حين يتكلم الجهل بثقة..!! د. تمام كيلاني
حين يتكلم الجهل بثقة..!!
د. تمام كبلاني*
الخنفشاريون… وهزيمة العقل أمام وهم المعرفة
في كلِّ عصرٍ يظهر “الخنفشاري” بثيابٍ جديدة؛ مرةً بعمامةِ الفقيه، ومرةً بربطةِ الأكاديمي، ومرةً خلف شاشةٍ مضيئةٍ يوزّع الأحكام والمعارف كما يوزّع الباعةُ المتجولون بضائعهم الرخيصة. وليس الخنفشاري ـ في جوهره ـ جاهلاً فحسب، بل هو ذلك الإنسان الذي يخاف الاعتراف بجهله أكثر من خوفه من الكذب نفسه.
لقد كانت قصة “الخنفشار” أعمق من طرفةٍ لغويةٍ تُروى للتندر؛ إنها مرآةٌ فلسفية تكشف هشاشة الإنسان حين يضع “صورة العالم” فوق “حقيقة الذات”. فذلك الرجل الذي اخترع معنىً لنبتةٍ لا وجود لها، لم يكن يحاول إقناع الآخرين فقط، بل كان يحاول حماية صورته الداخلية من الانهيار. لأن بعض الناس لا يحتملون أن يقولوا: “لا أعلم”، وكأن الجهل المؤقت هزيمةٌ وجودية، لا خطوةٌ أولى نحو المعرفة.
وقد أدرك الحكماء منذ قرون خطورة المتعالم أكثر من الجاهل؛ لأن الجاهل قد يتعلم، أما المتعالم فقد أغلق أبواب المعرفة على نفسه. ولهذا قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
“قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسن.”
وفي هذه الكلمة اختصارٌ لمأساة الخنفشاري؛ إذ يحاول أن تكون قيمته فيما لا يُحسن، فيتضخم ادعاؤه بقدر خوائه الداخلي.
وقال أيضًا:
“لا تستحيِ من إعطاء القليل، فإن الحرمان أقلُّ منه.”
وكأن الحكمة هنا تمتد إلى الفكر والمعرفة؛ فقول الإنسان: “لا أعلم” خيرٌ من أن يمنح الناس وهمًا مغلفًا بثقةٍ زائفة.
إن أخطر أشكال الجهل ليس أن تجهل، بل أن تتوهم أنك تعلم. ولهذا كان الإمام الشافعي من أكثر الناس تواضعًا أمام الحقيقة حين قال:
“كلما ازددتُ علمًا، ازددتُ علمًا بجهلي.”
فالعلم الحقيقي لا يصنع غرورًا، بل يصنع اتزانًا داخليًا، ويجعل صاحبه أكثر حذرًا في إطلاق الأحكام، لأن المعرفة الواسعة تكشف للإنسان اتساع ما يجهله.
الخنفشاري لا يعيش في اللغة فقط، بل في السياسة والدين والثقافة والإعلام. إنه ذلك الذي يفسر كل شيء بثقةٍ مدهشة، ويملك جوابًا حاضرًا لكل سؤال، حتى لو كان السؤال أكبر من عمر البشرية نفسها. وحين تتأمل خطابه، تكتشف أن الثقة عنده تسبق الحقيقة، وأن الصوت المرتفع يحلُّ محل البرهان.
ولعل عصرنا الحديث قد منح الخنفشاريين ما لم تمنحه لهم العصور السابقة: جمهورًا واسعًا ومنابر لا تنتهي. ففي زمن “الظهور” صار الادعاء أسهل من التحقق، وصارت البلاغة تغلب المعرفة، والانفعال ينتصر على التأمل. يكفي أن يتحدث المرء بثقةٍ حتى يُحسب عالمًا، ولو كان كلامه قائمًا على “خنفشار” جديد، مصنوعٍ من الوهم والاقتباسات المبتورة والشعارات الجاهزة.
وقد لخّص الإمام الشافعي هذه الحقيقة الإنسانية العميقة بقوله:
“ما جادلتُ أحدًا إلا تمنيتُ أن يُظهر الله الحقَّ على لسانه.”
فالعالم الحقيقي لا يبحث عن الانتصار لنفسه، بل للحقيقة، بينما الخنفشاري لا يعنيه صدق الفكرة بقدر ما يعنيه أن يبدو منتصرًا أمام الناس.
لكن المأساة الحقيقية ليست في وجود الخنفشاري، بل في انجذاب الناس إليه. فالإنسان بطبعه يميل إلى الإجابات السريعة، ويخشى التعقيد، بينما الحقيقة غالبًا بطيئة، مترددة، ومتواضعة. العالم الحقيقي يشبه المسافر في الضباب؛ يتقدم بحذر، ويراجع نفسه باستمرار، أما المتعالم فيمشي بعينين مغمضتين لكنه يصرخ: “أنا أرى كل شيء”.
لهذا فإن القيمة الأخلاقية للمعرفة لا تكمن في كثرة المعلومات، بل في النزاهة الفكرية. أن تقول: “لا أدري” في موضع الجهل، يحتاج إلى شجاعةٍ أعظم من اختلاق ألف جواب. فالعقل الناضج ليس عقلًا مليئًا باليقين، بل عقلٌ يعرف حدود يقينه.
لقد تحولت “الخنفشارية” اليوم من حادثةٍ فردية إلى ظاهرةٍ ثقافية؛ إذ أصبح كثيرون يتعاملون مع المعرفة بوصفها أداةً للهيمنة لا وسيلةً للحقيقة. وهنا يكمن الخطر: حين تصبح الثقافة استعراضًا، والعلم زينةً لغوية، والحكمة مجرد قناعٍ اجتماعي.
إن أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان من قصة الخنفشار، ليس السخرية من المتعالمين، بل الحذر من “الخنفشاري” الكامن داخل كل واحدٍ منا. ذلك الصوت الخفي الذي يدفعنا أحيانًا للكلام فيما لا نعرف، خوفًا من أن نهتز أمام الآخرين. فالمعرفة الحقيقية تبدأ حين نتصالح مع نقصنا، وندرك أن العقل لا ينمو بالادعاء، بل بالتواضع.
*رئيس الجمعية الطبيه الاوربيه العربية/ فيينا
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
أمل منشاوي: بين الكتابة والهوية والذات!! كوثر جعفر
"خارج إطار النافذة.. السطر الأول في تاريخ سوريا الجديدة!! عمر جمعة
القرآن: لماذا اختار الله لهذا الكتاب هذا الاسم!! د. تمام كيلاني
أمسية قصصية في دمشق بذكرى النكبة الفلسطينية !! عمر سعيد
كيف يصنع الرجال المجد؟ وكيف تبتلعهم السياسة!! د. تمام كيلاني
إسماعيل نصرة.. من نافذة "زوايا" يدخل الضوء إلى لوحته!! روعة سنوبر
"نهاية الرحلة" بداية تالية تسطرها معاني سليمان!! مصطفى العقاد
الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...