قراءة نقدية لمجموعة «كنتُ هناك...» القصصية لروعة سنوبر..!! هادي نصيرة
قراءة نقدية لمجموعة «كنتُ هناك...» القصصية لروعة سنوبر..!!
هادي نصيرة*
رحلة في عوالم الفقد والتيه والبحث عن الخلاص
تأتي مجموعة «كنتُ هناك...» للكاتبة روعة سنوبر في تسع عشرة قصة، تتفاوت في حكاياتها وطرائق بنائها، لكنها تلتقي في استدعاء الإنسان في لحظات ضعفه وانكساره، حين يجد نفسه في مواجهة الموت أو الفقد تارة، أو الوحدة أو الاغتراب تارة أخرى. ومنذ العنوان نشعر أننا أمام ذاكرة تستعيد أماكن وتجارب وأرواحًا مضت، لكن آثارها ما تزال عالقة في الذات.
«كنتُ هناك...» عالم تتداخل فيه الحقيقة بالخيال، والواقع بالحلم، والمادي بالرمزي.
ففي «آلهة» يتحول الإنسان الذي يبحث عن خلاصه إلى صانع لآلهته الخاصة، لكنه لا يلبث أن يحطم ما صنعه بيديه، قبل أن يتحول ذلك الحطام إلى كابوس دائم يطارده: «جعل منها آلهةً من طين... صارت له كابوساً، يرى نفسه كلّ ليلة غارقاً في الوحل.»
وفي «الغابة» تنتقل الكاتبة إلى عالم الحيوان لتقرأ من خلاله عالم الإنسان. فالغابة ليست مكانًا طبيعيًا فحسب، وإنما بدت فضاءً رمزيًا لمجتمع تحكمه علاقات القوة والنفاق، وتصبح الحيوانات أقنعة لشخصيات بشرية وسلوكيات اجتماعية تكشف زيف الحكمة والمواعظ الأخلاقية.
أما في «نقّار الخشب» فنجد كيف أن نقّار الخشب يبقى أسيرًا لحب الفراشة بعد أن حال المجتمع دون زواجهما. ذلك المجتمع الذي تحكمه التصنيفات والفوارق، ويظل فيه الحب هشًا أمام سلطة الواقع.
ومن عالم الحب والغياب نصل إلى «الشبح»، وهي من أكثر قصص المجموعة إثارة للأسئلة، حيث تبدأ الحكاية بموت الأم، ثم تختفي الجثة ويظهر الشبح الذي يطارد البطلة، لكن السرد ينقلنا بعد ذلك إلى المرآة، حيث لا تعود المسألة مسألة شبح خارجي بقدر ما تصبح مواجهة مع الخوف الداخلي وذاكرة الفقد. وفي خلفية هذا الخوف، تحضر الأم والجدة، وتتحول المرآة إلى أداة لمواجهة الذات. غير أن الانتقال من الحدث إلى الرمز يظل شديد الغموض، بحيث يحتاج القارئ إلى إعادة تركيب المسار حتى يمسك بالخيط الدلالي.
وفي «الكرة الزجاجية» تضيق المسافة بين المأساة الإنسانية والرمز، حيث يلجأ الطفل الذي فقد إحدى عينيه إلى الطبيب، طالبًا إعادة عينه الزجاجية، فإذا بالطبيب - الذي كان يرى الطفل متسولًا - يكتشف إنسانيته، وتتحول العين التي لا ترى إلى رمز للرؤية الإنسانية. قصة نجحت فيها الكاتبة في جعل التفصيل المادي الصغير حاملًا لدلالة إنسانية أوسع.
وتزداد وطأة الغياب في «الأسرّة البيضاء»، حيث يحضر المستشفى والأسِرّة البيضاء وصور الوالدين والطفلة في بناء سردي تتداخل فيه الذكرى والحاضر. ويواصل اللون هنا أداءه الرمزي الذي يتجاوز الوصف؛ فالأبيض، بما يحمله من إيحاء بالبراءة والنقاء، يقترن ببرودة المستشفى والموت، ليصبح لونًا للفقد بقدر ما هو لون للنقاء. وفي النهاية تتكشف حقيقة الفقد خلف المشاهد والصور التي نسجها الخيال: «الغرف خالية إلا من الأسرّة البيضاء... تتطاير الستائر الزرقاء.»
أما «انتظار» فتأخذنا إلى عالم الحرب والأنقاض. الطفل والكلب وسط الخراب يقدمان صورة شديدة القسوة عن عالم انهار، لكن الكلب يظل علامة على الوفاء والحماية في عالم فقد كثيرًا من إنسانيته. ومن بين الأنقاض يصبح الانتظار بحثًا عن الحياة أكثر منه انتظارًا لشخص بعينه: «أخيراً تكشّف الجسد الصغير تحت التراب، كان قلبه ما يزال ينبض.»
وفي «المشهد الأخير» تبلغ القسوة الاجتماعية ذروتها حين تضطر أمٌّ فقيرة إلى نبش حاوية القمامة بحثًا عن بقايا طعام تسدّ بها جوع ابنها، فتتحول الحاوية إلى رمز للفقر والإذلال، بينما يصبح الكيس الذي تعثر عليه معادلًا للحياة ذاتها. لكن المأساة لا تنتهي عند هذا الحد؛ إذ تلتقط الكاميرا المشهد، فيتحول وجع المرأة وكرامتها المنتهكة إلى صورة تتصدر صفحات التواصل الاجتماعي والصحف والأخبار: «امرأة تبحث عن بقايا الطعام داخل حاوية القمامة». مشهد يعكس ما آلت إليه إنسانية المهمَّش حين تصبح معاناته مادة للفرجة والمتاجرة الإعلامية.
وفي «عناق» يعود الرجل إلى حبٍّ غاب، فيستحضر محبوبته في لحظة عناق متخيَّلة تختلط فيها الذكرى بالحلم. غير أن هذا اللقاء لا يمثل استعادة للحب فحسب، بل مواجهة موجعة مع الفقد والذنب؛ فالرجل يستعيد ما كان بينهما، ويواجه في الوقت نفسه ثقل ما مضى وما لم يعد قادرًا على إصلاحه. ويغدو الطيف صورةً للمحبوبة الغائبة، لكنه في العمق لم يكن سوى صورةٍ لما بقي حيًّا في داخله من حب وندم، فيتحول العناق إلى محاولة متأخرة لمصالحة الذات مع فقدها وذنبها: «ثم تباعد الجسدان، أفلت يدها وصم أذنيه بكلتا يديه، محاولًا أن يبعث بصرخاته إلى السماء، لكن تلك الصرخات خذلته للمرة الألف وشقّت طريقها داخل جوفه.»
ثم تأتي «آلة الزمن» لتضع الإنسان في مواجهة حلم قديم: التحكم في الزمن. لكن الزمن - كما توحي القصة - يظل أكبر من قدرة الإنسان على إخضاعه. فالآلة ليست في النهاية سوى صورة لرغبة الإنسان في استعادة ما مضى أو تغيير ما حدث، وهي رغبة تصطدم بسلطة الزمن التي لا تعود إلى الوراء.
وفي «جاك الفزّاعة» نغادر عالم الآلات والأحلام إلى صورة أخرى للإنسان المهمش. الفزّاعة المغروسة في الأرض ترى الطيور تحلق في السماء، لكنها عاجزة عن الحركة. فتغدو صورة مكثفة لإنسان يحلم بالحرية وهو مقيد بواقعه، ويصبح الخشب والأرض والطيور علامات على العجز والحلم والانعتاق المستحيل.
ويستمر حضور العالم الداخلي في «الهزيم»، في سرد كابوسي تصاعدي، حيث يقتحم صوت غريب وحدة الراوية في ليلة عاصفة، لتتصاعد المواجهة مع ذلك الصوت. ورغم طول الصراع، تنجح القصة في خلق جو من القلق والخوف، وصنع مفارقة تتلخص في أن الخوف الذي كانت البطلة تهرب منه يتحول إلى قوة تدفعها لمواجهة الموت بكل تحدٍّ: «أين أنت أيها الموت؟ تقدّم، وأوغل سكينًا في صدري!»
وفي «ليزا»، امرأة تتخيل انتحارها، ثم يتكشف تدريجيًا أن ما رأته يرتبط باضطرابها النفسي، قبل أن تواجه عالمها من جديد، لنقف في النهاية على أن ما يبدو قرارًا بالموت يتبين أنه صراع مع الذات والهلوسة: «لم أكن أنوي الانتحار، كنت أريد فقط أن أشعر بحريتي.»
أما «كنتُ هناك...» التي تحمل المجموعة اسمها، فتذهب أبعد في استثمار الموت بوصفه عتبة للتأمل في الوجود والمصير. القبر والظلام والنور واليد التي تحمل الذات إلى الأعلى تتحول إلى علامات على العبور والرحمة والخلاص. وهنا يبدو العنوان نفسه أكثر من مجرد اسم للقصة؛ إنه حضور الذات في مكان تجاوزته، لكنها ما تزال تتذكره: «كنت هنا حيث كانت عتمة قلبي وروحي.»
وفي «أعيديني» تتكثف العلاقة بين الأم والوطن. فالأم ليست أمًا فردية فحسب؛ إنها الأصل والحضن والوطن. ويتحول التراب إلى علامة على الموت والانتماء في آن، بينما يحمل الياسمين ذاكرة المكان والوطن. ومن هنا يصبح طلب «أعيديني» طلبًا للعودة إلى الأصل بقدر ما هو طلب للعودة إلى الأم.
ثم ندخل مع «متاهة» إلى فضاء التيه، حيث يتحول البحر والصحراء والسراب إلى علامات على ذات تبحث عن طريقها ولا تصل: «أنا يا بحر سفينة تطفو على الرمل في صحراء.»
وفي «أمشي في الشتات» يتخذ الاغتراب صورة أكثر مباشرة؛ فالشتات ليس جغرافيا فقط، بل حالة داخلية، والذاكرة محاولة للإمساك بما يتسرب من الذات: «أتراني أراني.. لكأنني وهم من عدم.»
أما «رحيل» فيبدو الرحيل فيها أقرب إلى الخلاص من ثقل الوجود، بينما يتحول في «ظل» إلى بقاء للذاكرة بعد احتراق التجربة. فالظل هو ما تبقى من الذات، والرماد هو ما تبقى من الأحلام، ولذلك يظل الماضي حاضرًا حتى بعد انطفاء أصحابه: «الوعود المشتهاة قد تناثرت كالزجاج المطحون.»
البناء الفني
فنيًا، تقوم المجموعة على التنوع في بناء الحكاية، مع اعتماد واضح على الحدث المحوري المكثف، والاسترجاع، والاستبطان، والمونولوج، والحلم والفانتازيا. وتتفاوت القصص في درجة تماسك متوالياتها السردية؛ فبعضها يحقق توازنًا جيدًا بين الحدث والدلالة، بينما يميل بعضها إلى الاسترسال أو الغموض، بما يؤثر أحيانًا في شرط التكثيف ووضوح المسار. وتتنوع النهايات بين الحسم والانفتاح والمفارقة، مع حضور لافت للنهاية التي تترك للقارئ مهمة استكمال الدلالة. وعلى الرغم من استقلال كل حكاية، تكشف خريطة المفاتيح السردية عن حركة تتكرر بأشكال مختلفة: فقدٌ أو صدمة، يعقبها تيه واستعادة للذاكرة، ثم مواجهة تنتهي - صراحة أو إيحاءً - بالبحث عن مخرج أو خلاص.
البناء الرمزي
ويشكل الرمز أحد أهم مقومات الوحدة الداخلية للمجموعة؛ فالأشياء والأمكنة والكائنات تتحول إلى علامات تتجاوز وجودها المادي: الشبح والظل والقبر والرماد تحيل إلى الموت والفقد، والصحراء والسراب والبحر والشتات إلى التيه والاغتراب، بينما ترمز الأم والتراب والياسمين إلى الأصل والوطن والانتماء، وتحيل المرآة إلى مواجهة الذات. وبذلك تتضافر الرموز المختلفة في بناء عالم دلالي واحد قوامه الفقد والاغتراب والبحث عن الذات والخلاص.
البناء اللغوي
أما اللغة فتميل إلى الشعرية والإيحاء وكثافة الصورة، وتستثمر التشخيص والاستعارة والرمز لإضفاء أبعاد نفسية ودلالية على الأشياء والمواقف. وتبدو الكاتبة أكثر نجاحًا حين تتضافر اللغة مع المشهد والرمز والحالة النفسية، وتمنح العبارة القصصية طاقتها الإيحائية دون أن تنفصل عن حركة الحدث. ويغلب السرد الذاتي والتبئير الداخلي في عدد من القصص.
«كنتُ هناك...» مجموعة تنحاز إلى الإنسان في ضعفه، وتسافر به بين الحلم والواقع، وبين الذاكرة والموت، وبين التيه والرغبة في الخلاص؛ لتبني من تنوع حكاياتها عالمًا رمزيًا واحدًا تتردد في أرجائه أسئلة الإنسان عن الفقد والمصير والمعنى.
ختامًا، يجدر التأكيد على أن القصة القصيرة هي فن التقاط اللحظة العابرة وتحويلها إلى مرآة تعكس عمق التجربة الإنسانية.
وهو ما حاولت الأديبة المبدعة الأستاذة روعة سنوبر تحقيقه في نصوصها القصصية، حين التقطت لحظات إنسانية مكثفة، وشحنتها بما يتجاوز ظاهر الحكاية إلى دلالات الفقد والاغتراب والبحث عن الذات والخلاص. وإني لأتوجه لها
بأصدق عبارات الشكر والامتنان لإهدائها إياي نسخة من مجموعتها القصصية التي تركت لدى انطباعا جيدا، مع خالص تمنياتي لها بدوام النجاح، ومزيد من الإبداع والتميز.
*ناقد وكاتب تونسي.
إقرأ أيضًا
قراءةٌ نقديّةٌ في قصةِ «المشهد الأخير» للكاتبةِ المبدعةِ " روعة سنوبر" بقلم ليلى صليبي ترتكزُ قصةُ «المشهد الأخير» على مفارقةٍ إنسانيةٍ موجعةٍ؛ فالمشهدُ الذي يبدو في ظاهرِه صورةً عابرةً لامرأةٍ تبحثُ في حاويةِ قمامةٍ، يتحوّلُ في عمقِه إلى مشهدٍ لانكشافِ مجتمعٍ كاملٍ أمامَ مرآةِ الفقرِ والجوعِ وا
قراءة لقصيدة "فراغ" للكاتبة روعة سنوبر ..!! طه عبد الرحمن
الاكثر شهرة
من ثورة الثامن من آذار إلى الحركة التصحيحية في سوريا
من ثورة الثامن من آذار إلى الحركة التصحيحية في سوريا سياقات التحول وصراع السلطة د. تمام كيلاني*...
ظل!! روعة سنوبر
ظل!! روعة سنوبر* حزينٌ هو، ولا يدري حجمَ بوحِه المسجونِ. أتراه مطرٌ أُغدقَ من عينين ش...
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!! فن ومدن* في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...
كان صديقي!! مها شقرة
كان صديقي!! مها شقرة* كانَ صديقي.. واليومَ كلُّ أحبتي.. وَ نَهلتُ منهُ الحبَّ.. في جوق...