نكسة حزيران..يوم سقطت الأوطان وبقيت الأنظمة!! د. تمام كيلاني
نكسة حزيران..يوم سقطت الأوطان وبقيت الأنظمة!!
د. تمام كيلاني*
لم تكن حرب حزيران 1967 مجرد هزيمة عسكرية، بل كانت واحدة من أكبر الكوارث السياسية والعسكرية في تاريخ العرب الحديث. لم تسقط فيها أراضٍ فقط، بل سقطت أوهام وشعارات ومشاريع حكم ادّعت أنها تقود الأمة نحو التحرير والوحدة والنصر.
قبل الحرب، كانت الإذاعات العربية تمطر الجماهير بخطابات التهديد والوعيد، وكانت الجماهير تُساق خلف شعارات النصر المؤكد، بينما كانت الجيوش تفتقر إلى الاستعداد الحقيقي، وتدار بعقلية الولاء السياسي أكثر مما تدار بعقلية الكفاءة العسكرية.
وفي فجر الخامس من حزيران، ظهرت الحقيقة عارية بلا شعارات. خلال ساعات قليلة تحولت جيوش قيل إنها تستعد لتحرير فلسطين إلى جيوش تقاتل من أجل البقاء. دُمّر القسم الأكبر من سلاح الجو المصري على الأرض، وسقطت سيناء، وتشتت القوات، وامتلأت الصحراء بآلاف الضحايا من الجنود الذين دفعوا ثمن أخطاء لم يرتكبوها.
أما في الجولان، فكانت المأساة أكبر من مجرد خسارة أرض استراتيجية. كانت صدمة ما زالت تثير الأسئلة حتى يومنا هذا. كيف سقطت الهضبة بهذه السرعة؟ وكيف أُعلنت القنيطرة ساقطة قبل سقوطها الفعلي؟ أسئلة لم تجد إجابات تقنع الشعوب التي خسرت الأرض ولم تخسر ذاكرتها.
وفي القدس، كانت الكارثة التي ما زالت تنزف في ضمير الأمة. سقطت المدينة المقدسة، وسقطت الضفة الغربية، وأصبح المسجد الأقصى تحت الاحتلال الإسرائيلي. ولم يكن ذلك مجرد تحول عسكري على الخريطة، بل جرحاً حضارياً وسياسياً لم يندمل حتى هذه اللحظة.
لكن أكثر ما يثير المرارة ليس حجم الهزيمة، بل رد فعل الأنظمة التي صنعتها. فبدلاً من المحاسبة والمراجعة والاعتراف بالأخطاء، استمر كثير من المسؤولين في مواقعهم، وكأن شيئاً لم يكن. ولعل العبارة التي نُسبت إلى أحد قادة حزب البعث بعد الحرب تختصر المشهد كله: “خسرنا المعركة، ولكن لا يزال حزب البعث على قمة الحكم”.
يا لها من عبارة موجعة.
خسرنا القدس، وخسرنا الضفة، وخسرنا الجولان، وخسرنا سيناء، وخسرنا عشرات الآلاف من الضحايا، لكن المهم أن يبقى الحزب، وأن يبقى الحاكم، وأن تبقى السلطة.
ومنذ ذلك اليوم، لم تنتهِ حرب حزيران. نعم، انتهت المعارك العسكرية خلال أيام، لكن آثارها ما زالت تحكم حاضرنا. ما زلنا ندفع ثمن تلك اللحظة التاريخية؛ ثمن تغييب المؤسسات، وثمن تقديس القادة، وثمن تحويل الجيوش إلى أدوات سياسية، وثمن إسكات كل صوت ناقد بحجة المعركة المصيرية.
إن أخطر ما خلفته نكسة حزيران ليس الاحتلال وحده، بل الثقافة السياسية التي أنتجت الهزيمة ثم رفضت الاعتراف بها. ثقافة تبرر الفشل، وتكافئ المسؤول عنه، وتطلب من الشعوب أن تصفق وهي تتراجع.
بعد ما يقارب ستة عقود، ما زال العرب يعيشون كثيراً من تبعات تلك النكسة. فالاحتلال الذي توسع يومها ما زالت آثاره قائمة، والانقسامات التي تعمقت بعدها ما زالت تمزق المنطقة، وأزمة الثقة بين الشعوب وحكامها ما زالت تلقي بظلالها على حاضرنا ومستقبلنا.
لقد كانت نكسة حزيران لحظة فارقة في التاريخ العربي؛ يوم سقطت الأرض، وسقطت الشعارات، وسقطت الأقنعة. أما الأنظمة التي قادت إلى الكارثة، فقد كان همّ كثير منها أن تبقى واقفة فوق أنقاض الهزيمة.
ولهذا، فإن ذكرى حزيران ليست مجرد استذكار لمعركة خسرناها، بل تذكير دائم بأن الأمم لا تُهزم عندما تخسر حرباً، بل عندما ترفض أن تتعلم من أسباب الهزيمه.
* رئيس الجمعية الطبية الاوربية العربية/ فيينا.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
أبحثُ عن رقعة صغيرة من النسيان تكفي لدفن وردة"..!! سلوى اليوسف
ثمن الحكمة بين جحود البشر وعطاء الله..!! د. تمام كيلاني
قراءة أدبية: ثنائية الانفتاح والانغلاق..!! ماجد القيسي
الأسطورة والخرافة في القصة..!!أنس بابكر محمد قسم الله
أركَ عصيّ الدمع.. حين يتحول الكبرياء إلى بكاء مؤجل..!! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...