هرمان يضع العربة أمام الحصان!!
غلاف الرواية
هرمان يضع العربة أمام الحصان!!
قراءة في رواية (سدهارتا) للأديب هرمان هسه
محمد رستم*
من العنونة نبدأ لأنها المعنى الدلالي المكثف والمفتاحي لكامل المنجز.
(سدهارتا) لعله صفة أو تسمية لمرتبة دينية في كهنوت (البراهمى) وإن جاءت مغلفة بأردية تفوح منها روائح الشرق المضمخ بالفلسفة العميقة و(سدهارتا) تعني باللغة السنسكريتية الذي بلغ هدفه..
وموجز الرواية أن سدهارتا الذي نشأ في أسرة (براهمي) لم تشبع نهمه التعاليم التي ملأت نفسه، فروحه تدحرجها أقدام الريح في مسارب التوق إلى بلوغ المعرفة الروحانية الكاملة علّها تبلغ مرحلة (النيرفانا) لذا فقد صاغ سدهارتا حياته على أنغام رغباته في القبض على الحقيقة من خلال التجربة الذاتية وليس من خلال التعاليم الدينية. وظل رسول الفضيلة يؤرقه ويحثه للوصول إلى الحقيقة.
لذا فقد ترك أسرته والتحق بالسامانا وهم جماعة من الزهاد الجوالين. لكن روحه لم تشبع فتابع رحلته وحيداً وبمجذافين من توق ووله أبحر سدهارتا نحو مكامن السر في التجربة الروحية الذاتية عله يدلف إلى محراب المعرفة واليقين فيعود بأجوبة عن الأسئلة الوجودية الكبرى والقلق المصيري...
والتقى بالمستنير بوذا والملقب كذلك بالسدهارتا وأنصت إلى تعاليمه لكن روحه لم تشبع كذلك. فقد زعزعه ما تكلس في أعماقه من تعاليم عمياء ويقين مقدس. ومضى في درب اكتشاف الحقيقة معتمداً التجربة الذاتية بعد أن رمى بالبروتوكول الوظيفي للتعاليم الدينية على رصيف رحلته وخلا سدهارتا بنفسه فسمع صوت الشجر والحجر كما أصغى إلى النهر الذي يرمز إلى جريان الحياة وتقلبها... وبلغ من الزهد والصفاء أن أصبح خالياً من العطش والشهوة والأحلام والآلام والمتعة وكف عن الرغبات والشعور والأحاسيس حتى صارت روحه تتقمص ما في الكون. صار بلشونا ومات ثم صار ثعلباً ومات ثم تراباً. وفي كل مرّة يعود ذاتاً من جديد.
لقد أباد سدهارتا حواسه وأفلت من ذاته بآلاف الصور كما ظل أياماً مقيماً في العدم..
لقد غدا مطهراً من طفيليات الأنا ورغبات الذات ولعل الكاتب هنا يشير إلى مبدأ الصوفية وهو وحدة الوجود. والحلول في الأشياء (كان يعلم منذ أمد طويل أن ذاته هي (أثمان) وأنها من نفس الطبيعة الأبدية لبراهما. بل وتتماهى تجربة سدهارتا مع الصوفية كذلك في تقديم التجربة الذاتية للوصول إلى الله عبر تزكية النفس والقلب كما تنص الصوفية. وفي البوذية (أثمان وبراهما) هما من الآلهة.
وبعد كل هذا الزهد والنسك والتقشف فإن سدهارتا تحوّل فجأة إلى الضفة الأخرى، ضفة المتعة والجنس والإنقياد للرغبات عندما رأى كماله (الغانية التي تستحم بالمتعة وتعيش البذخ من عرق أنوثتها) بل وكان المبادر إلى ارتكاب المعصية معها فطلب منها أن تعلمه الحب وكأن سدهارتا الذي كان قد وضع بين قوسين من أقواس الوصايا بكل رغباته الجسدية قد انهار أمام صهيل الشبق الجنسي في أعماقه. هذا الصهيل الذي أحاله خالي الوفاض مما يسمى (زهد وطهارة وسامانية) فارتكب المعصية وتجاوز الخطوط الحمر المرسومة بشدة في عالم الكهنوت وفي سلم القيم الاجتماعية بل ويصرّح بما لا يقبل الشك بأنه ترك درب الزهد يقول (كنت سامانياً) ولقد تركت هذا المسلك وجئت لأخبرك أنك أول امرأة يتحدث إليها سدهارتا دون أن يغض طرفه ولن أغض طرفي أبداً عندما ألتقي بحسناء ويتابع...
أريد أن أتعلم منك متع الحب.) وكأن كل حواسه التي أماتها في أعوام السامانا العامرة بالزهد قد استيقظت من جديد فقد ركبه هوس عارم لاستحضار المتعة وفارت في دمه شهوة الدنس وارتكاب الموبقات وممارسة اللذة المحرمة فبات وجهه محنى بطمث الرذيلة وغدا مغسولاً من الطهارة ونظافة القلب..
وهكذا مضى يتبع صهيل الجسد في ارتشاف عطر الأنثى فالجنس أولاً وأخيراً وحده فعل الحياة إذ يبشر بالولادة...
لذا فقد رُزق بغلام من خليلته كماله. لكن هذا الابن رفض طريق والده في الزهد... واختط لنفسه طريقه الخاص وبذا يعيد حكاية سدهارتا مع والده وكأن الكاتب يريد أن يقول أن الحياة تعيد دورتها من خلال الأبناء.
ومع أن شخصيّة سدهارتا كانت صلبة قوية في تحقيق رغباته وعزمه على المضي في رحلة البحث عن الحقيقة إلى أنه بدا هشاً ضعيفاً أمام الجنس والمال ومتع الحياة. وهكذا انحرف سدهارتا عن دربه وسار في عكس الاتجاه.. فقد صار غنياً ثرياً يمارس القمار ويشرب الخمر ويقضي الليل مع الراقصات...
لكن بعد مدة زحف إلى نفسه ذاك السقام الروحي بلعنة تجاوز الخطوط الحمر فلدغه عنكبوت العصايا وأفرغ فيه سم الإحساس بتفاهة ما كان أقدم عليه فقد استنفذ روحه في هذا الحلقة الجهنمية الحمقاء وعندما رأى الطائر الميت تذكر أن الموت نهاية الأحياء وهو قدر وليس خياراً ديمقراطياً.
عندها أدرك أنه لا يستطيع البكاء في هذه الحياة التي عاشها واستنزفها إلى درجة الغثيان. فتمنى لو أن الأسماء تبتلع هذا الكلب الذي هو سدهارتا... هذا المجنون الفاسد ليت التماسيح تلتهمه. أي دنس لم يلوث به روحه... وعرف أنه أضاع حياته على نحو تافه وتبين له أن متع الحياة مهما اكتظت بالبهجة والجمال تظل جنة مسوّرة بالجحيم. وأن المتع ما هي إلا رشوة منتهية الصلاحية.
وهكذا عاد سدهارتا من تجربته الجسدية ورغباتها بزبد المرارة والخيبات وكأنه كان يعيش في الوقت الضائع غارقاً في عسل الوهم. قد رأى أن الحياة ومتعها ما هي إلا ضلال الحواس بل هي كذبة بالحجم العائلي.
ومن هنا نتبين أن الرواية تؤكد الصراع الدائم بين غريزة الجسد وتألق الروح... حيث يشار إلى محركها خارج إطار الشرعية بالشيطان وبخاصة في العلاقة بين الذكر والأنثى. هذا العلاقة المغمسة بأسرار كونية وبأبعاد نفسية وروحية والتي تبدو متأرجحة بين مد وجزر منذ حكاية التفاحة.
هذا وقد حقق الكاتب التعادلية الدلالية حين استنكر فعلة سدهارتا مع كماله بنفس الشدة التي أعرب فيها عن شغفه بما حققه من تلذذه بها ومع ذلك فهو لم يشعل أضواء الإدانة الشديدة للبغاء. هذا الانحراف المرفوض رفضاً قاطعاً دينياً واجتماعياً وقانونياً وذلك تماهياً مع هدفه الذي يقول إن التجربة الذاتية الحقيقية في السعي للقبض على الحقيقة لا تكون بكبت الرغبات وقتل الحواس والانكفاء عن الناس بل بالانغماس الحقيقي في الحياة ومكابدة ما فيها، حلوها ومرها، دنسها وطهرها. والخروج بتجربة معاشة. لذا فقد أصبح سدهارتا فعلاً يستحق هذا الوصف (سدهارتا) بعد أن مارس كل صنوف اللذة والمتعة وتغلب على رغباته حين هجر المفاسد وعاد طوعاً إلى الزهد والطهارة.
لذا قلت إن الكاتب وضع العربة أمام الحصان حين أطلق على بطله صفة (سدهارتا) منذ بداية المنجز وقبل أن يخوض التجربة التي تجعله فعلاً (سدهارتا) بينما بدت شخصية سدهارتا مرسومة بطريقة نمطية أي مرسومة مسبقاً فهو منذ الأسطر الأولى قد بلغ مرحلة (سدهارتا) وبعد تجربة مريرة في الزهد وبجرة قلم يغدو فاسقاً مع كماله وبقدرة قادر يغدو غنياً يملك الثروات وبحركة غير محسوبة يعود زاهداً.
فالكاتب لم يترك لبطله أن تنمو شخصيته من خلال تأثره بالأحداث ولم يمهد لكل انتقال مختلف ليبدو مقنعاً ونلحظ أن الجو السائد في المروية هو جو عرفاني روحاني يقترب كثيراً من الفلسفة العميقة فالسعي إلى معرفة الحقيقة ومعاناة الوصول إليها ظلت تنز على خطوط الطول والعرض في الرواية وظلت شخصية سدهارتا وما حدث معه مهيمنة على السرد. وجاءت الشخصيات الثانوية كمتلازمة فعلية لشخصية سدهارتا. ونلحظ كيف أن حوامل النص من أحداث ومعاناة الشخصيات قد قدمت أكتافها كالجسور لتمر من فوقها مقولة الرواية وهدفها الإشاري وهي أن الوصول إلى الحقيقة المطلقة إنما هو حلم خيالي غير قابل للتحقق سواء كان عن طريق التعالي أم عن طريق التجربة الذاتية وأن الحياة قائمة على تلازم الأضداد.
وتقدم الرواية وبشكل خفي متراجحة رياضية من خلال شخصية سدهارتا بين العفة والزهد والطهارة في قسمها الأول، والزنا والدنس ومتع الحياة في قسمها الثاني. ثم بالعودة إلى ما يرضي الفطرة الإنسانية السليمة في آخر المطاف. ونلحظ كيف استثمر الأديب هرمان هسه في الأسماء فأطلق على بطله صفة (سدهارتا) أي الذي بلغ هدفه أو من يسعى ليبلغ هدفه. وهذا إيجاز لما سعى إليه البطل في المروية وكذلك اسم الغانية كماله. وهي إشارة إلى أنها ناقصة ساقطة وكثيراً ما يلجأ الكتاب لمثل هذا القلب.
وواضح كيف تهجس المادة الحكائية بتثمين الروحاني في مواجهة المادي فالمنجز يقترب لأن يكون نصاً تأمليّاً في الحياة والوجود وتستلقي الرواية على وسادة ما يسمى بالرواية النفسية أو السيكولوجية حيث يأخذ التفكير والحوار الداخلي قسماً كبيراً من تيار السرد.
وتأخذ الرواية مصيرها الدرامي من خلال تفجر النزعة الروحية لدى سدهارتا ورغبته في التعمّق لاكتشاف الحقيقة والوصول إلى الأجوبة من الأسئلة الوجودية الكبرى.
أخيراً هناك تقاطعات كثيرة بين الكاتب هرمان هسه وبطله سدهارتا فكلاهما نشأ في أسرة دينية فقد كان والد هرمان مبشراً وقسيساً كما أن والد سدهارتا براهمي فهو أحد كهنة الهندوسية وأدخل والد هرمان ابنه ديراً بروتوستانتياً لكنه ثار على التعليم الديني كما أن سدهارتا وبتهذيب رفض الأفكار التي تأتي عن طريق التعلم فهو يريد أن يكتشف الحقيقة بالتجربة وترك هرمان الدير كما نفر من التعليم المدرسي وهدد بالانتحار إذا أُجبر على ذلك كما هدد سدهارتا والده بالانتحار إذا منعه من الرحيل والانضمام إلى السامانا.
هذا وقد ارتحل هرمان إلى الهند كما طاف سدهارتا في رحاب الهند وإذا عاش سدهارتا تجربته في البحث عن الحقيقة فقد كتب هرمان كذلك العديد من الروايات التي يبحث أبطالها عن الحقيقة.
أخيراً أقول: كان هرمان هسه يصور نفسه فيما كتبه في هذه الرواية وفي العديد من الروايات.