قراءة لحكاية.. من حيث توقفنا للكاتبة الأستاذة عاتكة الياسري!
قراءة لحكاية.. من حيث توقفنا للكاتبة الأستاذة عاتكة الياسري!
طه دخل الله عبد الرحمن*
حكاية مِن حيثُ توقّفنا… سؤالُ البدايات في مَداراتِ النهايات: مقاربةٌ نقديةٌ تأويليةٌ في بلاغةِ السردِ وشِعريّةِ التلقّي.
مدخلٌ نظريٌّ منهجي: بين النصّ والقارئ
حين نُقبِلُ على نصٍّ سرديٍّ ينتمي إلى ما يمكن تسميتُه بـ«الأدب الوجدانيّ الاستعادي»، فإنّنا لا نقفُ أمامَ حكايةٍ تُروى فحسب، بل أمامَ بنيةٍ دلاليةٍ مُعقّدة، تَتداخلُ فيها مستوياتٌ متعددة: مستوى الحدث، ومستوى الذاكرة، ومستوى اللغة، ومستوى الرمز، ومستوى التلقّي. والنصُّ الذي بين أيدينا — وقد كتبتْه الكاتبةُ عاتكة الياسري — يُعدُّ من النصوص التي تَفتحُ أبوابَها للقراءةِ التأويليةِ الواعية، وتُتيحُ للناقدِ أن يُجرّبَ عليها مناهجَ متعددة، من البنيوية إلى السيميائية، ومن النقد الثقافي إلى النقد النفسي، ومن جماليات التلقّي إلى نقدِ النقد.
وإنّي في هذه المقاربةِ النقديةِ الموسّعةِ سأحاولُ — مستعينًا بالله — أن أُحيطَ بالنصّ من زواياه كافّة: بنيةً، ودلالةً، ولغةً، ورمزًا، وسردًا، وتلقّيًا، وتناصًّا، وأسلوبًا، حتى يكونَ هذا العملُ النقديُّ بمثابةِ مفتاحٍ تأويليٍّ يَفتحُ مغاليقَ الحكاية، ويكشفُ عن طبقاتِها العميقة.
الفصل الأول: البنية السردية وتقنيات الحكي
1. العمارة السردية: هندسةُ الزمن ومفارقتُه
يقومُ النصُّ على بنيةٍ زمنيةٍ مُزدوجةٍ تَتقاطعُ فيها خطوطٌ ثلاثة:
· زمنٌ حاضرٌ يبدأُ من لحظةِ وصولِ مريم إلى عمّان، ويمتدُّ حتى لحظةِ الوداع.
· زمنٌ ماضٍ قريبٍ يتعلّقُ بسنواتِ الدراسةِ الجامعيةِ في بغداد.
· زمنٌ ماضٍ سحيقٍ يتعلّقُ بطفولةِ الشخصيتين وجوارِهما في المنطقةِ نفسِها.
وهذا التداخلُ الزمنيُّ ليس ترفًا تقنيًا، بل هو جوهرُ الرؤيةِ الفنية؛ إذ تُريدُ الكاتبةُ أن تقولَ لنا إنّ الزمنَ في هذا النصِّ ليس خطيًّا، بل هو زمنٌ دائريٌّ لا يتقدّمُ إلا ليعود، ولا يعودُ إلا ليتقدّم. إنّه زمنُ الذاكرةِ الذي يَلتفُّ على نفسِه، كما تَلتفُّ اللوحةُ حولَ وجهٍ واحدٍ لا يتغيّر: وجه مريم الشقراء.
والبنيةُ العامةُ للنصّ تقومُ على تقنيةِ الاسترجاعِ الموجَّه، إذ يَتعاقبُ السردُ بين مقاطعَ حاضرةٍ تَقودُ إلى مقاطعَ ماضية، ثم يعودُ إلى الحاضر، ثم يَهبطُ إلى الماضي، في حركةٍ تشبهُ حركةَ المِكّوكِ في النَّول، تَنسجُ خيوطَ الحكايةِ على نَولِ الذاكرة.
ولقد أفلحت الكاتبةُ في تنويعِ الإيقاعِ السردي؛ إذ تُبطئُ في مواضعِ الوصفِ والتأمل، وتُسرعُ في مواضعِ الحدثِ والانعطاف. وهذا التنويعُ يُتيحُ للقارئ أن يَتنفّسَ مع النصّ، وأن يُشاركَ في إنتاجِ دلالتِه.
2. التقطيع الفصلي: من الوصلِ إلى الفصلِ إلى الوصل
جاء النصُّ مُقسَّمًا إلى ثلاثةِ فصولٍ، كلُّ فصلٍ يَحمِلُ عنوانًا مُوحّدًا: «مِن حيثُ توقّفنا». وهذا التكرارُ ليس تكرارًا آليًّا، بل هو تكرارٌ دلاليٌّ يَصنعُ من العنوانِ لازمةً موسيقيةً تُذكّرُ القارئَ بأنّ الحكايةَ لم تَنتهِ، وأنّ كلَّ فصلٍ هو استئنافٌ لما توقّفَ عنده السردُ في الفصلِ السابق.
والفصلُ الأولُ يَعرضُ الوضعَ الراهنَ: باسمٌ المريضُ، ومريمُ المهاجرةُ، والمعرضُ الذي سيكونُ مكانَ اللقاء.
والفصلُ الثانيُ يَعرضُ الخلفيةَ العاطفيةَ: الحبُّ الأولُ، والرفضُ الأبويُّ، والفراقُ القسريُّ.
والفصلُ الثالثُ يَعرضُ اللقاءَ الأخيرَ: الصدامُ بين الذاكرةِ والحاضرِ، والموتُ الذي يَختتمُ الحكايةَ بفاجعةٍ هادئة.
وهذا التقسيمُ يُحاكي بِنيةَ المأساةِ الكلاسيكية: عرضٌ، فتصعيدٌ، فنهايةٌ مأساوية. غير أنّ الكاتبةَ عالجتْ هذه البنيةَ بلمسةٍ حداثيةٍ جعلتْ من الموتِ نهايةً مفتوحةً على الأسئلة الكبرى.
3. وجهة النظر والصوت السردي
يَغلبُ على النصّ السردُ بضميرِ الغائبِ الذي يَتّخذُ مسافةً متوسطةً من الشخصيات، فيَصفُ ما يجري في الخارجِ كما يَصفُ ما يجري في الداخل. لكنّ هذه المسافةَ الموضوعيةَ تتضاءلُ في مواضعَ كثيرة، ليَظهرَ الصوتُ الداخليُّ للشخصيةِ من خلالِ المونولوجِ غيرِ المباشر، كما في قولها: «كان يشعرُ أنه يطيرُ من السعادة. لم يكن يسمعُ ما يقولُه والدُه إلى جانبِه. كان يُفكّرُ في جملةٍ واحدةٍ فقط: إذا احتاجتْ أيَّ شيءٍ…».
وهذا التذبذبُ بين المسافةِ الموضوعيةِ والاقترابِ الحميمِ يُنتجُ ثنائيةَ الواقعِ والحلمِ التي تَسمُ النصَّ كلَّه؛ فالكاتبةُ تُخبرُنا عمّا يقع، ثم تَتركُنا نَسمعُ ما لا يقعُ إلا في القلوب.
والسردُ النسويُّ في هذا النصّ ليس سردًا متحيّزًا، بل هو سردٌ مُتوازنٌ يُعطي كلَّ شخصيةٍ حقّها من الحضورِ والتعبير. غير أنّ ثمّةَ حساسيةً أنثويةً تتجلّى في التقاطِ التفاصيلِ الصغيرةِ التي تَصنعُ الحياةَ اليومية: الفستانُ الأخضر، والشالُ، ورنّةُ الهاتف، ورائحةُ الخبز، وظلُّ النخلة. وهذه الحساسيةُ ليست ضعفًا، بل هي قوةٌ إدراكيةٌ تَرى في الهامشِ ما لا يراهُ المتن.
الفصل الثاني: الشخصيات بين البعد النفسي والبعد الاجتماعي
1. باسم: العاشقُ الفنانُ الذي يَرسمُ للنجاة
باسمٌ شخصيةٌ تراجيديةٌ بامتياز؛ إذ يجتمعُ فيها العشقُ والفنُّ والفقرُ والمرض، فتَصيرُ حياتُه سلسلةً من الخساراتِ المتتالية: خسارةُ القبولِ في أكاديميةِ الفنون، خسارةُ مريم، خسارةُ الوطن، خسارةُ الصحة، وأخيرًا خسارةُ الحياةِ نفسها.
غير أنّ باسمًا لا يَنهزمُ أمامَ هذه الخسارات، بل يُحوّلُها إلى إبداع: فالحرمانُ من دراسةِ الفنّ جعلَهُ فنانًا عصاميًّا، والحرمانُ من مريم جعلَهُ راسمًا لا يَكفُّ عن إعادةِ خلقِها في لوحاتِه، والمرضُ نفسُه جعلَهُ يَعودُ إلى عمّان ليَلقى حبيبَتَه الأخيرةَ قبل الرحيل.
وباسمٌ هنا شخصيةٌ فاعلةٌ ومُفعولٌ بها في آنٍ واحد: هو فاعلٌ حين يقرّرُ أن يَعرضَ لوحاتِه، وحين ينتظرُ مريمَ في الممرّات، وحين يتقدّمُ لخطبتِها، وحين يَتزوّجُ ابنةَ خالِه، وحين يذهبُ إلى المعرض. وهو مُفعولٌ به حين يَرفضُهُ والدُ مريم، وحين تُساقُ به الأقدارُ إلى الجيشِ والحرب، وحين يَفترسُهُ المرضُ أخيرًا.
وأما البُعدُ الاجتماعيُّ لشخصيةِ باسمٍ فيتمثّلُ في أنّه ابنُ الطبقةِ الوسطى التي كانت تَدفعُ أبناء.
*كاتب وناقد فلسطيني.
إقرأ أيضًا
نحن أبناء الصورة التي صنعها الآخرون..!! حسين مطر
عبد الرحمن بوطيب: الشعر لا يجوز أن يقدم المعنى جاهزا!
إبداع شعري جديد لرضوان فلاحة.. لا حاجة لياء النداء..!!سامر خالد منصور
قراءة لقصيدة "ضاعت بلادي "للدكتور مايكل حمدان ..!! طه عبد الرحمن
الفقر ليس عيبًا.. والشهادة ليست مقياسًا للأخلاق!
قراءة نقدية لقصة" عبور مرحلي" للكاتبة إيناس سيد جعيتم..!! جدوى عبود
الاكثر شهرة
من ثورة الثامن من آذار إلى الحركة التصحيحية في سوريا
من ثورة الثامن من آذار إلى الحركة التصحيحية في سوريا سياقات التحول وصراع السلطة د. تمام كيلاني*...
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا فن ومدن* دعا اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بال...
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...