جريمة قلم..!! أمل محمد منشاوي

جريمة قلم..!! أمل محمد منشاوي

جريمة قلم..!!

 

أمل محمد منشاوي*

 

يهتز السرير الحديدي تحته مصدرا أنينا شجيا ينفذ إلى أعماقه فيزيد اضطرابه. نومه مشوش، تتداخل الأصوات في رأسه فلا يعرف إن كان ما يسمعه هو حلم صاخب أم واقع أشد صخبا، يرى كأنما عامل حفر يضرب الأرض بفأسه أسفل البيت، يرتطم الفأس بالأرض ارتطاما رتيبا يمتزج بأنين السرير و أنفاسه المتلاحقة التي تبدو وكأنما يعدو في سباق، سيمفونية مزعجة لكنه ألفها فظل يتقلب على وقعها، قطعها صوت قرقضة تأتي من جهة اليسار فنبهته، فتح عينيه فجأة، ارتطم بصره بسقف الحجرة شبه المعتمة، ما زال راقدا على ظهره فاردا ذراعيه ومفرّجا بين ساقيه، لم يتغير وضعه منذ أن استلقى على السرير وقت الظهيرة بعدما عاد من عمله الذي لا يذهب إليه إلا لصرف راتبه، على الضوء المتسلل عبر النافذة من عمود الإنارة المنتصب في الشارع؛ رأي الفأر في زاوية الغرفة يقرض قطعة خبز كانت آخر شيء اشتراه ليأكله منذ يومين، لم يأبه له وعاد ينظر إلى السقف، رغم اعتدال الجو؛ كان العرق يغطي جبينه وعنقه الأسمر بطبقة زيتية تلمع تحت الضوء، عاد صوت ضربات الفأس إلى أذنه من جديد، لم يكن عامل حفر يحفر اسفل البيت كما رأى في منامه وإنما كانت ريح خفيفة تحرك شيش النافذة بلا هوادة تغلقها محدثة ارتطاما مزعجا لكنها لا تحكم غلقه؛ فسرعان ما تفتحها مرة ثانية ثم تعود وتغلقها من جديد. أضاء شاشة هاتفه ليعرف الوقت..." الثالثة وخمس دقائق" لمح الوقت قبل أن تنفذ البطارية وينطفئ الهاتف، الظلام من حوله ينبئ أن الوقت فجرا، ظل مستلقيا على ظهره يضبط أنفاسه، شعور لذيذ تسلل إليه فارتخت له أعضاءه، ابتسم ابتسامة ماكرة، ما زال يحلم بها، لا يدري كيف احتلته وهي من صنيعته، مجرد خيال يحيا بين الأوراق.

 تناول علبة سجائره المتخمة التي اشتراها بما تبقى له من راتبه بعد سداد ديونه الشهرية، قبل أن يفتحها ظل يسعل حتى انتفخت أوداجه، أفاق يلعن من علّمه التدخين ورغم ذلك أشعل واحدة، التهمها بشراهة ثم أشعل الثانية، قبل أن يرتفع الأذان كان يفتح علبة سجائر جديدة، نهض عن الفراش عازما على شيء هام، أخذ يفرك شعره الأشعث بأطراف أصابعه، أشعل الموقد ووضع القهوة وانتظر فورانها، ألقى نظرة على كومة الأوراق القابعة فوق المكتب المتهالك والساكن في زاوية غرفته القذرة، اهتزت الأوراق اهتزازا خفيفا، قهقه بمجون

_ تلك العاهرة!... تراقبني!

قال محدثا نفسه بنبرة ماكرة، وضع كوب القهوة عن يمينه وأمسك الورقة الأخيرة من الرواية التي لم تكتمل بعد، أخذ نفسا طويلا من سيجارته فازداد توهجها، نظر مضيقا عينيه وهو يتفحص الأسطر، أمسك القلم وعزم الأمر، بدأ يكتب، ( شبه عارية، تتقلب في الفراش بغنج، انحناءات جسدها الخمري تغريه أن يعاود الكرة لكنه أمسك نفسه، وقف أمام المرآة يهندم ملابسه، تتجول عيناه في أرجاء الغرفة يبحث عن شيء يسرقه، يعلم أنه ليس الأول الذي دخل هنا ولن يكون الأخير، لكنه يريد أن يخرج فائزا، لمحها بطرف عينه، علبة تختبئ تحت ملابسها داخل الخزانة غير محكمة الغلق، فتح الخزانة بهدوء لكنها انتبهت كأنما تُصدِر لها الأشياء إشارات تنبهها لما يجري حولها، قفزت صارخة كلبؤة تنشب مخالبها في وجه عدو 

_ بتعمل إيه يا حرامي؟

صفعها فوقعت على الارض، استمر في نهب الذهب الممتلئ به الصندوق، قامت من جديد تدافع عن مالها، أخرج من جيبه الخلفي مطواة وشرعها في وجهها) حاولت الاختباء لكنه لم يدعها، تشبثت بأطراف الورقة تريد الهرب لكنه أعادها إلى الرواية بعنف، أرسلت نحوه نظرة فزعة، صرخت في وجهه: ماذا تفعل أيها المجنون، لقد أحببتك أنت!. لم يهتم لقولها واستمر في مطاردتها بقلمه( أخذ الصندوق محاولا الخروج من الغرفة بظهره مهددا لها بسلاحه، لم تر إلا مالها الذي بذلت فيه شرفها وجسدها يُسلَبُ منها ببساطة، اندفعت نحوه وأمسكت بتلابيبه، غرس نصل سلاحه في أحشائها وفر هاربا بغنيمته، سقطت تسيل دمائها الممتزج فيها الحب بالرذيلة على أرض الغرفة، عيناها النجلاوان متعلقتان بنصل القلم الهارب، تقول دموعها بأسف: كان بإمكانك أن تطهرني بالحب )

 كتب بحروف كبير ومتقطعة كلمة (ا ل ن ه ا ي ة) خمدت نيران الرغبة المضطرمة داخله، هدأت أنفاسه المتلاحقة، وضع القلم وراح ينفث دخان سيجارته الذي تشكل بهيئتها للحظات ثم تبدد في الهواء.

 

* كاتبة مصرية.

 

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة القاهرة

دور المرأة في الحفاظ على الهُويَّة الفلسطينية"

دور المرأة في الحفاظ على الهُويَّة الفلسطينية"
بوابة القاهرة

لعَينيها، قصيدة يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري

لعَينيها، قصيدة يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة

د. نادر الصيرفي ورمسيس النجار.. لقاء السحاب بين اثنين من أبرز المتخصصين في قوانين الأحوال الشخصية للمسيحيين

د. نادر الصيرفي ورمسيس النجار.. لقاء السحاب بين اثنين من أبرز المتخصصين في قوانين الأحوال الشخصية للمسيحيين
بوابة القاهرة

الدكتور الشاعر عبد الولي الشميري يكتب قصيدة غريبة

الدكتور الشاعر عبد الولي الشميري يكتب قصيدة غريبة
بوابة القاهرة

الملحنة عبير تلمساني تتعاون لأول مرة مع الفنان اللبناني مسلم في أغنية "منك مشتاقة"

الملحنة عبير تلمساني تتعاون لأول مرة مع الفنان اللبناني مسلم في أغنية "منك مشتاقة"
بوابة القاهرة

من السعيدة إلى مصر،قصيدة يكتبها د. عبد الولي الشميري

من السعيدة إلى مصر،قصيدة يكتبها د. عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة

قصيدة إلى مصر يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري

قصيدة إلى مصر يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

تابعونا


جارٍ التحميل...