عبد الرحمن بوطيب: الشعر لا يجوز أن يقدم المعنى جاهزا!
عبد الرحمن بوطيب: الشعر لا يجوز أن يقدم المعنى جاهزا!
كوثر جعفر*
*لم أتعامل مع الأجناس الأدبية باعتبارها حدودا مغلقة.
* الذاكرة ليست خزانة أرشيف محايدة، إنها خزّان انتقائي.
*الثقافة فعلا حي يتجدد بالأسئلة والروئ.
عبد الرحمن بوطيب.. كتابات تتعدد، ورؤية تتجدد..
عبد الرحمن بوطيب اسمٌ حاضر في المشهد الثقافي العربي بتجربةٍ متعددة المسارات؛ فهو شاعر وناقد وباحث وصاحب رؤى ثقافية، لم يحصر الكتابة في جنسٍ واحد، بل جعل منها فضاءً رحبًا للتجريب والتأمل والبحث. تتجاور في تجربته القصيدة والنقد والسرد، ويلتقي فيها المبدع بالناقد والباحث، فيما تظل الثقافة بالنسبة إليه فعلًا حي يتجدد بالأسئلة والرؤى.
في هذا الحوار نقترب من تجربته الإنسانية والإبداعية، ونحاوره في الكتابة والنقد والشعر، وفي علاقته بالمشهد الثقافي وتحولاته، وفي رؤيته للكاتب والقارئ والأدب اليوم.
* لو عدنا مع عبد الرحمن بوطيب الطفل إلى الحي الذي عاش فيه، ماذا حمل معه من هناك؟
_ إن تحققت العودة مع عبد الرحمن بوطيب الطفل إلى الحي الذي عاش فيه، فهو حتما سيتذكر اسمه المدهش "عين الشق"، بمدينة الدار البيضاء الكبرى، ذاك الحي الذي هندستْ معالمَ فضائه المنظم الجميل، بكل مرافقه العمومية، يَدُ مهندسٍ فرنسي زمنَ استعمار...
في عودة الطفل إلى مسقط رأسه - وهو على شيخوخة من عمر طيب - لن يجد بين يديه سِفْرا يتلو منه حكايات لا تزول من ذاكرة ووجدان فقط... جبرا واختيارا ستعود إليه بعض حروف من قصيدة ناجى فيها دربا يسكن الذات / الروح لا يغادرها:
(عين الشق، يا مرتعَ طفولة كانت ذات أحلام...
هو يعرف دروبك
أنت خَبَرْتِ دروبَه
فيكِ سقطتْ رأسُه تلك الليلةَ الباردة من مقدم شتاء
هو يتذكركِ ليلة سقوط الرأس منه قبل جسد
خريطةٌ مدهشة أنتِ مرسومة في ذهنه الشارد دوما...
زقاقات وأقواس... وجيرة طيبة
ليْلَتَها صرخ صرخته الأولى
وهو إلى الآن يصرخ ويصرخ ويصرخ...
لا يهدأ).
هي العودة / الدهشة / الفضول / الإنصات... ومراقبة الناس والأمكنة وتَبَدُّلِ الأنام الأحوال.
مؤكد أن الحي الأول / مسقط الرأس ليس مجرد مكان نسكنه ثم نغادره، إنه أول نص نقرؤه من دون أن نعرف أنه نص... فيه نتعلم معنى الجيرة، والخوف، والفرح، والخصومة، والتضامن، والفقد، ونرى للمرة الأولى كيف يصنع الإنسان عالمه الصغير وسط عالم أكبر منه.
شخصيا، حملت من "عين الشق" ذاكرةَ الناس قبل ذاكرة المكان... حملت أصواتهم، حكاياتهم، طرائق كلامهم، تفاصيل حيواتهم اليومية، وحتى الأشياء التي لم أفهمها وأنا طفل، وربما لهذا السبب ظلت الذاكرة حاضرة في كتابتي، ليس باعتبارها حنينا إلى الماضي، وإنما باعتبارها مادة أولى لإعادة اكتشاف الذات والعالم.
أعتقد أن الكاتب الذي لا يحمل طفولته معه، مهما ابتعد في العمر والجغرافيا، لا بد أنه سيفقد شيئا أساسيا من صوته، فالطفل لا يكتب، لكنه يظل جالسا في مكان ما داخل وجدان الكاتب، يراقب ويسأل ويحتج ويتعجب... وذاك هو "الطفل المشاغب الساكن في جُبّة ملاح عجوز".
*متى عرفتَ أن الكتابة لم تعد خيارًا؟
_ لا أستطيع أن أقول، في لحظة ما، "هنا بدأت الكتابة، وهنا تحولت من خيار إلى ضرورة".
الأمر كله أشبه بتراكم داخلي عديد مسارات.
في البداية كانت الكتابة - على كبر من سن - محاولةً للتعبير، ثم أضحت وسيلةً لفهم العالم من حولي، بعد ذلك تحولتْ إلى نوع من الحاجة الداخلية التي لا أستطيع الخلاص منها.
حين يصبح الإنسان عاجزا عن الاكتفاء بالكلام العابر، وحين يجد أن بعض الأسئلة لا يمكن أن تعيش إلا داخل النص، تكون الكتابة قد تجاوزت مرحلة الهواية أو الاختيار.
أنا لا أكتب لأنني أريد أن أكون كاتبا... أكتب لأن الكتابة تمنحني إمكانية أن أرى الأشياء مرة ثانية، هذا العالم الخائب الذي نعيش فيه يبدو مألوفا، على مضض، لكن الكتابة تعيد ترتيب فوضاه، فتجعل المألوف غريبا، والغريب قابلا للسؤال والمحاكمة.
لهذا أصبحت الكتابة عندي ضرورة معرفية ووجودية مسؤولة، بقدر ما هي ممارسة جمالية ماتعة.
*ما الذي كنتَ تبحث عنه، كلما انتقلتَ من جنس أدبي إلى آخر؟
_لم أتعامل مع الأجناس الأدبية باعتبارها حدودا مغلقة، آمنت بظاهرة "التشاكل" والتهجين... أرى بأن الفكرة هي التي تبحث عن شكلها، وأن الكاتب إذا فرض على الفكرة جنسا أدبيا مسبقا، فقد يظلمها.
حين أكتب الشعر أبحث عن تلك المنطقة التي لا تستطيع اللغة العادية الوصول إليها... وحين أشتغل بالنقد أبحث عن المفاتيح التي تساعدني على قراءة النص، لا عن أحكام جاهزة عليه... وحين أقترب من السرد أبحث عن إمكانات أخرى للزمن والذاكرة والشخصية والصوت والحكاية والبوح.
إذن، ما أبحث عنه في كل انتقال ليس جنسا جديدا، وإنما إمكان جديد للقول.
وربما لهذا تبدو تجربتي متعددة مسارات... متنوعة تعبيرات... من حد الجنس الأدبي الخالص، إلى حد التعبير الإبداعي الهجين، أنا لا أنتقل من الشعر إلى النقد إلى السرد بحثا عن التنوع في حد ذاته، وإنما لأنني أرى أن التجربة الإنسانية أكبر من أن يستوعبها قفص جنس واحد.... فالنموذج مجروح... وذا زمنٌ لزم فيه "تكسير ما وجب في حقه تكسير" مضامين ورهانات وأشكالا.
*حين تكتب، هل يتركك الناقد الذي في داخلك؟
_كثيرا ما ناديت بواجب امتلاك الفاعل الثقافي صفةً فيها نقاش، وحولها اختلاف... صفة "المبدع - الناقد / الناقد - المبدع"، على شرط ألا يطغى تعادل بينهما، أومن بالتخصص، لكنني أرى أن امتلاك الأشياء خير من عدم امتلاكها،... لا أعتقد أن هذا الطرح يتركني تماما، وهذه ربما إحدى مشكلات الكاتب الذي يجمع بين الإبداع والنقد، لكنها في الوقت نفسه إحدى خياراته وإمكاناته.
الناقد يظل حاضرا بداخلي، لكنه ليس دائما في المقدمة، فعندما أنتج نصا إبداعيا، أحاول جاهدا أن أخصص للمبدع مساحة أكبر، وأن أترك لهذا المولود أن يتنفس قبل أن أعود إليه بعين الناقد.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الناقد إلى "شرطي" يقف على باب القصيدة أو القصة أو الرواية، فيمنع العفوية والمغامرة والخطأ الخلاق.
أنا بحاجة إلى الناقد بعد أن يولد النص، أكثر من حاجتي إليه أثناء لحظة الولادة.
ومع ذلك، لا يمكنني إنكار أن الحس النقدي أسهم في تشكيل علاقتي باللغة والبناء والإيقاع والاقتصاد والتجريب... لذلك أقول: إن الناقد لا يغادرني، لكنه يُجبَر أحيانا على أن يصمت في الوقت المناسب.
*أين تسكن موسيقى القصيدة حين يغيب الوزن؟
_ اللغة الموسيقية - لغة التعبير الأدبي الشاعري الجمالي عموما - تسكن نفسَها، شعرا ونثرا.
قصيدة النثر، وقصيدة النثر الحداثية... قصيدة المرحلة، قصيدة الدهشة - في تصوري - لا تعني قتلَ الموسيقا، وإنما تعني إعادة اكتشاف منابعها، حين أغيّبُ الوزن الخليلي - خيارا لا جهلا - فإن ذلك لا يعني أن الإيقاع الموسيقي يغيب... هناك إيقاع الجملة، وتجاور الأصوات، والتكرار، والحذف، والتوازي، وطول العبارة وقصرها، والصمت بين الكلمات، والصورة، والانزياح، وحتى البياض الثاوي بين المقاطع.
الموسيقا في قصيدة النثر، وفي قصيدة النثر الحداثية، ليست دوما ما تلتقطه الأذن مباشرة أثناء أداء، بل ما تشعر به النفس وهي تتحرك سابحة داخل جسد المتن.
لهذا أرى أن النص النثري الذي يخلو من الموسيقا الداخلية يتحول بسهولة إلى كلام مقطّع الأسطر... مجرد كلام... أما القصيدة النثرية الحقيقية، فلها إيقاعها الخاص، حتى وإن كان هذا الإيقاع عصيا على القياس العروضي.
كنت دائما معنيا بسؤال: كيف يمكن للغة أن تنتج موسيقاها من داخلها؟
وهذا السؤال جزء أساسي من انشغالي بقصيدة النثر الحداثية.
*قلتَ: «كل الفصول كانت ربيعًا لا ربيع له»؛ أيُّ ربيعٍ هذا الذي لا ربيع له؟
_ الطبيعة "الطبيعية" فصول... شتاء، ربيع، صيف، وخريف.... متتالية منسجمة مع ذاتها.
لكن، هناك "فصول" أخرى تسكننا خارج فصول طبيعة... فصول زمن نفسي مشروط بإكراهات واقع مرير... الربيع بينها رمز ضامّ، استعارة كبرى، أسطورة قديمة جديدة... إنه "ربيع المفارقة" في زمن المصارعة.
الربيع عادة زمن ولادة واخضرار وانفتاح... أدونيسي، لكنني حينما قلت في شذرة شعرية معينة "كل الفصول ربيع لا ربيع له"، فقد كنت أمام حالة نشاز أرى فيها العالم وهو يعدمنا، ولا يعدنا بتجدد حياة، الأشياء تحبل في أعماقها بآثار الخريف والذبول... لا تزول.
قد يكون الربيع هنا حلما وجوديا مؤجلا، أو حياة أسطورية ثانية، ليست سيزيفية بالضرورة، نبحث عنها، وقد لا نحقق هَدَفَ القبض عليها، وقد يكون حبا "كيوبيديا" يظل ساكنا في المخيلة، بَيْدَ أنه مستحيل تحقّقٍ في الواقع.
الشعر لا يجوز أن يقدم المعنى جاهزا... أحيانا يكون أجمل ما في العبارة أنها تفتح جرحا دلاليا نازفا بدل أن ترتقه، لذلك فالربيع الذي لا ربيع له هو ربيع هذا الإنسان المتشظي، الذي يستمر في الحلم بالحياة، وهما أو كفاحا، رغم أن الواقع لا يقدم له الضمانات الواجبة.
* في «رابعة الأثافي» مع الشاعرة روضة الدخيل، ماذا أضاف الحجر الرابع، وكيف تحوّل صوتان إلى قصيدة واحدة؟
_الْحَجَرُ الرابع في "رابعة الأثافي" حجر / مفارقَة... تجربة خاصة غير مسبوقة... فن "عطفات شعرية"، مع الشاعرة السورية الكبيرة روضة الدّخيل.
بالنسبة إليّ، الديوان / المفارقة، لم يأت مجرد اجتماع شاعرين في كتاب واحد، وإنما هو محاولة لابتكار منطقة شعرية مشتركة بين صوتين مستقلين متناغمين.
"الأثافي الثلاث" معروفة بوصفها أحجارا تحمل القدر على موقد نار، لكن "الحجر الرابع" يغير شكل العلاقة البنائية كلها... يعيد تشكيل الموقد، هو الحجر الذي يضيف إلى الثبات معنى آخر، ويجعل الثنائية الشعرية المتناغمة قابلة لبناء فضاء مخالف غير مألوف.
مع الشاعرة المبدعة روضة الدّخيل لم يكن المقصود أن يتنازل أحد الصوتين عن خصوصيته للآخر، بالعكس، كانت الفكرة أن يحتفظ كل صوت بفرادته، ثم يتم البحث الشاعري الخلاق عن منطقة سديمية يمكن أن تتجاور فيها التجربتان حتى تولدا معنى جديدا.
الصوت الواحد يستطيع أن يحمل تجربته، أما الصوتان حين يدخلان في حوار شعري حقيقي، فيستطيعان أن يصنعا صدى ثالثا.
ولهذا أرى أن "رابعة الأثافي" ليست فقط كتابا / ديوانا بصوتين، إنه تجربة في إمكان أن تتحول الثنائية إلى وحدة شعرية من دون أن تفقد جوهر تميّزها واختلافها.
*كيف ترى دور النشر ومعارض الكتاب في صناعة المشهد الثقافي اليوم؟
_ "دور النشر ومعارض الكتاب" مؤسسات ثقافية أساس في صناعة الحياة الثقافية وانتشارها، دورها الوظيفي ينبغي ألا يتوقف عند محطة إنتاج الكتاب وتوزيعه.
الكتاب في حاجة يومية إلى منظومة متكاملة من المتدخلين، ومن التدخلات، بين ناشر مؤمن بفاعلية النص، ومحرر مدرك لقيمته، وقارئ متلق محترم لخصوصيته، وناقد قادر على خلق نسخة تأويلية ثانية منه، وفضاء ترويج للتقديم والحوار، ومعرض مسؤول برفعة خدماته يضع الكتاب في متناول جمهوره.
المشكلة اليوم أن وفرة العناوين لا تعني بالضرورة تنوع الجودة المطلوبة، ولا وفرة القراء النوعيين والقراءة التفاعلية، كما أن حضور الكتاب في المعارض لا يعني بالضرورة وصوله إلى القارئ الحقيقي.
أدوار معارض الكتاب مهمة جدا، لأنها تحول الكتاب من منتَج معزول في خزانات مكتبات إلى حدث ثقافي واجتماعي جماهيري تواصلي تفاعلي مفتوح... نحتاج اليوم إلى مهنية وجدية أكثر في تطوير آليات الاختيار والتقديم والترويج والقراءة.
أما دور النشر، فأعتقد أنها مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بأن تراهن على القيمة الأدبية لمنشوراتها، لا على الحساب التجاري وحده... الساحة الثقافية غرقت في الرداءة والضحالة، والكتاب الذي يعيش ويخلد هو الكتاب الذي يعرف كيف يسهم بقيمة مضافة تلبي متطلبات قارئ محترَم بعد انتهاء مواسم المعارض.
*حين تدخل الذاكرة في الكتابة، هل تبقى كما كانت؟
_ مؤكد، لا.
الذاكرة لا تقتحم فضاء الكتابة كما تلونت أصلا من الحياة، بمجرد أن تدخل الذاكرةُ النصَّ، فإنها تخضع لإعادة التشكل والانبناء... في اجتراح فعل الكتابة نحن لا نستعيد الماضي، وإنما نعيد إنتاجه بلون مختلف من موقع الحاضر.
قد تكون الكتابة النوعية المفارقة، الحاملة قيمة مضافة واحدة من أكثر الغوايات إثارة ... الإنسان محكوم في جوهر أعماله -مباشرة أو بين السطور - بأن يكتب ما قد حدث له، لكنه يكتشف أثناء الكتابة أن ما حدث لا يمكن أن يكون نسخة مرآوية مطابقة وعاكسة - بصدق - لما كان يظنه.
الذاكرة ليست خزانة أرشيف محايدة، إنها خزّان انتقائي، يضيف المبدع ويحذف ويعيد ترتيب تفاصيل مخزوناته... الكاتب المبدع لا يملك أن يستعيد الماضي كما كان، لكنه يستطيع أن بعيد اكتشافه وبلورة معناه في خطاب جديد، فالكتابة لا تحفظ الذاكرة فقط... إنها تخلقها خلقا جديدا، وتفاوضها، وتعيد مساءلتها ومحاكمتها.
* حين أسستَ «الرؤى الثقافية»، ماذا أردتَ أن تضيف إلى المشهد الثقافي؟
_ حين أطلقت مشروع "الرؤى الثقافية العربية" كنت أفكر في الثقافة باعتبارها فضاء للتواصل والتفاعل الثقافي العربي الوحدوي الخلاق، ليس في منصة عادية للنشر.
"الرؤى" مساحة مشروع متكامل، تتجاور فيها الأصوات المختلفة، من الشاعر والروائي والناقد والباحث والفنان إلى المتلقي المحتَرَم في انتظاراته، عسى أن يجد فيها المبدع مساحة للحوار لا مساحة للاحتفاء فقط، وعسى أن يجد فيها المتلقي ذاته الجمعية ثانية.
من هنا نَمَتْ فكرةُ تعدد المجلات والبرامج والرؤى، فالثقافة لا يمكن اختزالها في منبر واحد، ولا في اتجاه واحد، ولا في أسماء محددة.
أعتقد أن من أهم ما حاولت أن تقوم به "الرؤى" هو بناء جسور تواصل بين التجارب العربية، وتوفير فضاء مسؤول للأصوات التي تستحق أن تُسمَع، سواء أكانت معروفة أو كانت في بدايات الطريق.
أنا لا أريد لهذه "الرؤى" أن تكون مجرد واجهة تحمل اسما وعلامة ثقافية... أريدها مشروعا متكاملا يتطور باستمرار، لأن الثقافة نفسها لا تستقر، إن استكانت لاستقرار جمدت وماتت.
*بعد كل هذا الحضور في المشهد الثقافي، ما الذي ما زلتَ تنتظر أن يتغيّر؟
_ هي جملة انتظارات عديدة مؤرقة... أنتظر أن تتغير علاقتنا بالثقافة نفسها، وما زلت أتمنى أن تصبح الثقافة قطعة من الحياة اليومية، رهانا حضاريا، مدخلا أساسا للتغيير المنشود، لا نشاطا موسميا مناسباتيا احتفاليا... أرجو - من باب الممكن - ولا أتمنى - من باب المستحيل أو بعيد المنال - أن تستعيد قيمة القراءة حيويتها، وأن يصبح الحوار النقدي أكثر حضورا وموضوعية، وأن نتعلم ممارسة الاختلاف من دون أن تتحول اختلافاتنا ورؤانا إلى خصومات وخلافات.
كما أنتظر أن يتغير مفهوم النجاح الثقافي والشهرة الثقافية، فالكاتب الحق ليس بالضرورة هو الأكثر حضورا على المنصات، ولا الأكثر "فوزا" بالجوائز، ولا الأكثر "تداولا "ومشاركة في وسائل التواصل... النجاح الحقيقي في جوهره هو أن يترك النص أثرا في قارئه، ولو بعد حين من الدهر.
وما زلت أنتظر بحرقة أن ننتقل من ثقافة الأشخاص والذوات، إلى ثقافة المشاريع والمنجزات المؤسسية الكبرى.
* في زمنٍ صار فيه وصول الكاتب إلى القارئ أسهل، هل صار الوصول إلى أدبٍ حقيقي أصعب؟
_مؤكد... هذه إحدى مفارقات العصر الرقمي.
أصبح الوصول إلى النص أسهل بكثير، لكن الوصول إلى النص الجيد أصبح أكثر صعوبة، بسبب طوفان الكم الهائل من الكتابات الرديئة التي تحاصر القارئ المتعطش لجودة.
سابقا، كانت ندرة إمكانات النشر معيقا للكاتب، أما اليوم فقد أصبحت إمكانات النشر متاحة بدرجات كبيرة، لكن هذه الوفرة صنعت مشكلة أخرى... كيف نميز الأدب الحق من الكتابة الغثة؟
ليس كل ما يُنشر أدبا، وليس كل ما يلقى انتشارا جديرا بالبقاء.
القارئ اليوم يحتاج إلى أدوات أكثر فاعلية وتأثيرا... معرفة، وذائقة، ونقد، وقدرة على الاختيار.
أرى أن دور الناقد والمجلة الثقافية والمؤسسة الثقافية أصبح أكثر خطورة، لا أَقَلَّها، نحن نحتاج إلى وسائط تساعد القارئ على عبور هذا الكم الهائل من النصوص والوصول إلى ما يستحق القراءة والمناولة.
* هل يستطيع الناقد أن يكون محايدًا أمام نص يحبه؟
_ ادعاء الحياد المطلق في النقد وهم... الناقد يدخل النص بذائقته وثقافته وتكوينه وأسئلته ورؤاه، ولا يستطيع أن يغيّب ذاته تماما، لكن هناك فرقًا بين أن تكون للناقد ذات نقدية، وأن يتحول الحب إلى مجاملة.
يمكنني أن أحب نصا وأختلف معه نقديا في نفس الآن، ويمكنني أن أقدّر كاتبه، ثم أحكم بأن النص لم يحقق ما كان ينبغي أن يحققه... أعتقد أن محبة النص الحقيقي تستوجب أحيانا الصرامة النقدية معه.
النقد ليس محكمة لإدانة النص، ولا مهرجانا لتوزيع شهادات الإعجاب والمحاباة... هو محاولة لفهم النص والكشف عن جمالياته وحدوده وآليات اشتغاله.
لهذا لا أطالب الناقد بأن يكون بلا موقف، بل بأن يكون نزيها في كل موقف.
*المسابقات تمنح النص فرصة للفوز، والتكريم يمنح صاحبه اعترافًا؛ أين تضع القيمة الحقيقية بينهما؟
_ هذه القيمة الحقيقية المطلوبة ليست كامنة في الفوز، وليست شاخصة في التكريم... الفوز بالجائزة لحظة، والتكريم لحظة، أما النص الجيد فيمتلك القدرة على تجاوز اللحظة.
لا نقلل من قيمة الجوائز، فهي مهمة للكاتب، قد تمنحه الاعتراف والدعم والدافعية إلى الاستمرار، إن كانت مستحقة، لكن الخطر يبدأ عندما تصبح الجائزة معيارا وحيدا للقيمة.
هناك نصوص لم تفز ولكنها عاشت، وهناك نصوص فازت ثم ماتت بهد حين من الزمان قصير.
أما التكريم فهو ثقافة اعتراف جميل بجهد الإنسان، لكنه لا يغني عن اختبار الزمن... القيمة الحقيقية هي ما يبقى بعد انطفاء التصفيق... ماذا يقول النص؟ ماذا يضيف؟ هل يعيد تشكيل وعي قارئه؟ هل يستطيع أن يعيش خارج مناسبة صدوره؟ آنذاك وهناك فقط تبدأ القيمة الحقيقية.
* كيف أثرت العولمة في صوت الكاتب الشاب؟
_/ هذه العولمة / الظاهرة المعاصرة منحت الكاتب الشاب إمكانات لم تكن متاحة للأجيال السابقة... منحته إمكانات الوصول السريع إلى الآداب العالمية، وتعرّف فضاءات تجارب وثقافات مختلفة، والتواصل مع قراء خارج الحدود، لكنها في الوقت ذاته حملت معها خطرا آخر... خطر التشابه، حين يقرأ الجميع المصادر نفسها، ويستعمل الجميع المنصات نفسها، ويخضعون للسرعة نفسها، يصبح الحفاظ على خصوصية الصوت الشخصي تحديا... نتخوف من زمن "نعجات دولي" المستنسخة... لا أرى أن الحل هو الانغلاق في وجه العالم... الكاتب الصاعد الحقيقي ينبغي أن يقرأ العالم كله، لكن عليه أن يعرف كيف يعود إلى هويته و لغته وتجربته وأسئلته الخاصة... العولمة الناجحة بالنسبة للكاتب ليست أن يصبح نسخة من الآخر، بل أن يجعل خصوصيته قابلة للحوار والتفاعل من موقع الند للند مع الآخر... فلا تبعية ولا انبهار.
*كيف تغيّرت صورة المرأة في الأدب العربي، وهل تحررت فعلًا من صورتها النمطية؟
_ "المرأة" إشكال ثقافي حضاري كبير... قد نجزم بأنه حدث تغير كبير... لا يمكن إنكار أن الكتابة النسائية العربية أسهمت بقوة في إعادة بناء صورة المرأة داخل ذاتها وداخل النص وداخل المجتمع... المرأة لم تعد فقط موضوعا يكتبه الرجل، لقد كسرت قضبان أقفاص، وأضحت ذاتا تكتب وتعيد تعريف نفسها وتجربتها وجسدها وذاكرتها وعلاقتها بالآخر وبالمجتمع، بَيْدَ أن التحرر من الصورة النمطية لم يكتمل تماما.
ما زالت هناك كتابات تستعيد المرأة من خلال صور نمطية مسكوكة جاهزة لها... الضحية، الفاتنة، المتمردة بوصفها استثناء... التحرر الحقيقي يحدث عندما تصبح المرأة في الأدب إنسانا كامل تحقق الإنسانية، قبل أن تكون صورة جندرية... لها تناقضاتها، وأخطاؤها، وأحلامها، وقوتها، وضعفها، ولها حقها في أن تكون شخصية لا رمزا... أعتقد أن الأدب العربي يسير في هذا الاتجاه، وإن كان الطريق لا يزال صعب مسار طويل مدار.
* في منطقةٍ أثقلتها الصراعات والحروب، ماذا أخذتَ منها ككاتب، وماذا أخذت منك؟
_الحروب... لم أعشها شخصيا في بلدي المسالم الآمن، لكنني "عشتها" في تجارب الآخر المرة.
عشتها في تمثلات حكايات والدي الذي خاض الحرب العالمية الثانية جنديا، وخاضها مقاوما قائدَ خلية في الحركة الوطنية ضد استعمار غاشم... و"أعيشها" اليوم في كل موقع منهار.
الكاتب العربي الملتزم لا يستطيع أن يعيش بعيدا عن جغرافيا عربية وعالمية مثقلة بالحروب والاقتلاع واجتثات الذاكرة الجماعية، حتى حين لا يكتب الكاتب عن الحرب مباشرة، فإن آثارها تتسرب إلى نظرته إلى الإنسان والحياة والموت والعدالة والحرية... الحرب تجعلنا نعيد النظر في أشياء كنا نعدها بديهية.
أما ما أخذته الحرب مني - ولو أنني لم أكتو بنارها مباشرة - فهو شيء وجوديّ كيانيّ لا يمكن تعويضه بسهولة، لكنها في المقابل منحتني حساسية أكبر تجاه الإنسان الهش، وتجاه التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عادية في زمن السلم، لكنها تصبح ثمينة مفقودة جدا في زمن الخراب، لهذا أقول إنني لم أخرج من هذه المنطقة المحرمة كما دخلتها كاتبها... الحرب لا تمر من أمام الكاتب، إنها تمر من داخله أيضا.
*هل هناك شيء في عبد الرحمن بوطيب ظلّ عصيًا على الكتابة؟
_ نعم... هناك أشياء كثيرة ما زالت عصية على الكتابة، لعل أكثرها عصيانا وتمردا وممانعة هو ما يتعلق بالإنسان في لحظاته الأكثر خصوصية وحميمية... الفقد، الخوف، الحب، الندم، الضعف، وبعض ما تخبئه الذاكرة ولا تستطيع اللغة أن تقترب منه بسهولة... أحيانا يكون الصمت أكثر قدرة على التعبير من الكلمات، وأعتقد أن الكاتب كلما تقدم في تجربته لا يصبح أكثر قدرة على قول كل شيء، بل يكتشف كم هي الأشياء التي يستحيل البوح بها... هناك مناطق في دواخلي ما زلتُ أؤجل الكتابة عنها، ليس خوفا منها، وإنما لأنني لم أعثر بعد على "اللغة" التي تليق بها للتعبير عنها... ربما هذه هي المفارقة الجميلة في الكتابة... نكتب طوال العمر، لا لكي نصل إلى نهاية القول، وإنما لكي نقترب أكثر من الأشياء التي لم نستطع قولها.
وفي النهاية، لا أريد أن أكون كاتبا قال كل شيء... أريد أن أظل ذلك الكاتب الذي ما زالت لديه أسئلة لم يجد لها جوابا نهائيا... اللحظة التي تنتهي فيها الأسئلة، ربما تبدأ الكتابة في التوقف.
ختاما، وصدقا، أقول... استمتعت بحوار نوعي لم أعشه من قبل في حوارات أخرى كبيرة محترمة سابقة إلى أبعد الحدود... وتألمت في محطات كثيرات منه.
عميق الشكر والتقدير والامتنان لأيقونة الحوارات الفارقة الأستاذة كوثر جعفر الفاضلة.
سيرة ذاتية
عبد الرحمن بوطيب
- أديب مغربي، من مواليد سنة 1951.
- أستاذ لغة عربية وآدابها، متقاعد، مارس بجميع الأسلاك الابتدائية، والإعدادية، والثانوية، والعليا.
- أديب متعدد، شاعر، وقاص، وناقد، وكاتب.
- مهتم بقصيدة النثر الحداثية، يشتغل على برنامج نقدي تنظيري وإجرائي في إطار مشروع
"مجموعة تأصيل قصيدة النثر الحداثية".
- شارك في عديد فعاليات مهرجانات دولية تفاعلية.
- مؤسس "مجموعة تأصيل قصيدة النثر الحداثية".
- مدير فعاليات ثقافية تفاعلية وحضورية محلية ودولية باسم مجلة الرؤى العربية للإبداع والنقد.
- مدير برامج ثقافية محلية وقارية حضورية وتفاعلية.
- مدير عام مؤسس مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية:
* مجلة الرؤى العربية للإبداع والنقد.
* مجلة رؤى السرد والنقد.
* مجلة رؤى الترجمة الأدبية ودراساتها الأكاديمية.
* مجلة رؤى قصيدة النثر الحداثية.
* مجلة امتدادات الرؤى الثقافية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
مؤلفاته:
1/ الورقية:
- صدر له ديوان شعر نثري مشترك مع الشاعرة السورية روضة الدّخيل، في إطار "العطفات
الشعرية"، تحت عنوان "رابعة الأثافي: خفق جناحين... قصيدة بصوتين"، عن مؤسسة منشورات
النورس / أبريل 2026.
- له منشورات إبداعية شعرية ونثرية ونقدية في أنسكلوبديات وأنطلوجيات دولية.
2/ الرقمية:
ــ صدر له رقميا:
. "سؤال" / ديوان: قصيدة نثر حداثية مطولة.
. "همود" / ديوان قصائد نثر حداثية.
. "أوراق المرايا المتقابلة" / قصص.
. كتب نقدية منوعة الموضوعات.
- له أعمال شعرية، وسردية (رواية وسيرة تعليمية)، ونقدية (كتاب فيبنيات قصيدة النثر الحداثية) قيد
الإعداد للطباعة.
- له أعمال شعرية، وسردية، ونقدية منشورة بمجلات مغربية وعربية ودولية.
- له أعمال شعرية، وسردية، ونقدية قيد الإعداد للطباعة.
- أجريت معه عديد حوارات ثقافية بمجلات مغربية، وعربية، ودولية.
*كاتبة سورية/ فن ومدن/ حلب.
إقرأ أيضًا
إبداع شعري جديد لرضوان فلاحة.. لا حاجة لياء النداء..!!سامر خالد منصور
قراءة لقصيدة "ضاعت بلادي "للدكتور مايكل حمدان ..!! طه عبد الرحمن
الفقر ليس عيبًا.. والشهادة ليست مقياسًا للأخلاق!
قراءة نقدية لقصة" عبور مرحلي" للكاتبة إيناس سيد جعيتم..!! جدوى عبود
"صعوداً نحو الحب".. سردية النور في مواجهة العتمة!
الاكثر شهرة
اتحاد الاطباء والصيادلة العرب يفتتح مستوصف اللطامنة الطبي!!
اتحاد الاطباء والصيادلة العرب يفتتح مستوصف اللطامنة الطبي!! فن ومدن* في خطوة نوعية تعكس روح...
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا فن ومدن* دعا اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بال...
الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!!
الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!! طلال مرتضى* ثمة نهج فني خاص اتّبع...
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...