رؤيا صالحة!!

رؤيا صالحة!!

رؤيا صالحة!!

 

عبدالله نفاخ*

 

عرفت الدكتورة (سوسن) طبيبة الأسنان ذات الستين عاماً الأستاذ (أنس) في صفحات التواصل الاجتماعي، ففجّر في قلبها بحراً من المشاعر.

إنه ابن أستاذها الكبير الدكتور (رأفت)، علم زمنه في كلية طب الأسنان، الذي قضى حياته عَزْباً، لكنها سمعت من بعض أقربائه أنه تزوج في أواخر عمره ورُزِق بطفل.

والساعةَ تقع عينها على الغلام وقد بات شاباً، لكنه جانَبَ اختصاص والده واختار الآداب، واليوم هو مدرّس في بعض الثانويات.

فسارعت إلى إرسال طلب صداقة إلى صفحته، فلم يتأخر عن قبوله، وقامت بينهما صلة ما أسرع أن راحت تقوى يوماً بعد يوم.

وفي يوم ربيعيّ رقيق الحاشية، وجدته يعلن خطوبته من مدرّسة في اختصاصه نفسه.

وما هي إلا فترة قصيرة حتى عُقِد قرانهما.

فنامت الدكتورة سوسن ليلتها بعد أن باركت عقد القران للشاب، لترى في الحلم أستاذها الدكتور رأفت في بيت والدها، بحلّته المائزة، وهيبته الاستثنائية، على إحدى الأرائك من حجرة الاستقبال في البيت الذي يعبق أثاثه وجدرانه بأجواء ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، ينظر إليها بتمعّن ثم يقول:

هذا العقد الذي تمّ اليوم ليس لتلك الأسرة، ولا لتلك الفتاة، هذا العقد لك أنت.

ثم ينشقّ الفضاء، وينهض جسر ذهبي طويل يصل ما بين الحجرة وبيت أستاذها غير البعيد من بيت أهلها، البيت الذي زارته مع بعض أصدقائها مرةً واحدةً قبل أربعين عاماً.

قامت الدكتورة سوسن مضطربةً من وقع ما رأت، ولم تستطع التسليم به، فصمتت عنه.

وبعد سنة ونصف السنة، كان خلالها أنس وزوجته يُظهران للناس منتهى السعادة وتدفّق مشاعر الودّ، فاجأ الناسَ جميعاً نبأُ الطلاق.

قرص النبأ الدكتورة سوسن، وذكّرها الحلمَ الذي رأته يوماً، لكنها اعتصمت بصمتها.

ودارت الأيام، فصارت تبلغها محاولات أنس المتكرّرة للارتباط من دون نجاح، فيُلِحّ عليها حلمُها، حتى تجرّأت يوماً فحكته لوالدته التي غدت صديقتها.

أحست والدة أنس بطمأنينة غامرة لمّا سمعت قول الدكتورة سوسن، ففاتحت ابنها به.

لكنه لسبب ما في نفسه، رفض رفضاً قطعياً.

وطرحت الدكتورة الموضوع على ابنتها (آمال)، فنفرت وردّت بانفعال:

أنا لا أطيق رؤية صورته في مواقع التواصل، ثم تريدين منّي أن أتزوّجه؟

كذا مرّت سنة تتلوها سنة، الشاب والفتاة يُعرِضان، وشيءٌ ما، شيءٌ خفيّ يحول دون محاولاتهما الارتباطَ بأشخاص آخرين.

بعد ثماني سنوات كاملة من تعرّف الدكتورة سوسن إلى الأستاذ أنس، دعته إلى بيتها لبعض شأن، وانتقَت وقتاً لا تكون فيه ابنتها لئلّا تُحرِجها بلقائه.

لكن المجلس طال بالدكتورة سوسن وأولادها وبأنس، فلم يشعروا بالوقت وهو يجري كالماء من بين أصابعهم.

ثم نهض أنس من مجلسه، واتّجه خارجاً، حتى إذا أمسك بمقبض باب البيت ليفتحه فوجئ به يُفتَح لتدخل آمال.

كان لقاءهما الأول وجهاً لوجه، فما إن التقت عيناهما حتى هبط شيء نوراني عجيب على صدر كل منهما، فعاد أنس أدراجه إلى المجلس، ووجد نفسه سريعاً ينخرط في أحاديث كثيرة مع آمال، ويطرح وإياها قضايا عدّة، فتحلّ بينهما كيمياء عجيبة.

ولمّا انفضّ المجلس، غمرت كليهما رغبةٌ شديدة في التواصل المستمر مع الآخر، تواصل ما أسرع أن تحوّل إلى لقاءات، ثم تفجّر الإعجاب ليغدو حبّاً، كأن كل شيء تسيّره إرادة غيبيّة قلبت البغض المطلق عند الطرفَين إلى نقيضه.

وما هي إلا أسابيع حتى اجتمعت الأسرتان، فإذا بالحضور يرتّلون آيات سورة الفاتحة معلنين الخطوبة.

ونظرت الدكتورة (سوسن) إلى أم أنس، وقالت لها بصوتٍ عالٍ:

أما قلت لك منذ ثماني سنين إني رأيت أستاذي يخبرني أن هذا سيقع، ومرّت السنون طويلةً حتى حسبناه من أضغاث الأحلام، فإذا هو من الرؤيا الصالحة التي بشّر بها الأنبياء، لكنها لم تتحقق حتى كان وقتها المناسب.

فهزّت أم أنس رأسها وردّدت:

سبحان الله ... سبحان الله.

 

* كاتب سوري.


كلمات البحث

تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!

   إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان*   لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...

بالله قفي قصيدة د. عبد الولي الشميري

بالله قِفيشعر الدكتور عبد الولي الشميري  ما بالُ الحُبِّ مَشانِقُهُتَغتالُ الصَّبَّ وتُحْرِقُهُ؟والش...

رمضان… ووحدة المصير في زمن الأزمات

رمضان… ووحدة المصير في زمن الأزماتبقلم: د. علي الدكروريفي هذا الشهر الكريم، شهر الرحمة والتراحم والت...

تابعونا


جارٍ التحميل...