حين يموت مجرم الحرب وتبقى أفكاره حيّة..!! د. تمام كيلاني

د.تمام كيلاني

حين يموت مجرم الحرب وتبقى أفكاره حيّة..!!

 

د. تمام كيلاني*

لم تكن جنازة راتكو ملاديتش في بلغراد مجرد مراسم لدفن رجل مات في السجن وهو يقضي حكمًا بالمؤبد، بعد إدانته بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.

كانت صورة تستحق التوقف أمامها.

رجل ارتبط اسمه بحصار سراييفو ومجزرة سربرنيتسا، وأدانته محكمة دولية بعد سنوات من الأدلة والشهادات، يُشيَّع بالآلاف وسط الأعلام والهتافات والتحيات العسكرية، وكأن التاريخ منحه حياة ثانية بعد موته.

وهنا تكمن الخطورة:

المجرم لا ينتصر فقط عندما يفلت من العقاب؛ قد ينتصر أيضًا عندما تتحول جرائمه إلى بطولة في ذاكرة البعض.

وهذا ليس درسًا للبوسنة وحدها، بل لكل مجتمع عاش الحرب والاستبداد، ومنها سورية.

فالطغاة لا يعودون دائمًا بالدبابات. أحيانًا يعودون عبر الذاكرة.

تبدأ الحكاية بعبارة:
“صحيح كان ظالمًا، لكن كان هناك أمن.”

ثم:
“كانت هناك سجون، لكن الدولة كانت قوية.”

ثم:
“كانت الحياة أفضل.”

وبالتدريج تختفي صور الضحايا، وتصبح الجرائم مجرد تفاصيل في الماضي، بينما يتحول المستبد إلى “رجل كانت له أخطاء”.

سورية أمام الامتحان

ولهذا يجب ألا نختصر حكم بشار الأسد في الفساد وسوء الإدارة.

لقد كان نظامًا أمنيًا قائمًا على الخوف والقمع وإخضاع المجتمع، حيث تحولت الأجهزة الأمنية إلى سلطة فوق القانون، وأصبح الاعتقال والتعذيب والقتل خارج القانون جزءًا من واقع عاشه السوريون لعقود.

سقوط الأسد لا يكفي إذا بقيت عقلية الأسد.

الدولة الجديدة يجب أن تكون دولة قانون ومؤسسات ومواطنة، لا دولة طائفة أو حزب أو أجهزة أمنية.

ليس بجسد بشار الأسد، بل بجملة بسيطة:

“والله كانت أيامه أحسن.”

وهذه الجملة أخطر مما تبدو.

خطر آخر يطرق أبواب أوروبا

في الوقت نفسه، لا يمكن للسوريين الذين يعيشون في أوروبا أن يتجاهلوا التحولات الخطيرة التي تشهدها القارة.

النتيجة التاريخية التي حققها حزب البديل من أجل ألمانيا AfD في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت، حيث تصدر النتائج بنسبة تقارب 44%، ليست مجرد حدث سياسي عابر، بل مؤشر على قوة اليمين المتطرف وتصاعد المخاوف المرتبطة بالهجرة والهوية والأمن.

وهنا يجب أن يكون موقفنا واضحًا:

نرفض اليمين المتطرف والعنصرية، كما نرفض التطرف الديني والقومي بكل أشكاله.

لا يمكن مواجهة التطرف بتطرف آخر، ولا العنصرية بعنصرية مضادة.

التطرف قد يتحدث باسم الدين، أو القومية، أو العرق، أو الهوية، لكنه في النهاية يقوم على الفكرة نفسها: أن الآخر أقل قيمة، وأن الاختلاف مبرر للكراهية أو الإقصاء.

رسالة إلى السوريين في أوروبا

السوري الذي بدأ حياة جديدة في أوروبا أمام مسؤولية كبيرة.

من حقه أن يحافظ على دينه وثقافته ولغته وهويته، ومن حقه أن يرفض العنصرية والتمييز.

لكن عليه في المقابل أن يحترم قوانين الدولة التي يعيش فيها، وأن يحترم المجتمع الذي أصبح جزءًا منه، وألا ينقل إليه صراعات سورية الطائفية والقومية.

احترام القانون ليس تخليًا عن الهوية، والاندماج ليس خيانة للأصل.

كما أن أوروبا مطالبة بألا تنظر إلى كل مهاجر باعتباره خطرًا أو إلى كل مسلم باعتباره متطرفًا.

المعادلة بسيطة:

قانون واحد للجميع، وحقوق واحدة، وواجبات واحدة.

لا يكفي أن يموت الطاغية

موت ملاديتش لا يمحو سربرنيتسا.

وسقوط الأسد لا يمحو سجون سورية ولا المقابر الجماعية ولا آلام الضحايا.

العدالة تعني أن تُحفظ الذاكرة، وأن تُعرف الحقيقة، وأن يحاسب المسؤولون، وأن تتعلم الأجيال القادمة ماذا حدث.

المعركة الحقيقية ليست فقط إسقاط الطغاة، بل إسقاط الأفكار التي صنعت منهم أبطالًا.

لا نريد سورية يحكمها الخوف مرة أخرى.

ولا نريد أوروبا تحكمها الكراهية.

ولا نريد عالمًا يصبح فيه الإنسان أقل قيمة من دينه أو طائفته أو قوميته.

فالطغاة يموتون، والحروب تنتهي…

لكن الأفكار التي صنعتهم يمكن أن تبقى، ما لم نحاربها بالعدالة والقانون والذاكرة ودولة تحترم الإنسان.

*رئيس الجمعية  الطبية الأوربية العربية/ فيينا.


تعليق

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

من العاصي إلى الدانوب..أربعون عاماً من الطب والغربة والوفاء… ومن الغربة إلى الوطن..!! د تمام كيلاني

من العاصي إلى الدانوب..أربعون عاماً من الطب والغربة والوفاء… ومن الغربة إلى الوطن..!! د تمام كيلاني
بوابة دمشق

استغنِ… كي تبرد نار النفس..!! د. تمام كيلاني

استغنِ… كي تبرد نار النفس..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

حين يتكلم الأزهر.. حوار مع الشيخ الأزهري أحمد إسماعيل!

حين يتكلم الأزهر.. حوار مع الشيخ الأزهري أحمد إسماعيل!
بوابة دمشق

من أبواق الأسد إلى أبطال الثورة: لا تعيدوا كتابة تاريخ سوريا..!! د. تمام كيلاني

من أبواق الأسد إلى أبطال الثورة: لا تعيدوا كتابة تاريخ سوريا..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

حمص… مدينةٌ لم يعبرها التاريخ، بل عبر التاريخ فيها..!! د. تمام كيلاني

حمص… مدينةٌ لم يعبرها التاريخ، بل عبر التاريخ فيها..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

و"يبتسم المخيم".. في وجه القهر والحزن والحرمان!

و"يبتسم المخيم".. في وجه القهر والحزن والحرمان!
بوابة دمشق

حين نموت… هل يموت أثرنا؟ د. تمام كيلاني

حين نموت… هل يموت أثرنا؟ د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!

  الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!   عبدالكريم العفيدلي* تقدّم تجربة الفنانة التشكيلية في...

مدينتي

مدينتي روعة سنوبر*   مدينتي .. لم تكن يوماً لتشبه  مدن الأرض في السماء شُيّدَتْ معابدها.. لكن...

شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني

      شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟   د. تمام كيلاني*   حين تخرج من بيتك في سوريا اليوم...

د. كيلاني: يتبرع بأجهزة عينية حديثة لدعم مشفى حلب الجامعي!! روعة سنوبر

د. كيلاني: يتبرع بأجهزة عينية حديثة لدعم مشفى حلب الجامعي!!   روعة سنوبر* من خلال تتبعنا لزيارة ا...

تابعونا


جارٍ التحميل...