قطار
قطار
ق.ق :لطيفة محمد حسيب القاضي
ظل ظهرها عاريًا من كل سند، وقارب على الانحناء لثقل الرحلة الطويلة. صدرها ضاق من كل شيء. عاشت حياة مليئة بالتحديات والآلام. منذ صغرها لم تعرف للراحة طريقًا. فكل يوم يأتي بها هو أصعب من اليوم السابق.
كانت دائمًا تخاف من المستقبل وقلقة. ولكن إحساسها يؤكد لها أن القادم سيكون أفضل. سلسلة من الحياة المحبطة والمؤلمة، وفي خضم الآلام والمعاناة، ظلت راسخة وقوية.
مع مرور الزمن، ورغم التحديات، شعرت بالإرهاق المتراكم، وأثقلت بعبء الرحلة الطويلة. إلى أن أمسك بيدها عندما تعثرت بشيء على الأرض وانطرحت على الرصيف. وقبل أن تستطيع النهوض، سمعت صوته يقول لها:
-أعطني ذراعك.
صمتت لحظة، ونظرت إليه بدهشة وخجل. أمسكت به وساعدها على الوقوف.
- هل أنت بخير؟
سألها بصوت مهتم. رأيت في عينيه نظرة عجيبة، تأملت به طويلاً.
- نعم، أنا بخير، لا تقلق.
ابتسمت بامتنان. شعرت بالدفء والأمان. فغر فاه، ولم ينبس بكلمة واحدة، لتطوي سنواتها العجاف. حينها فقط، أمطرت السماء وردًا وفلًا، أمطرت نرجس وقرنفل. تغيرت الحياة حين أمطرت.
لتنتهي كل لقطات الخذلان التي عاشتها. يتجه ناحيتها في اعتراف: إن كل روح وجدت شبيهتها في رحلة الحياة. هذا الذي سار بها إلى عالم الأحلام، بمحض الصدفة ليحقق أحلامها وأمنياتها، التي تعثرت في درب الحياة.
بقي هو معها دون تفسير أو تبرير، لتتوالى لحظات لم تعشها من قبل. هل كانت ثوانٍ معدودة عندما رفعها من الأرض، أم أنه زمن كافٍ لأن تشعر وهي في قبضته بالأمان؟
مضى عمرها وهي ترجوه. لقد تجرعت أوقاتًا كثيرة من الأسى أثناء رحلتها في الحياة، تجرعت مرارًا أحاسيس باطلة، حتى الآن أتقنت تمييز صدقه من باطله.
غمرتها نسمات لطيفة وهي معه، ملتصقة به، متوحدة معه. هو متواجد دومًا في محيطها. ليس مضطرًا لنثر الوعود حولها، أو أن يقسم لها بأنه سيبقى معها إلى الأبد. ليس مضطرًا ليسمعها أحاديث العشق والهوى. ليس مضطرًا لبسط شباكه حولها، ولم يطارد مشاعرها يومًا، بل هو متواجد باستمرار. ليحيا معها بكل حب. هو متواجد في حياتها بوضع الاستعداد لطمأنتها، صاحب الوجه الصغير المشرق، الذي غدا لوحة مزركشة بالأمل، الذي جعل حياتها مليئة بالفرحة الملتهبة.
نبضات قلبها اتصلت بنبضه، تتراقص وتدور فرحًا به، لتنسى لقطات الخذلان، ومحطات السقوط. وعند الوصول، أفلتت ساعدها ببطء وتراخٍ، بينما هو يسرع السير ويحثها على الإسراع حتى تتمكن من اللحاق بآخر قطار يخرج من المحطة. فتمضي تغالب ضعفها وتحاول.
إقرأ أيضًا
(قدري) قصيدة للدكتور الشاعر عبد الولي الشميري
سلام على سيدي المصطفى، قصيدة للدكتور عبد الولي الشميري
قصيدة يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري (عسل)
(العطرُ أنت)قصيدة للدكتور عبد الولي الشميري
قصيدة (بقايا جرح)للدكتور الشاعر عبد الولي الشميري
لعَينيها.. قصيدة يكتبها الدكتور عبد الولي الشميري
الاكثر شهرة
عودة!! نعمت الحاموش
عودة!! نعمت الحاموش* دائما تعود.. كشتاء عاصف تعود.. كقمر أيلول. عابسا تعود.. دائما تع...
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر* لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...
أيها القلبٌ!!
أيها القلبٌ!! محاسن الجندي* لاغصن إلاّ وهو ملتفٌّ بغصن لاعشبة في الأرض ماعاشت ليوم وحدها.....
سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء..
سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء.. _نحن نعمل بالممكنات.. _العالم منفتح تجاه سورية.. _ا...