رسالة من حديقة النادي

رسالة من حديقة النادي

رسالة من حديقة النادي
لطيفة محمد حسيب القاضي
ارتشفتُ فنجان قهوتي السوداء وأنا جالسة في حديقة النادي وحدي، أنظر إلى شاشة هاتفي بحثًا عن هيثم الذي اختفى فجأة، تاركًا في قلبي جرحًا عميقًا وحزنًا لا ينتهي. 

بحثتُ عنه كثيرًا في مواقع التواصل الاجتماعي، فلم أجده، حتى استبد الحزن بي. 

أخيرًا، لاح لي هيثم برسالة على هاتفي يقول فيها:
- لقد وصلت إلى القاهرة الآن.

ارتبكت أوصالي وارتعدت من هول المفاجأة. لقد فرقتنا مسافات المكان، ومساحات أخرى لا سبيل لطيّها. بهجره لي، جعل حياتي معتمة. وأثناء غيابه، حاولت أن أرتب أوراقي المبعثرة من جديد، وألملم أشلائي التي خلفها زوبعة رماني بها بسهم من عينيه فأصاب قلبي، ثم واصل طريقه بابتسامة ساخرة، وتركني أعيش الوحدة ووجع الفراق الحتمي.

لم تشفني جرعات النسيان التي عقدت العزم على أن أتداوى بها. فعيونه، كلماته، حنانه وعوده بالبقاء تلاحقني في أحلامي. واللون الأزرق ظل لوني المحبب لأنه كان لونه يومًا. حاصرني إصراره وشجاعته وجرأته ومحبته وحنانه طيلة أمسياتي الحزينة، مما دفعني للبحث عنه لعلي أعثر عليه صدفة على مواقع التواصل الاجتماعي.

مع مرور الوقت، تبدد الأمل في لقائه، أو حتى سماع أخبار عنه.

لكن حبي انزوى في ركن من القلب كقنبلة موقوتة تفجرها أي لوعة ذكرى.

لم ألمه على غيابه، ولم ألم نفسي على حبه، فالمشاعر لا قانون لها. الحب حالة تُلقي صاحبها في عالم مفعم بالأحلام، فيحلق بجناحي الأمل حينما يقع في الهوى. فأنا موقنة بأن الأشياء الجميلة تأتي متأخرة، فطيلة حياتي لم أكتف بالخسارات، ولكن القدر كان يتلذذ في تعذيبي، فيقدم لي أحلامي متأخرة.

عندما وصلت لي الرسالة من هيثم، شعرت بحنين بين جوارحي وجمرة خامدة تحت الرماد، سرعان ما اتقدت نارها. سأراه غدًا في مكاننا المفضل، المكان الذي طالما التقينا به والذي يحمل أجمل الذكريات.

هيثم، الرجل الوحيد الذي جعلني أعيش فوضى المشاعر التي يمتزج فيها الفرح والحزن والشوق والحنين. أشعر برعشة أنامله رغم كل المسافات، فيخفق قلبي لخفقان قلبه.

الكلمات تثقل على لساني في حضوره، فهو يسكنني رغم كل شيء.

تاهت أفكاري. صبيحة غد سألقاه... يا لفرحة قلبي!

هو رجلٌ كما الأحلام، ألوذ به ليمنحني دليلي، عسى أن أرى أسرار نفسي فيه. منذ التقينا أول مرة، بينما كان يجلس في مقعده بجانبي في المحاضرة، لاحظت نظراته وكان يحاول أن يتحدث إلي طوال الوقت ويسألني في موضوع المحاضرة. وفي إحدى الفرص، تمكن هيثم بعد انتهاء المحاضرات من تقديم نفسه وتحدثنا سويًا. كنت أشعر أن هيثم مفتون بجمالي وأناقتي وتألقي، وبدأ يراقبني خلال المحاضرات. على الرغم من خجله، إلا إنه كان مصممًا على التعرف عليّ والتقرب مني. فشعرت بانجذاب متبادل، كان هناك شيء خاص في طريقة نظرته وابتسامته التي أذابت قلبي تدريجيًا.

ومن ذلك اللقاء البسيط، اندلعت شرارة الحب بيننا، وعلى مدار الوقت زاد اقترابنا من بعض أكثر فأكثر. كنا نجلس معًا في ذلك المقهى، نتبادل النظرات والابتسامات. هكذا بدأت رحلة حب جديدة في حياتي.

فكان قلبي يدفعني دفعًا لوصاله. لم يعد الأمر شوقًا فحسب، بل أصبح ينقصني.

الآن، أجلس في النادي، وقت الغروب والطقس لطيف، والسماء فيها القمر مكتمل بنوره. الضوء الوهاج يتسلل داخل النادي من خلال النوافذ الكبيرة، يرسم ظلالًا مائلة على الأرضية، والهواء دافئ ومريح، يحمل رائحة القهوة المنعشة. خارج النوافذ، السماء تتلون بدرجات الأصفر والبرتقالي، معلنة عن غروب الشمس. والأشجار تتمايل برفق في نسمات الهواء اللطيفة، وأوراقها تعكس ألوان السماء الساحرة.

يجلس الناس في طاولات يرتشفون مشروباتهم ويتناقشون بهدوء. بعضهم مستغرق في قراءة الصحف، والبعض الآخر على أجهزته اللوحية والهواتف النقالة. يسود النادي جو من الهدوء والاسترخاء، وكأنه ملاذ آمن من ضجيج المدينة.

خرجت من النادي إلى البيت وكلي فرح، أنتظر متى يحين وقت الصباح لألتف به. خلدت للنوم وأتمنى أن أستيقظ على الأحلام السعيدة.

جاء الصباح بنور الشمس المشرقة، والآن... الآن موعد اللقاء.

جلت بعيني أمام الملابس المطوية لعلي أجد أجمل الثياب لألبسها. وأثناء ذلك، أتذكر وجهه الأسمر الوسيم الذي غدا لوحة مزركشة بأجمل الألوان.

وصلت إلى المقهى، حيث ذلك المكان المفضل له. دلفت من الباب لأبحث بعيني عن هيثم، وإذ بإشارة منه من بعيد بيده للاقتراب.

- مرحبا هيثم.

تنهدت بعمق وأنا أحدق في عيني هيثم بحنان. الزمن الآن فقط توقف بي.

أمسك بيدي ببطء وابتسم ابتسامة عريضة.

- أنا هنا يا ميسون، لقد افتقدتك كثيرًا. حبيبتي، اشتقتك إليك كثيرًا. تدري أن صوتك وضحكتك تملأ قلبي بالحياة، وحديثك معي هو عبارة عن جرعات سعادة وعشق لا ينتهي. لذلك، مكتفي بك من بين هذا البشر، فأنت أجمل ما أملك في هذه الحياة، وسأحتفظ بك في قلبي مهما حدث، فأنا أحببتك لآخر عمري.

- وأنا أيضًا افتقدتك. لا أستطيع تصديق أننا التقينا بعد طول غياب... كانت دموع الفرحة في عيني تنهمر على خديّ.
- لماذا تركتني فجأة؟

أجهش هيثم بالبكاء، وملامح وجهه كانت محفورة بالأسى وتحمل معاني الندم.

تناول رشفات من الماء قائلاً: 
-لا أستطيع أن أمنع نفسي منك، ولا أن أصد قلبي عنك، ولا أن أذهب بعيدًا إلى مكان لا يوجد به طيفك، ولا توجد به رائحتك. لا يمكنني التخلي عن كل هذا، حتى وإن بدا لك أني لا أُبالي. أحبك رغم كل شيء، أحبك جدًا. أعتقد أنني لن أفعل شيئًا سوى أن أحببتك أكثر.

أحببتك وكنت أول حب حقيقي في حياتي. لم أتوقع أن يرتبط بك قلبي كل هذا الارتباط، وأن تتعلق وتتشبث بك روحي بهذه القوة، حتى أنني لا أشعر بطعم الحياة إلا معك. ولا تستقيم حياتي، ولا أشعر إنني بخير إلا بجانبك. مهما ابتعدت، أعود إليك، لا يغنيني عنك شيء، ولا أستبدلك.
 كان علينا أن نلتقي مرة أخرى. لم أستطع أن أنساك أبدًا، قالها وهو يربت على يدي برقة.

فرحت كثيرًا بكلماتك، ولكن لم تخبرني سبب تركك لي؟

- لقد مرضت مرضًا صعبًا، ولم أجد العلاج الذي يشفيني. فنصحني الأطباء بالسفر للعلاج، وقالوا لي إن حالتي صعبة، ربما يكون آخره الشفاء أو أن يكون آخره الفراق. ففضلت أن أحمل ألمي وحزني ومرضي، وأسير خارج البلاد علّي أشفى فأعود إلى حب حياتي.

- كل هذا حملته وحدك؟ لماذا لم تخبرني؟ قلبي انهار من الحزن والأسى. تلك هي نقطة التوقف الحقيقية، حيث يجب أن تعي أن الحب يحتاج إلى جهد متبادل وإرادة مشتركة، وعليك أن تشاركني أحزانك وأفراحك.

ثم ابتسمت له بنظرات مشتاقة. أحاطها بذراعيه في عناق دافئ وهمس في أذنيها: 
-الآن أنا شفيت. الآن فقط أنا بخير. 

حددي موعد لقاء والدك لنحدد موعد زواجنا.




تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة القاهرة

الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري يكتب قصيده لهب

الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري يكتب قصيده لهب
بوابة القاهرة

الظباء قصيدة للدكتور السفير عبد الولي الشميري

الظباء قصيدة للدكتور السفير عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة

الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري يكتب قصيدة أوبه

الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري يكتب قصيدة أوبه
بوابة القاهرة

الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري يكتب قصيدة / إلى متى

الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري يكتب قصيدة / إلى متى
بوابة القاهرة

الشعر الدكتور عبد الولي الشميري يكتب قصيدة إلى متى

الشعر الدكتور عبد الولي الشميري يكتب قصيدة إلى متى
بوابة القاهرة

رد واعتذار قصيدة يكتبها الشاعر الدكتور عبد الوليد الشميري

رد واعتذار قصيدة يكتبها الشاعر الدكتور عبد الوليد الشميري


الاكثر شهرة
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!

   إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان*   لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...

تابعونا


جارٍ التحميل...