ثلاثون عاما على الرحلة التي غيرت الروح..!! د. تمام كيلاني

ثلاثون عاما على الرحلة التي غيرت الروح..!!  د. تمام كيلاني

ثلاثون عاما على الرحلة التي غيرت الروح..!!

 

د. تمام كيلاني*

 

 

ثلاثون عامًا على الرحلة التي غيّرت الروح

 

بقلم د. تمام كيلاني

 

في مثل هذا اليوم…

وعلى صفحات التقويم الهجري، تعود الذاكرة بي ثلاثين عامًا إلى الوراء، إلى الرحلة التي لم تكن سفرًا عاديًا، بل كانت ولادةً أخرى للروح.

 

ثلاثون عامًا مرّت، وما تزال التفاصيل حيّة في القلب كأنها حدثت بالأمس.

ما تزال الطرقات، ووجوه الحجاج، وأصوات التلبية، ورائحة المكان، وارتجاف الروح عند أول نظرة إلى الكعبة المشرفة… كلها تسكن الذاكرة بوضوحٍ عجيب، وكأن الزمن وقف هناك، عند أول خطوة دخلت بها إلى المسجد الحرام.

 

كانت تلك أول رحلة حج في حياتي.

 

رحلة خرجتُ فيها من ضجيج الدنيا، لأدخل إلى أوسع أبواب السماء.

 

حين وصلت إلى مكة المكرمة، كان التعب قد أخذ من الجسد ما أخذ، لكن ما إن وقعت عيناي على الكعبة المشرفة حتى سقط كل شيء من داخلي؛ التعب، وضجيج الفكر، وثقل الحياة.

 

هناك… أمام بيت الله، يشعر الإنسان كم هو صغير، وكم أن الدنيا بكل صخبها لا تساوي شيئًا أمام لحظة صفاءٍ واحدة يعيشها القلب بالقرب من الله.

 

رأيت مئات الآلاف يطوفون في مشهد لا يشبه الأرض.

أجساد تختلف في اللون واللغة والوطن، لكنها تدور حول قبلةٍ واحدة، وربٍ واحد، ودعاءٍ واحد.

 

وفاضت عيناي بالدموع.

 

لم تكن دموع حزن، بل دموع دهشة؛

دهشة الإنسان حين يرى بعينيه مشهدًا كان يسمع عنه فقط، فإذا به يقف داخله، جزءًا منه، يطوف مع الطائفين، ويرفع يديه مع الداعين، ويذوب في ذلك البحر البشري الهائل الذي لا تسمع فيه إلا:

“لبيك اللهم لبيك.”

 

ما زلت أذكر كيف بدأت طواف القدوم حول الكعبة.

سبعة أشواط، لكنها لم تكن مجرد خطوات تُحسب بالعدد، بل كانت رحلة داخل النفس.

مع كل شوط، كان شيء من أثقال الدنيا يسقط من القلب.

 

وحين اقتربت من الحجر الأسود وقبّلته، شعرت أنني ألمس صفحةً من التاريخ، وأن ملايين الأرواح التي مرّت من هنا عبر القرون تركت في المكان رهبةً لا يمكن وصفها بالكلمات.

 

ثم كان السعي بين الصفا والمروة.

سبعة أشواط أخرى، لكنها لم تكن مجرد انتقال بين جبلين، بل كانت استحضارًا لقصة أمّ عظيمة علّمت البشرية أن الفرج يولد أحيانًا من قلب السعي والتعب واليقين.

 

وبعد صلاة الفجر، كانت وجهتنا إلى منى، حيث قضينا ذلك اليوم بين الدعاء والتأمل والتلبية.

هناك يشعر الحاج أنه خرج من حياته القديمة، وأنه يعيش زمنًا مختلفًا، زمنًا لا قيمة فيه إلا لصفاء القلب.

 

ثم جاء يوم التاسع من ذي الحجة…

 

يوم جبل عرفات.

 

وما أدراك ما عرفات؟

 

ذلك اليوم ليس يومًا عاديًا في عمر الإنسان، بل هو يوم تشعر فيه أن السماء أقرب إلى الأرض من أي وقت آخر.

يوم يقف فيه الملايين بقلوبٍ منكشفة، وأيدٍ مرفوعة، وأرواحٍ أنهكها التعب وأحيتها الرحمة.

 

هناك، بين الدعاء وقراءة القرآن والابتهال، يشعر الإنسان أنه يقف عاريًا إلا من رجائه بالله.

تسقط الأقنعة، وتصغر الدنيا، ولا يبقى في القلب إلا حاجة واحدة:

أن يغفر الله.

 

ومع غروب الشمس، كانت النفرة إلى مزدلفة.

ليلة من أجمل ليالي العمر؛ السماء فوقنا، والأرض تحتنا، وملايين الحجاج يفترشون التراب بقلوب مطمئنة، وكأن البشرية كلها عادت إلى بساطتها الأولى.

 

كانت مشاهد لا تُنسى.

 

مشاهد لا تستطيع الصور نقلها، ولا الكلمات احتواءها، لأنها لا تُرى بالعين فقط، بل تُعاش بالروح.

 

واليوم، وبعد ثلاثين عامًا، أدرك أن بعض الرحلات لا تنتهي بانتهاء الطريق.

تبقى تسير داخل الإنسان العمر كله.

 

فالحج ليس انتقالًا من بلدٍ إلى بلد، بل انتقال من حالٍ إلى حال، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الروح.

 

وما تزال تلك الأيام، بكل دموعها ودعواتها ومشاهدها، راسخةً في الذاكرة، كأنها نُقشت على جدار القلب.

 

ثلاثون عامًا مرّت…

 

لكن بعض الأماكن لا تغادرنا أبدًا، لأننا حين وصلنا إليها لأول مرة… وصلنا إلى انفسنا.

 

*رئيس الجمعية الطبيه الاوربيه العربية/ فيينا.

 

 

 

 

 

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

أمل منشاوي: بين الكتابة والهوية والذات!! كوثر جعفر

أمل منشاوي: بين الكتابة والهوية والذات!! كوثر جعفر
بوابة دمشق

"خارج إطار النافذة.. السطر الأول في تاريخ سوريا الجديدة!! عمر جمعة

"خارج إطار النافذة.. السطر الأول في تاريخ سوريا الجديدة!! عمر جمعة
بوابة دمشق

حين يتكلم الجهل بثقة..!! د. تمام كيلاني

حين يتكلم الجهل بثقة..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

القرآن: لماذا اختار الله لهذا الكتاب هذا الاسم!! د. تمام كيلاني

القرآن: لماذا اختار الله لهذا الكتاب هذا الاسم!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

أمسية قصصية في دمشق بذكرى النكبة الفلسطينية !! عمر سعيد

أمسية قصصية في دمشق بذكرى النكبة الفلسطينية !! عمر سعيد
بوابة دمشق

كيف يصنع الرجال المجد؟ وكيف تبتلعهم السياسة!! د. تمام كيلاني

كيف يصنع الرجال المجد؟ وكيف تبتلعهم السياسة!! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

تابعونا


جارٍ التحميل...