فن التصفيق المستدام: مهارات الحفاظ على راحة اليد دون التوقف عن التصفيق لساعات

د. تمام كيلاني
فن التصفيق المستدام: مهارات الحفاظ على راحة اليد دون التوقف عن التصفيق لساعات
د. تمام كيلاني*
يبدو أنّ شعوبنا العربية قد ابتُليت بفنّ غريب لم يدرّس في الجامعات، ولم يُسجّل في كتب التراث، لكنه صار علماً قائماً بذاته، يتقنه رجال السياسة والبرلمانات والمجالس، ويورّثونه جيلاً بعد جيل: إنّه فن التصفيق المستدام.
منذ ستينيات القرن الماضي، حين وقف الرئيس جمال عبد الناصر في مجلس الأمة بعد انفصال سوريا عن مصر، كان المشهد كاشفاً. في البداية أعلن بحزم أنه سيرسل البحرية والقوات العسكرية لتأديب “الانقلابيين” في دمشق، فتعالت موجة من التصفيق الحار. ثم لم يلبث أن تراجع وقال: “لا، لن أرسل القوات”، فما كان من الحضور إلا أن انقلب تصفيقهم معه، لا فرق إن قرر الحرب أو السلم؛ فالأيدي اعتادت أن تتحرك آلياً مع أي كلمة، لا مع أي موقف.
ومنذ ذلك اليوم، صار التصفيق في بلادنا مقياس الولاء لا مقياس القناعة. في سوريا، على وجه الخصوص، أخذت هذه “الرياضة السياسية” أبعاداً أعمق. فمنذ انقلاب البعث عام 1963 وحتى استقرار حكم الأسد الأب، أصبح التصفيق هو الصوت الوحيد المسموح به في مواجهة خطاب الزعيم. وحين ارتكب النظام مجزرة حماة عام 1982، التي ذهب ضحيتها أكثر من أربعين ألفاً، خرج حافظ الأسد إلى الساحة العامة ليخطب في عشرات الآلاف الذين جُمّعوا من أجهزة الأمن والجامعات والمعامل، معلناً “النصر على المجرمين”. ولم يكن أمام الحاضرين سوى أن يردّوا بالتصفيق، وكأن الدماء والدمار ليست سوى مناسبة للاحتفال.
ثم جاءت مرحلة الابن. وعندما انطلقت شرارة الثورة السورية في آذار 2011، انتظر السوريون أن يسمعوا كلمة صادقة تستجيب لمطالب الإصلاح. لكن حين اعتلى بشار الأسد منصة مجلس الشعب في نيسان، لم يكن خطابه سوى تكرار لنهج التخوين والوعيد. وبين كل جملة وأخرى، ارتفعت قاعة البرلمان بالتصفيق الميكانيكي. حتى أن أحد الأعضاء تملّق قائلاً: “أنت لست رئيساً لسوريا، بل يجب أن تكون رئيساً للعالم”، فدوّى التصفيق من جديد.
لقد علّمنا هذا التاريخ الطويل أن التصفيق في قاعات السلطان ليس سوى قناع يخفي الخوف، وأن الأيدي المرهقة من التصفيق لا تملك القدرة على البناء. وحين تنجح الثورات ويُسترد الوطن من براثن الاستبداد، يجب أن نتعلّم أنّ التصفيق لا يصنع مستقبلاً، بل يصنع أوهاماً. المستقبل تُشيّده العقول الحرّة، لا الأكف المصفّقة بلا نهاية.
فلنرفع شعاراً جديداً: لن يكون التصفيق صديقنا بعد اليوم. وليكن التصفيق فقط في ساحات الفن والرياضة والفرح، لا في ميادين السياسة حيث يُستخدم كسلاح لإدامة الاستبداد.
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بالنمسا/ فيينا.
كلمات البحث
إقرأ أيضًا
الثورة السورية.. انتصار الإنسان لا مكاسب الأشخاص
أزمة الدولة الوطنية في سورية بين الأكثريات والأقليات
“لينفق ذو سعة من سعته”.. مشروع حياة لإعادة إعمار سورية
التعليم أولوية سورية الجديدة… لا نهضة بلا تحرير العقول
سوريا الجديدة: لحظة الانتصار ومسؤولية البناء
الاكثر شهرة
أسئلة مباحة في زمن صعب!!
أسئلة مباحة في زمن صعب!! رامة ياسر حسين* هل حصلنا على الحرّيّة حقًّا أم زادت المسافات...
عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار
عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار ملاك صالح صالح* في الكثير من البيوت العربية،...
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...
الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!
الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!! ملاك صالح صالح* قبل أن تبدأ رحلتنا في بحر ال...