الشبح

الشبح

الشبح!!

 

روعة سنوبر*

 

كانت جثتها باردة كقطعة جليد، زرقاء كهيئة شبح، ممسدة على فراش أبيض، أمي المتوفاة، كانت تجلس إلى جانبي، بكت أمها بحرقة، وبكيت جدتي معها، وبينما كنت أمسح دموعي كانت الجثة قد اختفت، ربما فرت لست أدري.

 تلاشت أمي وبقيت وحدي، وقبل أن أعد خطايّ التي كانت تسبقني بعد أن راح الشبح الشارد يطاردني، تعثرت فاصطدم الشبح بجسدي بعنف، وقفت مجمدة الحراك، غار صدري داخل جوفي.

دار الشبح من حولي يتفحصني، ثم تسلل إلى أحشائي، دخل فمي، فتحتي أنفي، ثم أذنيّ.

حاولت أن ألتقط أصابعي منه عنوة، ففقدتها جميعها، جررت قدميّ خلفي ولكن استعصى عليهما اللّحاق بي، استحلت ذلك الطيف الشبحيّ، ولم يتبق مني سوى عينين جاحظتين وفمٍ مزموم ، هُرعت مسرعة أبحث عن مخلّص لي، يخرج الشيطان من جوفي أو يحررني من جوفه، فلم أعلم أيّنا يتلبس الآخر.

انفضّ الجميع من حولي كلما رؤوني، وحتى الحيوانات فرت خائفة.

جررت خيبتي ورائي وعدّت إلى منزلي الذي لاح لي من بعيد كبيتٍ للأشباح، عبرت خلال الباب المغلق دون أن أقرع الجرس فإنّ أحدهم لن يسمعه، دخلت غرفتي وتوجهت مباشرة إلى مرآتي، اختبأت وراء نفسي التي أضعتها وفتّشت عنها داخل المرآة، فلم أكن أنا، لم تظهر لي سوى انعكاسات الخوف الذي كان هو ما أفر منه، تلك المخاوف التي جعلتني أهرب مني وأسكن أيّ شيء عداي، أخلق أوهاما تطارني وأعاود الهروب منها.

داخل المرآة، رسمت التجاعيد خطوطها على وجهي، فكنت جدتي المسكينة التي ماتت من الوحدة في دار المسنين، ثم تراءى لي وجه أمي التي أفتقدها، حاولت التقاط ظلها فتبخر صاعدا.

تحسست المرآة من خلال يدي فإذا بالشيطان يخرج من المرآة نافثا في وجهي، محاولاً طمس معالمي، توهج الجمر في فوهتي عينيّ، وبرزت أنياب الذئب الشره، وراح اللعاب المقطر يسيل من فمي.

رحت أصرخ وأبكي بألم مستميت، لملمت ما بقيّ من جرأتي محاولة استعادة نفسي، سددت قبضتي ورحت محطمة مرآتي.

في تلك اللحظة، ما كنت لأتردد، علقت مشنقتي فلربما أموت فأستحيل جثة هاربة أو أتلاشى، وإذا بدميتي جاثية على طرف السرير، تنظر إلى بصمت، لم تفزع مني دميتي، ولم تهرب كما الآخرين، أمسكت يدها فشعرت بالدفء، عانقتها وسكبت روحي الشبحيّة داخلها، شعرت بأنني وجدت ملاذا للخوف الذي استحلني.

بعد لحظات، نهضت دميتي خائفة، وراحت تبحث عن خلاص جديد.

 

 

*كاتبة سورية/ فن ومدن دمشق.


كلمات البحث

تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!

   إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان*   لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...

تابعونا


جارٍ التحميل...