قصة قصيرة: انتظار
انتظار
قصة قصيرة: انتظار
روعة سنوبر*
تحرك الحجر الكبير الذي كان كصخرة عنيدة، وراح الكلب منهمكا ينبش بأطرافه التراب، وبعد جهد وعناء كبيرين، استطاع ازاحته بصعوبة بالغة.
ظهرت أطراف ملابس الصبي ممزقة، فلهث الكلب مسرعا متابعا عملية النبش والحفر بمخالبه الصغيرة..
أخيرا.. تكشّف الجسد الصغير تحت التراب، كان قلبه ما يزال ينبض وأنفاسه تتواتر ولكن ببطء، عاود الكلب لهاثه فرحا بعودة صديقه إلى الحياة .
رفع الصغير رأسه إلى الأعلى تفقد يديه وساقيه ومن ثم تحسس وجهه بيديه الصغيرتين، كان كل شيء في جسده حاضرا وما يزال في مكانه، إلا ان جراحه كانت تؤلمه، ودمه قد امتزج بعضها بالتراب، ساعده كلبه على النهوض متكئا عليه، سارا معا فوق الركام، يفتشان عن أفراد عائلته.
بدأ الطفل يصرخ مترنحا مناديا والديه وأخته التي تكبره بعامين، بصوت يقطعه سعاله بفعل الغبار، بينما كان كلبه ينقب عنهم بأنفه محاولا استغلال حاسة شمه بأقصى ما استطاع، وبعد رحلة قصيرة من البحث، اهتدى الكلب إلى رائحة مألوفة لديه، تكرر صوت نباحه محاولا لفت انتباه الصغير، وأخد ينبش بين الركام محاولا ازالة الحصى والتراب ما استطاع، ثم تابع الطفل تلك المهمة الصعبة لكليهما.
تكشّف وجه والدته وذاك كان أول وجه يثير صراخه وعويله، وأول علامات يتمه في هذا العالم، ناداها كثيرا:
_ أمي.. أمي.. ردي أرجوكِ ولا تتركيني وحيدا.
ثم حاول ايقاظها لعلها كانت نائمة ولم تسمع نداءه، ارتمى في حضنها و وراح يقبل وجهها ويديها باكيا، فلربما تشفق على بكائه كعادتها، لكنها اليوم قسرا لاذت بالصمت الأبدي وغطت في نوم عميق دون استفاقة .
ثوب أخته الأحمر بلون دمها كان كراية معلقة فوق شاهدة قبرها الذي اُستحدث للتو، ناداها أيضا فلعلها كانت تلعب معه لعبة الغميضة، صاح بها مرددا :
_ أنا هنا ولست مختبئا.. انهضي لا أريد أن ألعب لعبة الغميضة رجاء تعالي نلعب لعبة أخرى.. فأنا لم أعد أحب هذه اللعبة.
تعالت شهقات بكائه مرة أخرى مفجوعة مكلومة، عاود الكلب بحثه الدقيق، فكان والد الطفل مستلقيا تحت الأنقاض، لم يعرف الطفل بعد إن كان والده ما يزال حيا أم ميتا، إلا عندما تسلل اليه بحجمه الصغير، فكان جسد أبيه مهشما، متصلبا في مكانه بلا نفس أو حراك .
لم يستطع الاستمرار في البكاء، او حتى عناق والده ومناداته، حين باغتته أصوات القذائف والرصاص، حينها بدت أعمدة الدخان وكأنها مطلية بلون الرماد، أصوات أقدام لغرباء لم يألفها من قبل، لغة غريبة لم يكن قد سمعها قبل الآن أيضا، شعر بالذعر الذي كاد أن يشل أطرافه، وحين اقتربت تلك الأصوات أكثر فأكثر، أسرع بالاختباء برفقة صديقه الكلب، خلف جدار كان قد تبقى وحيدا دون سقف أو غطاء.
خبأ فاجعته داخل عينيه اللتين جحظتا، حين سمع همهمة هؤلاء الغرباء ورشقات الرصاص المتتابعة، التي جعلت ثقوبا في الجدار، واقتربت من مخبئيهما، وكأنها مخالب وحش تحاول أن تنال من كل شيء تطاله، راح الرعب يزجُ نفسه في قلب الصغير، فيرتجف جسده، فما كان به إلى أن ضم كلبه إليه، محاولا أن يدرأ الخطر عنه وعن صديقه، ولعله يشعر ببعض من الدفء والأمان، في تلك اللحظات شعر بحاجة لأن يرتمي في حضن والدايه، ليحمياه من الموت القادم، لقد كان قبل لحظات يملك عائلة ومأوى، أما الآن فلا يملك سوى خوفه وحزنه وكلبه الوفي.
ظل الاثنان مختبئين إلى أن اقتربت احدى الرصاصات من الصغير، فرمى بجسده على الأرض الباردة ، عندها أخذ الكلب ينبح بشكل جنوني، خوفا على صديقه، فما كان به إلا أن خرج مسرعا باتجاه الغرباء، مستمرا في نباحه، محاولا حماية صديقه، عندها اقترب أحد الغرباء موجها سلاحه نحو الكلب مباشرة وأطلق الرصاص نحوه، في تلك الأثناء سمعت أصوات انفجارات عنيفة، لم تكن قريبة، لكنها أجبرت الغرباء على الانسحاب مسرعين، وغادرو المكان.
بعد دقائق، تلاشى صوت الرصاص، تقلصت آثار الدخان والغبار، سكن الهدوء فوق الدمار، ثم حل المساء حاملا معه صمتا كئيبا، تقدم الطفل وجلس فوق الركام، وتبعه كلبه حانيا رأسه إلى الأسفل حزينا لأجله، كان الكلب قد أصيب اصابة بالغة، وراح جرحه ينزف دما حارا وغزيرا، تقدم الطفل لمواساته و هم بالبكاء مجددا، ثم وجه نظره إلى السماء مناجيا، حينها، لمح أول نجمة كانت قد لاحت من بعيد، ثم تبعتها نجمة أخرى، ثم أخرى، في تلك اللحظات، عادت ذاكرته به، إلى ما قالته له أمه ذات يوم، حين مات طائره الذي كان يعتني به داخل قفص صغير، ضمته إلى صدرها وأخبرته بأن روح ذلك الطير الجميل قد صعدت إلى السماء، وتحولت إلى نجمة ذهبية، وسوف تزوره كلما حل المساء، وها هما الآن، والداه وأخته قد تحولوا جميعهم إلى نجوم براقة تضيء عتمة السماء، رفع يده ملوحا والدموع تغدق في عينيه، رفع الكلب رأسه إلى الأعلى، موجها نظره نحو السماء، مستجمعا قوته التي وهنت وراحت تتخلى عنه، ثم نادى بأعلى صوته كعواء ذئب حزين يتألم، صرخة كادت أن تنشق لها السماء، في تلك الأثناء تحركت الحجارة منزاحة وسط ركام المنازل الملاصقة لمنزل الصبي، نهض عدد كبير من الأطفال الصغار، وكأنهم ينسلون من الأجداث، اكتظت السماء فجأة بنجوم يستحيل عدها، تجمع الأطفال فوق ركام منازلهم ، نظروا بأعينهم إلى نجومهم المتلألئة في صفحة السماء، رفعوا أياديهم الصغيرة ملوحين إليها، عانق الصغير جثة كلبه باكيا، ثم كانت نجمة جديدة قد انضمت إلى بقية النجوم .
ها هي تلك النجوم تعود لتضيء كل مساء، وها هم هؤلاء الأطفال الصغار ينتظرونها بأعين متلهفة، وقلوبهم تمتد شوقا، معانقة حضن السماء.
من المجموعة القصصية "كنت هناك".