الأسطورة والخرافة في القصة..!!أنس بابكر محمد قسم الله
الأسطورة والخرافة في القصة..!!
أنس بابكر محمد قسم الله*
مقدمة
منذ أن عرف الإنسان الحكي، كانت الأسطورة والخرافة أول ما رواه. قبل أن يكتب التاريخ، كتب الخيال. وقبل أن يفسر العلم، فسرت الأسطورة الظواهر. فأدب الأسطورة والخرافة ليس هروباً من الواقع، بل هو محاولة قديمة لفهمه. وقد تسلل هذا الأدب إلى القصة الحديثة، فمنحها سحراً وعمقاً ورمزاً لا ينضب.
*العرض*
*1. الفرق بين الأسطورة والخرافة*
كثيرون يخلطون بينهما، لكن الفرق جوهري:
- *الأسطورة*: حكاية مقدسة عند شعب من الشعوب، تفسر ظاهرة كونية كبرى: خلق العالم، الموت، المطر، الشمس. أبطالها آلهة وأنصاف آلهة. مثل أسطورة "إيزيس وأوزوريس" في مصر، و"جلجامش" في العراق. هدفها تفسير وتقديس.
- *الخرافة*: حكاية شعبية للتسلية والوعظ، أبطالها بشر أو حيوانات أو جن. لا يصدقها الناس حرفياً، لكن يؤمنون بحكمتها. مثل "أمنا الغولة" و"ود النمير" و"فاطمة السمحة" في التراث السوداني. هدفها الترفيه والتحذير.
*2. لماذا دخلت الأسطورة والخرافة في القصة الحديثة؟*
القصة الواقعية أحياناً تعجز عن قول كل الحقيقة. فيلجأ الكاتب للأسطورة لثلاثة أسباب:
*أ- الرمز*: عندما يكون الواقع قاسياً أو ممنوعاً، يتكلم الكاتب بالرمز. فـ"الحاكم الظالم" يصبح "غولاً" يأكل أبناء القرية. و"الثورة" تصبح "طائر العنقاء" الذي ينهض من الرماد.
*ب- العمق*: الأسطورة تمنح القصة بُعداً إنسانياً عابراً للزمان. فقصة "أيوب" في الصبر تتكرر في كل عصر.
*ج- المتعة*: الخيال والغرابة تشد القارئ. فالقارئ يمل من الواقع، ويشتاق لعالم الجن والسحر والبطولات الخارقة.
استخدم الطيب صالح أسطورة "عرس الزين" وكأن الزين "ولي" خارق للعادة. وفي "موسم الهجرة إلى الشمال" جعل مصطفى سعيد كأنه "عطيل" جديد، أسطورة الغريب المدمر.
وفي الأدب العالمي، "ماركيز" في "مائة عام من العزلة" جعل المطر يستمر 4 سنوات، والميت يعود - خرافة أصبحت واقعاً سردياً.
:
كثير من القصص السودانية بنيت على خرافة "النداهة" التي تنادي المسافر ليلاً، أو "البعاتي" الذي يخرج من القبر. الكاتب يأخذ الخرافة ويعيد صياغتها ليعالج قضية اجتماعية: الخوف من المجهول، ظلم المرأة، قهر السلطة.*:
الكاتب لا يكتفي بالتراث، بل يصنع أسطورته الخاصة. توفيق الحكيم خلق "أهل الكهف" من جديد، ونجيب محفوظ صنع "الحرافيش" كأنها ملحمة شعبية.
- **: السخرية من الواقع عبر عالم خيالي، كما في "كليلة ودمنة" على لسان الحيوانات.
- *: الخرافة الشعبية هي "دي إن إيه" الثقافة. عندما يكتبها القاص يحميها من النسيان.
- * الأسطورة تخرج مخاوف الإنسان الدفينة: الخوف من الموت، من الغول، من الظلام. فمواجهتها في القصة تطهرنا منها في الواقع.
إذا زادت عن حدها، تحولت القصة إلى "تخريف" لا "أدب". والقارئ يرفضها لأنها تهرب من مواجهة الواقع بدل تفسيره. فالشرط هو: "اجعل الخرافة خادمة للفكرة، لا الفكرة خادمة للخرافة".
*خاتمة*
أدب الأسطورة والخرافة هو جسر بين عقل الإنسان القديم وقلبه الحديث. هو اعتراف بأن الإنسان لا يحيا بالخبز والعلم وحده، بل يحتاج للحلم والرمز. والقصة التي توظف الأسطورة بذكاء، هي قصة تبقى. لأنها تخاطب فينا الطفل الذي يسأل "لماذا؟" والشيخ الذي يجيب "كان يا ما كان...". فالخرافة ليست كذباً، بل حقيقة بطريقة أخرى.
* كاتب وناقد سوداني.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
أركَ عصيّ الدمع.. حين يتحول الكبرياء إلى بكاء مؤجل..!! د. تمام كيلاني
حين يصبح التأجيل شكلا من أشكال الخسارة..!! د. تمام كيلاني
مختارات قصصية قصيرة جدا..!! عبد الباسط عبدالله
عيد الأضحى..حين ترتقي الروح فوق حدود الأرض..!! د. تمام كيااني
ثلاثون عاما على الرحلة التي غيرت الروح..!! د. تمام كيلاني
حقوق الإنسان والحريات العامة!! د. لبنى مرتضى
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...