في "ربع وقت" شخوص لم تزل تقرع خزان غسان كنفاني!!

في
غلاف ربع وقت

 

 في "ربع وقت" شخوص لم تزل تقرع خزان غسان كنفاني!!  

 

طلال مرتضى*

 

في المجاز "ربع وقت" لا يكفي لارتكاب فكرة قصيدة بكر لم يمسس حبر نشيدها شاعر من قبل، فكيف لهذا الربع أن يجلي عن فعل حياة كامل، وأقصد بهذا الرواية بوصفها صورة لحياة موازية لأشخاص -ربما- نعرفهم أو جمعتنا بهم المصادفات على غير موعد أو سمعنا حكاياتهم..

"ربع وقت" كعنوان لرواية يمكن أن يبني القارئ عليه ألف افتراض ويمكن له أن يفتح باب التأويل على مصاريعه أيضا، ليقنع ذاته العارفة والشغوف بأنه قادر على فك طلسم الأكواد المخبوءة وراء هذه العتبة العريضة، هذا بمعزل عما عناه من قبله جان جينيه بتعريفه للعنوان، بالفخ المحكم الذي ينصبه الكاتب العليم لقارئه الشكوك، حيث يدخله طواعية تحت تأثير الغواية أو بدافع الفضول، ما الذي عنته سوزان خواتمي بالعنوان "ربع وقت"!!

ثمة كتاب كثر وفي كثير من الأحيان تأخذهم ظلالة الشعر لابتداع عناوين مجازية يلتظون خلفها في محاولة لجذب انتباه القارئ العابر، وثمة كتاب آخرين على دراية كاملة بحالة النزق الذي يعيشه قارئ وقت السرعة (وقتنا)، ومنهم لا يريد تسليم مفاتيح روايته منذ العنوان، وباعتقادي إن الكاتبة خواتمي توسلت هذا النهج ليكون بابا عاليا يدخل القارئ من خلاله إلى مسرح روايتها "ربع وقت"..

قارئ سوزان خواتمي العارف يستشف ومنذ صفحات الرواية العشر الأولى، بأنها لم تتكأ على الحكاية، أي قصة الرواية وحدثها، لدرايتها بأن حكاية الرواية باتت مطروقة، فربما عاينت بما يشابه حكايتها مئات الحكايات أو سمعت عنها، فقصة الحرب السورية لم تعد تفاصيلها سرا كما كانت، هذا بمعزل عن وجوه وشخوص تلك القصص التي تعرضت للابتزاز والاضطهاد والقمع وغيرها من ويلات تلك الحرب المشؤومة التي لم يسلم من تداعياتها لا البشر ولا الحجر ولا حتى الهوام، لهذا ارتكزت الكاتبة على حامل اللغة، ليكون الرافع الأول لتلك المروية، من خلال فعالية السرد الشائق، القائم على جمل قصيرة متصلة منفصلة، متصلة وكأنها حبات سبحة لضمت في خيط رفيع ومتراصة فيما بينها بوتيرة مدروسة، ومنفصلة بحكم التحول الزماني والمكاني، وتلك مهارة تحسب لها، حيث هروبها أماما على عين القارئ الذي لا يتوانى عن رمي استفساره المحق حول فعالية كسر الزمن الروائي!!

عند مفترق قرائي ما يتوقف القارئ لبرهة كي يلتقط أنفاسه التي تكاد تتقطع، ليعيد ترتيب الصور والتفاصيل التي تضخ أمامه على هيئة نهر جار، فالكاتبة مثل آمرة خلية النحل في حراكها داخل النص، لا تنفك عن الحراك أماما نحو جهة القفلة لتفرغ كل ما في جعبتها من تفاصيل، تسهم بوصولها سريعا إلى كلمة النهاية، في حين تشاغل قارئها بتسريبات الخطف خلفا أو ما يدعى بالفلاش باك، كي تتوضح الصورة الكلية في ذهنيته، كحق مطلق له، مع من أتعامل أنا في هذه المروية..

في عصر السرعة الذي نعيش، نطالع في معظم الروايات التي نقرؤها أو الأفلام والمسلسلات التي ولدت بالأصل من روايات هي الأخرى، بأن بطل الحكاية حاضر منذ السطور أو المعاينات الأولى، كيانه ومكانته فيما سيدير، في "ربع وقت" الأمر مختلف تماما، فشخوص الرواية يتسربون لقارئها بالتواتر أما من خلال الحدث أو من تسريبات السرد، فبطلتها نائلة لم تلد بطلة، بل تدرجت من بين الشخصيات الأخرى إلى ان تبوأت مكانتها في الرواية، فكانت ومن معها يكبرون مع الحدث ويتطورون بعوامل الزمن، هذا بمعزل عن الدور الذي شغلوه كشخصيات رئيسة أو محورية أو ثانوية أو داعمة..

كل شيء كان يتنامى ومنذ سطر السرد الأول الذي سلك درب الحدث حيث صارت الوجوه تخرج من عزلتها تباعا ومع مرور الوقت..

على الرغم من ان "ربع وقت" هي رواية سوزان خواتمي السورية الأولى، أشي بأنها ارتكبت هذه المغامرة بنية الواثق من أدواته والملم بمعمار الرواية الذي يختلف تماما عن صنوف الأدب الأخرى والتي تقوم على قواعد يتشكل منها بناء هرمي متماسك يتكئ على ثقل القاعدة، على عكس مبنى الرواية الذي يقوم أفقيا كالأشجار التي تتكئ باتزانها على تفرعات أغصانها، حيث تميل مع الريح من دون أن تسقط قبل وصول كلمة النهاية التي يعشقها القارئ والكاتب معا.

لدرايتي بأن ارتكاب إثم رواية ما هو إلا أمر شاق، لكون الرواية بالتوازي هي فعل حياة كامل، تتجلى فيها ما يتجلى بالحياة التي نعيشها، فرح وحزن، حياة وموت وغيرها من التفاصيل الأخرى، وهذا ما يلهب في رأسي السؤال، كيف لسوزان أن تضع كلمة النهاية في الصفحة الأخيرة وتغادر، بينما الشخوص التي ابتدعتها بقيت تقرع "خزان غسان كنفاني" على غير انتباه من أحد!

 

*رئيس تحرير فن ومدن/ كاتب سوري/ فيينا.

   


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة

تابعونا


جارٍ التحميل...