من العاصي إلى الدانوب..أربعون عاماً من الطب والغربة والوفاء… ومن الغربة إلى الوطن..!! د تمام كيلاني
من العاصي إلى الدانوب..أربعون عاماً من الطب والغربة والوفاء… ومن الغربة إلى الوطن..!!
د تمام كيلاني*
هناك أماكن لا يغادرها الإنسان، حتى وإن غادرها جسداً.
تبقى في الذاكرة، في شارع مشى فيه طفلاً، ومدرسة دخلها للمرة الأولى، ووجه صديق، وبيت قديم، ونهر كان يجري أمام عينيه دون أن يدرك أن صورته سترافقه طوال العمر.
بالنسبة لي، كان ذلك المكان حماة، وكان ذلك النهر العاصي.
هناك بدأت الحكاية.
في حي الكيلانية ترعرعت، ومشيت خطواتي الأولى في الحياة، وتعلمت أول الحروف في مدرسة الشهيد علاء الدين الكيلاني، ثم تابعت دراستي في مدرسة أبي الفداء، قبل أن أنتقل في المرحلة الثانوية إلى ثانوية عثمان الحوراني.
كانت حماة بالنسبة لي أكثر من مدينة. كانت طفولة وذاكرة وأصدقاء وأحلاماً صغيرة كبرت معي.
ولم أكن أعرف يومها أن الإنسان يستطيع أن يحمل مدينة كاملة في قلبه، وأن تفاصيل الطفولة التي تبدو عادية في وقتها قد تصبح بعد عقود أغلى ما يملك.
من حماة إلى الطب
بعد حصولي على الشهادة الثانوية العامة، اخترت دراسة الطب.
كانت سنوات الجامعة بداية رحلة جديدة؛ رحلة تعلمت فيها أن الطبيب لا يتعامل مع المرض وحده، وإنما مع الإنسان الذي يقف خلف المرض، ومع ألمه وخوفه وأمله.
بعد التخرج، التحقت بقسم العيون في مشفى حلب الجامعي، وهناك بدأت خطواتي الأولى في الاختصاص والممارسة الطبية، بين المرضى والأساتذة والزملاء، وفي ساعات العمل التي صنعت مني طبيباً أكثر مما صنعت الكتب وحدها.
لكن حلب كانت أيضاً المحطة التي سبقت الرحيل.
الثاني من شباط 1982… آخر نظرة إلى حماة
في الثاني من شباط عام 1982، وفي طريقي من حلب إلى دمشق، توقفت في حماة.
رأيت حماة، وحي الكيلانية، والأماكن التي صنعت طفولتي. كانت نظرة وداع لم أكن أعرف أنها ستكون طويلة إلى هذا الحد.
غادرت سوريا، ولم أكن أعلم أن المدينة التي رأيتها في ذلك اليوم ستتغير ملامحها، وأن أجزاء واسعة منها، ومنها حي الكيلانية، ستتعرض للدمار والقمع على يد نظام الأسد.
لذلك بقيت صورة حماة التي رأيتها في ذلك اليوم محفوظة في ذاكرتي.
ثم تابعت طريقي إلى دمشق، ومنها إلى خارج الوطن.
من العاصي إلى الدانوب
في عام 1982 وصلت إلى فيينا.
وهكذا انتقلت حياتي من ضفاف العاصي إلى ضفاف الدانوب.
كان كل شيء مختلفاً: اللغة، والثقافة، والمناخ، وطريقة الحياة. لكنني أدركت مع الوقت أن الإنسان يستطيع أن يتعلم لغة جديدة، وأن يعيش في مجتمع جديد، لكنه لا يستطيع أن يغيّر جذوره.
حملت حماة معي إلى فيينا.
وحملت سوريا معي.
تابعت اختصاصي في مشفى جامعة فيينا، ثم بدأت منذ عام 1989 العمل في العيادة، لتبدأ رحلة مهنية طويلة في طب العيون امتدت لأكثر من أربعة عقود.
خلال هذه السنوات التقيت بعشرات الآلاف من المرضى، وبأجيال من الأطباء والزملاء، وشاركت في المؤتمرات والفعاليات الطبية، وتعلمت من الطب ومن الحياة ما لا يمكن أن تمنحه الكتب وحدها.
ومع مرور الوقت، لم يعد الطب بالنسبة لي مجرد مهنة.
اتسعت دائرة العمل لتشمل التواصل بين الأطباء، والمشاركة في المبادرات الإنسانية والإغاثية، ودعم المرضى والمحتاجين، والمساهمة في مساعدة الأطباء والكوادر الطبية السورية، إلى جانب كل من آمن بأن العلم والعمل يمكن أن يكونا وسيلة لخدمة الإنسان.
الغربة… والوطن الذي بقي في القلب
الغربة ليست مجرد العيش بعيداً عن الوطن.
إنها أن تمر السنوات، وأن تتغير الوجوه والأماكن، بينما تبقى في داخلك صورة المكان الذي بدأت منه.
لكن الغربة كانت أيضاً مدرسة. علمتني الاعتماد على النفس، والصبر، وقيمة العلم والعمل، وأكدت لي أن الإنسان يستطيع أن يعيش بعيداً عن وطنه دون أن يكون بعيداً عنه.
ومع السنوات، أصبح لدي شعور بأن ما تعلمناه في الغربة، وما بنيناه من خبرة وعلاقات وإمكانات، يجب أن يأتي يوم نضعه فيه في خدمة الوطن.
من الغربة إلى الوطن
بعد سنوات طويلة من القهر والخوف والتهجير، جاءت لحظة أصبح فيها السوري قادراً على أن يعود إلى وطنه بحرية.
بالنسبة لي، لم تكن العودة مجرد رحلة من فيينا إلى سوريا.
كانت عودة إلى جزء من العمر.
غادرت سوريا شاباً، وعدت إليها بعد عقود وقد تغيرت ملامحي وتراكمت سنوات العمر والخبرة، لكن شيئاً واحداً لم يتغير:
ذلك الطفل الذي غادر حماة ظل يسكن داخلي.
والأجمل أنني استطعت أن أعود إلى بلدي، وأن أتنفس فيه هواء الحرية، وأن أمشي على أرض الوطن دون خوف.
في الرحلة الأولى كنت أغادر.
وفي الثانية كنت أعود.
في الأولى كان الوطن خلفي، وفي الثانية كان الوطن أمامي.
حين تصبح الخبرة أمانة
بعد العودة، أصبح السؤال أكثر وضوحاً:
ماذا نستطيع أن نقدم لسوريا؟
لم يعد يكفيني أن أحب الوطن من بعيد. فإذا كانت الغربة قد منحتني العلم والخبرة والعلاقات، فقد أصبح من واجبي أن أضع شيئاً منها في خدمة بلدي.
ومن هنا جاءت مرحلة جديدة من العمل في سوريا، والمساهمة في دعم القطاع الصحي، وترميم المراكز الصحية، وتقديم التجهيزات الطبية، والمشاركة في المؤتمرات والفعاليات الطبية، ودعم المبادرات الإنسانية والإغاثية والتعليمية.
ولم تكن هذه الأعمال ثمرة جهد فرد واحد، بل نتيجة تعاون أطباء ومتطوعين ومتبرعين وأصدقاء، جمعهم إيمان واحد بأن سوريا تستحق أن تُبنى من جديد، وأن الإنسان السوري يستحق أن يعيش بكرامة وأمان وحرية.
لماذا أكتب؟
أكتب لأنني أخشى على الذاكرة من النسيان.
أكتب عن حماة التي كانت، وعن حي الكيلانية، وعن العاصي، وعن المدارس والأصدقاء، وعن الطب وحلب، وعن يوم الرحيل، وعن فيينا، وعن أكثر من أربعين عاماً في طب العيون، وعن العمل الإنساني والإغاثي، وعن العودة إلى الوطن.
وأكتب عن الغربة، لا باعتبارها سنوات ضائعة، بل باعتبارها مدرسة صنعت الكثير من الخبرة والعلاقات والتجارب.
وأكتب لأن الوطن الذي غادرته بجسدي لم يغادرني يوماً.
هذه الصفحات ليست بحثاً عن مجد شخصي، فكل خطوة في هذه الرحلة كانت وراءها أيادٍ وقلوب وأشخاص يستحقون الذكر والامتنان.
لذلك فإن هذا الكتاب ليس كتاب «أنا» بقدر ما هو كتاب «نحن».
نحن الذين حملنا الوطن معنا.
نحن الذين عشنا الغربة ولم ننسَ من أين جئنا.
ونحن الذين أردنا، بعد كل هذه السنوات، أن نعيد شيئاً من الجميل إلى بلد أعطانا الكثير.
من العاصي إلى الدانوب… ومن الدانوب إلى الوطن
حين أنظر اليوم إلى هذه الرحلة، أجد أن حياتي يمكن اختصارها بين نهرين:
العاصي… حيث بدأت الحكاية.
هناك كانت الطفولة، وحي الكيلانية، والمدرسة، والأصدقاء، والأحلام الأولى.
والدانوب… حيث امتدت الحكاية.
هناك كانت الغربة، والاختصاص، والعيادة، والطب، والمؤتمرات، والصداقات، وسنوات العمر.
لكن الدانوب لم يكن نهاية الطريق.
عاد الطريق إلى سوريا.
إلى الوطن.
إلى المكان الذي بدأت منه الحكاية.
بين العاصي والدانوب قطعت آلاف الكيلومترات، لكنني في الحقيقة لم أكن أقطع المسافة بين نهرين فقط، بل كنت أقطع المسافة بين مراحل العمر: بين الطفولة والنضج، وبين الوطن والغربة، وبين الحلم والمسؤولية، وبين الرحيل والعودة.
ولعل أجمل ما في هذه الرحلة أنني اكتشفت في نهايتها أن الوطن لم يكن في المكان الذي تركته فقط، وإنما كان في القلب طوال الوقت.
من العاصي إلى الدانوب…
رحلة أكثر من أربعين عاماً من الطب والغربة والوفاء.
رحلة بدأت من حماة، ومرت بحلب، وعبرت إلى فيينا، ثم عادت من جديد إلى سوريا.
رحلة لم يكن الطب فيها مجرد مهنة، ولا الغربة مجرد ابتعاد، ولا العودة مجرد سفر.
كانت رحلة عمر.
رحلة إنسان حاول أن يتعلم، وأن يعمل، وأن يعطي، وأن يبقى وفياً للمكان الذي بدأ منه.
وإذا كان لي أن أختصر كل هذه السنوات في جملة واحدة، فسأقول:
غادرت الوطن بجسدي، لكنني حملته معي في قلبي، وحين عدت إليه حراً، شعرت أنني لم أعد إلى مكان فقط… بل عدت إلى جزء من نفسي.
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
إقرأ أيضًا
استغنِ… كي تبرد نار النفس..!! د. تمام كيلاني
حين يتكلم الأزهر.. حوار مع الشيخ الأزهري أحمد إسماعيل!
من أبواق الأسد إلى أبطال الثورة: لا تعيدوا كتابة تاريخ سوريا..!! د. تمام كيلاني
حمص… مدينةٌ لم يعبرها التاريخ، بل عبر التاريخ فيها..!! د. تمام كيلاني
و"يبتسم المخيم".. في وجه القهر والحزن والحرمان!
الغوطة… جريمة لا يجوز أن تموت مع الضحايا..!! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء..
سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء.. _نحن نعمل بالممكنات.. _العالم منفتح تجاه سورية.. _ا...
أحمد قعبور.. وداعا!!
أحمد قعبور.. وداعا!! عمر سعيد* يومٌ ثقيلٌ آخر مملوء بالحزن والصمت ، تضيع فيه الأماني بين...
مشاهير الاكراد في تركيا
مشاهير الاكراد في تركيا نبذة عن اجداد الامير محمود قبلان بن شيخ بوزان بن شيخ حسن(شيخ مشايخ الش...
كان صديقي!! مها شقرة
كان صديقي!! مها شقرة* كانَ صديقي.. واليومَ كلُّ أحبتي.. وَ نَهلتُ منهُ الحبَّ.. في جوق...