مع اقتراب العام الدراسي: قصر النظر عند الأطفال مشكلة تستحق أن ننتبه إليها..!!د. تمام كيلاني

file_000000008e48820a9af7f94e7bf6e244.png

مع اقتراب العام الدراسي: قصر النظر عند الأطفال مشكلة تستحق أن ننتبه إليها..!!

 

د. تمام كيلاني*

 

مع اقتراب بداية العام الدراسي، يعود الأطفال إلى الكتب والدفاتر، ولكن أيضًا إلى اللابتوب والهواتف الذكية والأجهزة اللوحية. ومن هنا أجد أنه من المهم أن نتحدث عن مشكلة أصبحت من أكثر مشكلات العين انتشارًا بين الأطفال والشباب، وهي قصر النظر (Myopie – Kurzsichtigkeit).

 

إنها ليست مجرد الحاجة إلى ارتداء نظارة، بل مشكلة صحية بصرية قد تستمر وتتطور خلال سنوات الطفولة والمراهقة، وقد تؤدي الدرجات العالية منها في المستقبل إلى مضاعفات خطيرة في العين.

 

ما هو قصر النظر؟

 

قصر النظر هو اضطراب في انكسار الضوء داخل العين، يجعل الأشعة الضوئية تتركز أمام الشبكية بدلًا من أن تتركز عليها مباشرة.

 

لذلك يستطيع الطفل عادةً رؤية الأشياء القريبة بصورة جيدة، بينما تصبح الأشياء البعيدة غير واضحة .

 

ويحدث قصر النظر غالبًا نتيجة زيادة طول كرة العين من الأمام إلى الخلف، مع وجود عوامل وراثية وبيئية تلعب دورًا في ظهوره وتطوره.

 

لماذا نهتم بقصر النظر عند الأطفال؟

 

لأن قصر النظر غالبًا يبدأ في مرحلة الطفولة أو المراهقة، وقد يزداد تدريجيًا مع نمو العين.

 

وتشير التقديرات العالمية إلى أن نحو نصف سكان العالم قد يكونون مصابين بقصر النظر بحلول عام 2050. وهذا يجعل قصر النظر ليس مجرد مشكلة فردية، وإنما قضية مهمة من قضايا الصحة العامة.  

 

وقد نشرت منظمة الصحة العالمية تحذيرات من العلاقة بين زيادة الأنشطة القريبة وقلة الوقت الذي يقضيه الأطفال في الخارج وبين ازدياد انتشار قصر النظر.  

 

الهاتف واللابتوب… هل هما السبب؟

 

يجب أن نكون دقيقين هنا.

 

لا نستطيع القول إن الهاتف أو اللابتوب وحدهما يسببان قصر النظر. فهناك عوامل وراثية مهمة، ولكن الدراسات تشير إلى أن كثرة العمل القريب، وخصوصًا استخدام الأجهزة الرقمية لفترات طويلة، مع قلة الوقت في الهواء الطلق، ترتبط بزيادة خطر ظهور قصر النظر وتطوره عند الأطفال.  

 

المشكلة ليست في وجود الهاتف أو الكمبيوتر بحد ذاتهما، وإنما في طريقة استخدامهما ومدة الاستخدام، والمسافة القريبة جدًا، وعدم أخذ فترات راحة، وقلة الخروج إلى الضوء الطبيعي.

 

لذلك لا أعتقد أن الحل هو منع الطفل من استخدام التكنولوجيا، فهذا غير واقعي في عصرنا. المطلوب هو تعليم الطفل الاستخدام الصحيح والمتوازن.

 

ما الأعراض التي يجب أن ينتبه إليها الأهل؟

 

هناك علامات بسيطة قد تكون أول إنذار لقصر النظر، منها:

 عدم القدرة على رؤية الكتابة على السبورة بوضوح.

 تضييق العينين عند النظر إلى الأشياء البعيدة.

 الجلوس قريبًا جدًا من التلفزيون.

 الاقتراب الشديد من الهاتف أو الكتاب.

 الشكوى من عدم وضوح الرؤية في المدرسة.

 الصداع أو إجهاد العين أحيانًا.

 تراجع الأداء الدراسي بسبب عدم رؤية السبورة بوضوح.

 

وقد لا يشتكي الطفل أصلًا، ولذلك فإن فحص العين الدوري مهم جدًا.

 

ماذا نفعل مع الطفل المصاب بقصر النظر؟

 

الخطوة الأولى هي إجراء فحص شامل للعين وقياس درجة قصر النظر بصورة دقيقة، وفي الأطفال قد يكون قياس الانكسار بعد استخدام قطرات لتخفيف المطابقة (Cycloplegic refraction) مهمًا للوصول إلى القياس الصحيح.  

 

1. النظارات

 

النظارات هي الطريقة الأبسط والأكثر شيوعًا لتصحيح قصر النظر.

 

والأهم هو أن تكون النظارة بالدرجة الصحيحة وأن يستخدمها الطفل حسب توصية طبيب العيون.

 

كما توجد اليوم تصاميم خاصة من عدسات النظارات تهدف ليس فقط إلى تحسين الرؤية، وإنما أيضًا إلى إبطاء تطور قصر النظر لدى بعض الأطفال.  

 

2. العدسات اللاصقة

 

يمكن استخدام العدسات اللاصقة في بعض الأطفال والمراهقين، وهناك أنواع خاصة متعددة البؤر أو ذات تصميمات معينة يمكن أن تساعد في السيطرة على تطور قصر النظر.

 

لكن النظافة والعناية بالعدسات أمران أساسيان جدًا لتجنب التهابات القرنية والمضاعفات.

 

3. النظارات والعدسات الحديثة – وما يسمى أحيانًا “Smart Glasses”

 

تطور علاج قصر النظر كثيرًا في السنوات الأخيرة، وأصبح لدينا عدسات ونظارات ذات تصاميم بصرية خاصة، وكذلك عدسات لاصقة مخصصة للتحكم في تطور قصر النظر.

 

لكن يجب ألا ننظر إلى كلمة Smart باعتبارها علاجًا سحريًا. المهم هو الدليل العلمي على فعالية التصميم البصري المستخدم، وأن يختار طبيب العيون الطريقة المناسبة لكل طفل.

 

4. قطرات الأتروبين بجرعات منخفضة

 

أصبحت قطرات Atropine بتركيزات منخفضة إحدى الوسائل المستخدمة لإبطاء تطور قصر النظر عند بعض الأطفال.

 

وقد أظهرت الدراسات أن الجرعات المنخفضة يمكن أن تقلل من سرعة تطور قصر النظر، لكن اختيار التركيز ومدة العلاج والمتابعة يجب أن تكون تحت إشراف طبيب العيون، لأن الاستجابة تختلف من طفل إلى آخر، وقد تحدث عودة جزئية لتطور قصر النظر بعد إيقاف العلاج.  

 

الوقاية تبدأ من الحديقة وليس من عيادة العيون فقط

 

وهنا أعتقد أن لدينا رسالة مهمة جدًا للأهل.

 

الطفل يحتاج إلى الخروج من المنزل.

 

الذهاب إلى الحديقة، اللعب في الهواء الطلق، ممارسة الرياضة والمشي تحت الضوء الطبيعي ليست أمورًا ترفيهية فقط، بل لها أهمية في صحة العين.

 

وتوصي الأدلة الحديثة بتشجيع الأطفال على قضاء وقت يومي في الهواء الطلق خلال ساعات النهار. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن قضاء نحو 90 دقيقة على الأقل يوميًا في الخارج أثناء النهار قد يكون عاملًا وقائيًا ضد ظهور قصر النظر.  

 

وتشير الأدلة إلى أن زيادة الوقت في الهواء الطلق تقلل خطر ظهور قصر النظر، حتى مع وجود عوامل وراثية أو ممارسة الطفل لأنشطة قريبة.  

 

ماذا يجب أن نفعل كأطباء عيون؟

 

أعتقد أن دور طبيب العيون اليوم لم يعد يقتصر على إعطاء وصفة نظارة.

 

علينا أن ننتقل من علاج قصر النظر بعد حدوثه إلى محاولة منع ظهوره أو إبطاء تطوره.

 

وهذا يتطلب:

 1. فحص الأطفال بصورة مبكرة ومنتظمة.

 2. اكتشاف قصر النظر في مراحله الأولى.

 3. متابعة درجة قصر النظر وطول كرة العين عندما يكون ذلك مناسبًا.

 4. توعية الأهل بأن قصر النظر ليس مجرد “نظارة”.

 5. مناقشة وسائل التحكم في تطور قصر النظر عند الأطفال المناسبين لها.

 6. تشجيع المدارس والأهل على زيادة النشاط الخارجي.

 7. تعليم الأطفال أخذ فترات راحة أثناء القراءة واستخدام الأجهزة.

 8. التعاون مع أطباء الأطفال والمدارس والمعلمين في برامج الكشف المبكر والتوعية.

 

رسالة إلى الأهل قبل بداية المدرسة

 

لا نريد أن نخيف أطفالنا من الهاتف واللابتوب، ولا يمكننا أن نمنع التكنولوجيا من حياتهم.

 

لكن يمكننا أن نعلمهم التوازن.

 

اجعلوا الطفل يرفع عينيه عن الشاشة، وينظر بعيدًا، ويأخذ فترات راحة، ويخرج يوميًا إلى الهواء الطلق، ويلعب في الحديقة ويمارس الرياضة.

 

وإذا لاحظ الأهل أن الطفل لا يرى السبورة جيدًا أو يقترب كثيرًا من الكتاب أو الهاتف، فلا ينبغي الانتظار.

 

فحص بسيط للعين قد يكشف المشكلة مبكرًا، والتدخل المبكر قد يساعد في حماية بصر الطفل لسنوات طويلة.

 

إن قصر النظر أصبح تحديًا عالميًا، لكن جزءًا من الحل يبدأ من أشياء بسيطة جدًا: فحص العين، النظارة المناسبة، الاستخدام المتوازن للشاشات، والأهم… الخروج من البيت إلى الضوء والهواء الطلق.

 

ومع اقتراب بداية العام الدراسي، ربما تكون أفضل هدية نقدمها لأطفالنا ليست جهازًا إلكترونيًا جديدًا، وإنما عينان سليمتان ورؤية واضحة ومستقبل بصري أفضل.

 

 

*استشاري أعلى في طب وجراحة العيون/ فيينا.


تعليق

إقرأ أيضًا

صحة

هل يمكن الشفاء من مرض السكري؟ د. تمام كيلاني

هل يمكن الشفاء من مرض السكري؟ د. تمام كيلاني
صحة

دقيقة طبية.. السكري مرض شائع، لكنه ليس نهاية الطريق..!! د. تمام كيلاني

دقيقة طبية.. السكري مرض شائع، لكنه ليس نهاية الطريق..!! د. تمام كيلاني
صحة

تأملات طبيب (٣) الشفاء ليس دائمًا علاجًا..!! د. تمام كيلاني

تأملات طبيب (٣) الشفاء ليس دائمًا علاجًا..!! د. تمام كيلاني
صحة

كيف فقدتِ تاجك؟ دعاء صلاح

كيف فقدتِ تاجك؟ دعاء صلاح
صحة

تأملات طبيب بين العلم والإنسان… لماذا نكتب؟ د. تمام كيلاني

تأملات طبيب بين العلم والإنسان… لماذا نكتب؟ د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
من ثورة الثامن من آذار إلى الحركة التصحيحية في سوريا

من ثورة الثامن من آذار إلى الحركة التصحيحية في سوريا سياقات التحول وصراع السلطة   د. تمام كيلاني*...

ظل!! روعة سنوبر

ظل!!   روعة سنوبر*       حزينٌ هو، ولا يدري حجمَ بوحِه المسجونِ. أتراه مطرٌ أُغدقَ من عينين ش...

"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!

  "شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!   فن ومدن*   في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...

كان صديقي!! مها شقرة

  كان صديقي!!   مها شقرة*   كانَ صديقي.. واليومَ كلُّ أحبتي.. وَ نَهلتُ منهُ الحبَّ.. في جوق...

تابعونا


جارٍ التحميل...