حين يصبح التأجيل شكلا من أشكال الخسارة..!! د. تمام كيلاني
حين يصبح التأجيل شكلا من أشكال الخسارة..!!
د. تمام كيلاني*
إذا المرءُ لم يرضَ ما أمكنهُ
ولم يأتِ من أمرهِ أحسنَهُ
فدعْهُ فقد ساء تدبيرُهُ
سيضحكُ يوماً ويبكي سنَهُ
ليست المأساة الحقيقية أن يفشل الإنسان، بل أن يعيش عمره كله وهو يؤجل الحياة نفسها. فبعض الناس لا يخسرون لأنهم عاجزون، وإنما لأنهم انتظروا أكثر مما ينبغي، وظنّوا أن الزمن يقف احتراماً لأحلامهم، وأن الفرص ستظل مفتوحة إلى الأبد.
إن أكثر ما يخدع الإنسان ليس الفقر ولا التعب ولا الظروف، بل ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس له دائماً: “ما زال هناك وقت”. وهذه الجملة الصغيرة كانت سبباً في ضياع أعمار كاملة، وفي دفن أحلام كثيرة قبل أن تولد.
فالإنسان بطبيعته يؤجل الأشياء العظيمة؛ يؤجل التوبة، يؤجل الحب، يؤجل الاعتذار، يؤجل زيارة والديه، يؤجل الحج، يؤجل خدمة وطنه، يؤجل حتى إنقاذ نفسه من الفراغ الذي يأكله من الداخل. يظن أن الأيام القادمة ستكون أكثر رحمة، وأكثر فراغاً، وأكثر استعداداً، لكنه يكتشف متأخراً أن الحياة لا تمنح أحداً التوقيت المثالي.
كم من إنسان قال:
حين أرتاح سأحج.
حين أكبر قليلاً سأفعل الخير.
حين أحقق الاستقرار سأقف مع الناس.
حين أتقاعد سأعيش كما أريد.
لكن الحياة لا تسير وفق حسابات البشر. فكم من صحيحٍ نام ولم يستيقظ، وكم من قويٍّ هزمه المرض فجأة، وكم من إنسان جمع المال لسنوات ثم اكتشف أنه خسر القدرة على الاستمتاع بما جمعه.
إن الزمن لا يسرق أعمارنا بصوت مرتفع، بل يسرقها بهدوء قاتل. يأخذ من أرواحنا كل يوم جزءاً صغيراً، حتى نستيقظ فجأة أمام مرآة العمر فنرى أن السنوات التي كنا نؤجل فيها الحياة قد أصبحت هي الحياة نفسها.
ولعل أكثر ما يؤلم الإنسان في شيخوخته ليس ما فعله، بل ما كان يستطيع فعله ولم يفعل. فالندم الحقيقي لا يولد من الخطأ، بل من الفرص التي ضاعت بصمت.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾
إنها ليست آية عن الموت فقط، بل عن التأجيل أيضاً. عن الإنسان الذي ظن أن أمامه وقتاً أطول، فاكتشف أن العمر كان أقصر من أوهامه.
وقال رسول الأعظم :
«اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».
إن هذا الحديث ليس مجرد نصيحة، بل فلسفة حياة كاملة. فكل شيء نملكه الآن هو مؤقت، وكل نعمة مؤجلة إلى الغد قد لا نجدها غداً. ولذلك فإن الحكمة ليست في أن نضمن المستقبل، بل في أن نحسن استخدام الحاضر.
واليوم، بعد ما مرت به سوريا من وجع طويل، وبعد كل هذا الخراب الذي أصاب الإنسان والحجر، لم يعد هناك وقت للتفرج أو الانتظار. إن الوطن الذي ينزف لا يحتاج إلى المشاعر فقط، بل يحتاج إلى أيدٍ تعمل، وعقول تبني، وقلوب تؤمن أن مسؤولية النهوض لا تقع على الآخرين وحدهم.
سوريا اليوم بحاجة إلى أبنائها…
بحاجة إلى الطبيب الذي يستطيع أن يخفف ألماً في مشفى متهالك.
وبحاجة إلى المعلم الذي يعيد للطفل ثقته بالمستقبل.
وبحاجة إلى المغترب الذي يستطيع أن يمد يد العون فلا يبخل.
وبحاجة إلى كل إنسان يملك قدرة على البناء، ولو بكلمة، أو فكرة، أو دعم، أو موقف.
إن الأوطان لا تموت بالحروب فقط، بل تموت أيضاً حين يتأخر الصالحون عن واجبهم.
وكم هو مؤلم أن يقف الإنسان بعد سنوات أمام نفسه قائلاً:
“كان بإمكاني أن أفعل شيئاً… لكنني تأخرت”.
إن بعض الناس يظنون أن خدمة الوطن عمل سياسي، بينما هي في حقيقتها عمل إنساني وأخلاقي. أن تساعد مشفى ليست سياسة، وأن تدعم مدرسة ليست سياسة، وأن تداوي جريحاً أو تطعم فقيراً أو تساهم في إعادة الحياة لمدينة مدمرة ليس موقفاً عابراً، بل هو دفاع عن معنى الإنسان نفسه.
لقد علمتنا الحروب أن الإنسان قد يخسر بيته ويستطيع أن يبني غيره، وقد يخسر ماله ويستطيع أن يعوضه، لكنه إذا خسر إنسانيته فلن يعوضها شيء.
ولذلك فإن أخطر ما يصيب المجتمعات بعد الكوارث ليس الفقر، بل الاعتياد على العجز، والاعتياد على فكرة أن المسؤولية تخص الآخرين.
إن كل دقيقة تأخير في فعل الخير هي مساحة إضافية للألم. وكل فرصة تمر دون أن نستثمرها في إنقاذ إنسان أو بناء مستقبل أو ترميم وطن، قد تتحول لاحقاً إلى حسرة لا تُحتمل.
وقد قال الإمام علي رضي الله عنه:
“الفرصة تمر مرّ السحاب، فانتهزوا فرص الخير”.
فالفرص لا تعود دائماً، والأعمار لا تتكرر، وبعض القطارات إذا غادرت المحطة لا يمكن اللحاق بها مهما ركض الإنسان خلفها.
لهذا لا تؤجل حجك إن كنت قادراً.
ولا تؤجل برّ والديك.
ولا تؤجل كلمة طيبة قد تنقذ قلباً متعباً.
ولا تؤجل دعم وطنك إن كنت تستطيع أن تقدم شيئاً.
ولا تؤجل الحياة نفسها حتى لا تكتشف متأخراً أنك كنت حياً… دون أن تعيش حقاً.
إن الإنسان لا يُقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بعدد اللحظات التي كان فيها نافعاً، صادقاً، حاضراً في حياة الآخرين.
وحين ينتهي العمر، لن يسأل الإنسان نفسه:
كم سنة عشت؟
بل سيسأل:
ماذا فعلت بكل تلك السنوات؟
وهناك فقط…
سيفهم كثيرون متأخرين أن التأجيل لم يكن راحةً كما ظنوا،
بل كان أكثر أشكال الخسارة قسوة.
*رئيس الجمعية الطبيه الاوربيه العربية.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
مختارات قصصية قصيرة جدا..!! عبد الباسط عبدالله
عيد الأضحى..حين ترتقي الروح فوق حدود الأرض..!! د. تمام كيااني
ثلاثون عاما على الرحلة التي غيرت الروح..!! د. تمام كيلاني
حقوق الإنسان والحريات العامة!! د. لبنى مرتضى
أمل منشاوي: بين الكتابة والهوية والذات!! كوثر جعفر
"خارج إطار النافذة.. السطر الأول في تاريخ سوريا الجديدة!! عمر جمعة
القرآن: لماذا اختار الله لهذا الكتاب هذا الاسم!! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...