قراءة في نص" لم يكن يوما استثنائيا" للأديبة جميلة لوقاف ..!! الأديب والناقد الهادي نصيرة
قراءة في نص" لم يكن يوما استثنائيا" للأديبة جميلة لوقاف ..!!
الهادي نصيرة *
تقوم هذه القصة على حدث محوري يتمثل في انتظار سكان حي منكوب أمام نقطة طبية للحصول على الدواء، قبل أن يتعرض المكان لقصف مفاجئ يحوّل ساحة الانتظار إلى ساحة للموت. وقد جعلت الكاتبة من الرجل وابنه الشخصيتين المحوريتين، إلى جانب المرأة المشرفة على توزيع الأدوية، فيما ظهرت بقية الشخصيات من أهل الحي، رجالًا ونساءً وأطفالًا، أقرب إلى نماذج لضحايا الحرب الذين لا حول لهم ولا قوة.
ومنذ العنوان «لم يكن يومًا استثنائيًا» تضعنا الكاتبة أمام مفارقة دلالية لافتة؛ فهو يوحي بيوم عادي مألوف، بينما تكشف أحداث القصة عن يوم استثنائي في فداحته. غير أن المفارقة سرعان ما تنقلب إلى دلالة أعمق: فالموت والدمار، على الرغم من بشاعتهما، أصبحا أمرًا اعتياديًا ومتكررًا في حياة هؤلاء الناس، حتى غدا اليوم المأساوي «يومًا غير استثنائي». وهكذا يختصر العنوان منذ البداية الرؤية التي ستكشف عنها القصة لاحقًا، ويهيئ القارئ لمأساة أصبح الاعتياد عليها جزءًا من الحياة اليومية.
ومن هذا الحدث ومن هذه المفارقة تتشكل الثيمة الأساسية للقصة، وهي الحرب وآثارها المدمرة في المدنيين، وتحول الموت إلى واقع يومي. وقد اعتمدت الكاتبة في بنائها على سرد خطي متدرج، يبدأ من فضاء يبدو في ظاهره ملاذًا للحياة؛ فعلى مقربة من مدرسة ابتدائية مهجورة، نرى خيمة بيضاء سميت «النقطة الطبية»، يصطف أمامها رجال ونساء وأطفال يرزحون تحت وطأة الفاقة والتعب والمرض: «رجال أنهكهم السهد... نساء عائدات من ليل لم يعرف النوم... أطفال بعظام بارزة كأنهم تماثيل من العاج المنخور... الدواء حظ... الجوع قيد... المرض ينخر أجسادًا لم يبق منها إلا العظم».
ويظل هذا الانتظار متصاعدًا إلى أن تبلغ القصة ذروتها في المشهد الختامي، حين «انفجر كل شيء، وتصدعت الأرض، وامتلأ الهواء بغيوم سوداء»، فيتحول المشهد فجأة إلى لوحة مأساوية قاتمة. وهنا يتحقق التحول الجوهري في مسار القصة: من انتظار العلاج والحياة إلى مواجهة الموت، ومن «النقطة الطبية» بوصفها أملًا في النجاة إلى فضاء للمجزرة، ومن الطابور إلى «ساحة للوداع». وقد أسهمت المشهدية والتصوير الحسي في جعل لحظة القصف أكثر حضورًا وتأثيرًا، بينما جاء التكثيف والوصف لخدمة الإيقاع المتوتر، وأسهم الحوار القصير في تحريك الحدث دون أن يثقل المشهد.
ويعزز هذا البناءَ راوٍ بضمير الغائب، ذو منظور خارجي واسع، يتابع حركة أفراد الجماعة ويرصد أحوالهم وردود أفعالهم، وهو ما يتلاءم مع طبيعة القصة التي لا تركز على مأساة فرد واحد بقدر ما تجعل من الجماعة كلها صورة للمدنيين الذين تطحنهم الحرب.
ولا ينفصل هذا البناء عن الفضاء الذي تتحرك فيه الشخصيات؛ فالمكان يؤدي وظيفة دلالية تتجاوز مجرد الاحتضان الجغرافي للحدث. فالمدرسة تحيل إلى ذاكرة الطفولة والحياة، والخيمة إلى أمل العلاج والنجاة، غير أن كليهما يفقد دلالته الأولى ويتحول في النهاية إلى فضاء للخراب والموت. ويأتي الزمن، الممتد من الصباح إلى المساء، ليعمق بدوره معنى الانتظار والترقب، قبل أن ينقطع هذا الزمن الهادئ نسبيًا بكارثة الانفجار.
وانسجامًا مع هذه الرؤية، جاءت اللغة شعرية مكثفة وتصويرية، مشحونة بالاستعارة والتشبيه، يغلب عليها التوتر والحزن، ويبرز فيها التصوير الحسي الذي يمنح مشاهد الفاقة والقصف والموت قوةً بصرية وانفعالية. وهكذا لا تبدو اللغة مجرد وسيلة لحكاية المأساة، بل تصبح جزءًا من بنائها وتأثيرها.
وخلاصة القول، قدمت لنا الكاتبة قصة مؤثرة كشفت من خلالها عن رؤية واضحة في إدانة الحرب، تلك الحرب التي لا تكتفي بسلب الإنسان حياته، وإنما تسلبه أبسط حقوقه: الخبز والدواء والأمان، بل وتسلبه حتى حقه في انتظار الحياة. وهي بذلك تنجح في تحويل مشهد الانتظار البسيط إلى صورة مكثفة لمأساة الإنسان المدني في زمن الحرب.
منجز إبداعي جيد، وجهد جدير بالتنويه. تحياتي الفائقة أديبتنا المبدعة، وتمنياتي لك بمزيد من النجاح والتميز.
لم يكن يوما استثنائيا
على مقربة من مدرسة ابتدائية مهجورة لم يبق منها سوى صدى أقلام تثقب ذاكرة الجدران، نصبت خيمة بيضاء سميت بالنقطة الطبية، كانت بالنسبة لأهل الحي أملا مؤجلا، يصطف أمامها كل فجر رجال أنهكهم السهد، نساء عائدات من ليل لم يعرف النوم، وأطفال بعظام بارزة كأنهم تماثيل من العاج المنخور. لا أحد يصرخ، أو يتذمّر، فالشكوى رفاه لم يعد في متناول أفواههم.
لا شيء يأتي في وقته... الدواء حظ، الجوع قيد، كل شيء يتسلل كظل هارب، حتى الخبز، المرض ينخر أجسادا منحوتة لم يبقى منها إلا العظم، والرصاص محام لا يهزم.
تقدّم رجل بخطوات واهنة، يسند كتف ابنه المحموم. همس للمرأة الجالسة قرب صينية قوارير:
-الولد سخن.
لم ترفع رأسها. كانت تحصي ما تبقى من الدواء، كأن الأرقام تعنيها أكثر من الأنين. نظرت إليه ببرود، أومأت برأسها:
- انتظر مثل البقية.
لم يعترض، وجلس أرضا، اتكأ على الجدار المتآكل وأسند ابنه إلى حجره، وقال بنبرة دافئة ممزوجة بالوجع: - تحمل يا بني.
حدّق في السماء... طائرة تدور... لا جديد، هي منذ أسبوع تحوم كلّ صباح. مرّ أحدهم قائلا:
- ليست للقتال، هي للمراقبة فقط.
وآخر قال بثقة: - يطاردون خلايا نائمة.
لكن الحقيقة أن لا خلايا هنا، كل شيء مستيقظ على الألم والجوع.
انتصفت الشمس في كبد السماء، وتمدد الطابور كأفعى متعبة حتى طال باب الزقاق. لا شيء يبعث على التفاؤل، كل شيء بدا منكسرا مذلولا، فتاة صغيرة فقدت وعيها. عجوز تهشمت ركبتاه من كثرة الانتظار. والناس كأنهم شظايا من وطن مسحوق، يتزاحمون على بصيص رمق يحتضر.
ثمة صوت غريب يقترب شيئا فشيئا، يشبه الهدير العميق ما قبل الزلزال. كأنه همهمة سريعة في الهواء... انفجر كل شيء، تصدعت الأرض. أظلمت السماء فجأة. والهواء امتلأ بغيوم سوداء خانقة، رائحة لحم مشوي لا تبعث على الجوع.
ثوان معدودة، تحولت فيها ساحة الانتظار إلى ساحة الوداع.
طفل يركض حافيا بلا ذراع، يصرخ:
- أين أمّي؟
وأم تجثو على ركبتيها، تمسح بيديها المضرّجتين ما تبقى من أصابع طفلها صغيرة... ورجل يزحف على الأرض، باحثا عن نظارته، ليتحسس ملامحه المفقودة.
الخيمة تناثرت كما تتناثر الآمال الزائفة.
في المساء، لمحوا طفلا يخط بدمه على جدار المدرسة المهدم: هنا كنا ننتظر الحياة... فجاءنا الموت على عجالة.
جميلة لوقاف/الجزائر
* ناقد وأديب تونسي.
إقرأ أيضًا
قراءة لحكاية.. من حيث توقفنا للكاتبة الأستاذة عاتكة الياسري!
نحن أبناء الصورة التي صنعها الآخرون..!! حسين مطر
عبد الرحمن بوطيب: الشعر لا يجوز أن يقدم المعنى جاهزا!
إبداع شعري جديد لرضوان فلاحة.. لا حاجة لياء النداء..!!سامر خالد منصور
قراءة لقصيدة "ضاعت بلادي "للدكتور مايكل حمدان ..!! طه عبد الرحمن
الفقر ليس عيبًا.. والشهادة ليست مقياسًا للأخلاق!
قراءة نقدية لقصة" عبور مرحلي" للكاتبة إيناس سيد جعيتم..!! جدوى عبود
الاكثر شهرة
هل نحن جميعا عالقون في البرزخ!! د قاسم عبد العزيز الدوسري
هل نحن جميعا عالقون في البرزخ!! قراءة د. قاسم عبد العزيز الدوسري لنص " داخل البرزخ " للكاتبة روعة س...
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا فن ومدن* دعا اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بال...
دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!! د. تمام كيلاني
دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!! د. تمام كيلاني* حوار في الحرية... وشها...