل: لماذا صار الجاهل يغلب العالم؟ د. تمام كيلاني

الأنا المنتفخة في زمن جوجل: لماذا صار الجاهل يغلب العالم؟ د. تمام كيلاني
الثقافة والأدب

عبد الله عيسى الفادح.. يؤرق مساء المدينة الوادعة بأناشيد المخيم!!

عبد الله عيسى الفادح.. يؤرق مساء المدينة الوادعة بأناشيد المخيم!!


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

تابعونا


جارٍ التحميل...