من المصمك إلى سؤال المنطقة ..!! عبد الكريم العفيدلي

من المصمك إلى سؤال المنطقة ..!! عبد الكريم العفيدلي

من المصمك إلى سؤال المنطقة ..!!

 

عبد الكريم العفيدلي*

 

 

في عتمة الفجر، حين كانت الرياض خلف أسوارها، تقدم عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود نحو المصمك ومعه ثلاثة وستون رجلاً . لم يكن المشهد يوحي بأن تلك الخطوة ستفتح طريقًا يمتد ثلاثة عقود وينتهي بقيام دولة. استُعيدت الرياض، لكن السؤال الحقيقي بدأ في اليوم التالي: ماذا يُفعل بالرياض بعد استعادتها؟ ومن هذا السؤال انطلق طريق طويل، من استعادة المدينة إلى توحيد البلاد، وصولاً إلى إعلان المملكة العربية السعودية عام 1932.

فالمعركة قد تحسم السيطرة على مدينة، لكنها لا تصنع وحدها دولة. ما يأتي بعدها هو الأصعب: أن تنتظم الجغرافيا تحت سلطة واحدة، وأن تتراجع مراكز القوة المتنافسة، وأن يتحول الانتصار إلى مشروع سياسي قادر على البقاء. ولهذا لم تكن السنوات التي فصلت بين استعادة الرياض وإعلان المملكة مجرد زمن بين حدثين، بل كانت المسافة التي تحولت فيها لحظة عسكرية إلى كيان سياسي.

في العيد الوطني السادس والتسعين للمملكة، تستعاد تلك البداية بينما تقف أجزاء من المنطقة أمام صورة معاكسة. عواصم تتعدد فيها مراكز القرار، ومدن تقطعها الحواجز، وأحياء تركها أهلها تحت الركام، ومؤسسات تتنازع الصلاحيات، وعائلات تحمل مفاتيح بيوتها وتنتظر طريق العودة. وفي أماكن أخرى يتوقف مطار أو ميناء، وتتغير قواعد المرور من حي إلى آخر، ويصبح الوصول إلى مدرسة أو مستشفى أو محكمة مرتبطاً بالسؤال عن الجهة التي تملك القرار.

عند هذه النقطة يصبح التفكك السياسي واقعاً يومياً. لا يعود المواطن منشغلاً فقط بمن يحكم، بل بمن يستطيع أن يحكم ، ومن يفتح الطريق، ويدير المدرسة، ويحمي المستشفى، ويضمن عمل المحكمة، ويمنح الوثيقة، ويؤمّن العودة إلى البيت. وحين تتعدد الإجابات، لا يعود الخلاف على السلطة خلافًا على الحكومة وحدها، بل يبدأ بالتحول إلى خلاف على الدولة نفسها.

وهنا تكمن دلالة تجربة الملك عبدالعزيزـ رحمه الله ـ ، لا بوصفها وصفة جاهزة لزمن آخر، فالتاريخ لا يعود بالظروف نفسها، وإنما بوصفها تجربة في الانتقال من التفرق إلى الاجتماع. استعادة الرياض لم تكن خاتمة، والتوحيد لم يكن مجرد جمع للأرض ، كان بداية لترسيخ كيان سياسي واحد، ثم بناء مؤسسات تستطيع أن تمنح هذا الكيان معنى في حياة الناس.

وفي أجزاء من المنطقة اليوم، يجري العمل في الاتجاه المعاكس: إعادة جمع ما تفرق، واستعادة ما فقدته المؤسسات من قدرة، وإعادة المدينة إلى وظيفتها الطبيعية. فوقف الحرب لا يعيد الدولة تلقائياً، وإزالة الركام لا تعيد المدينة وحدها، وعودة النازحين لا تكتمل من دون أمن وقضاء ومدارس ومستشفيات وطرق وأسواق تستطيع أن تعمل.

لهذا تبدو السنوات الثلاثون بين 1902 و1932 أكثر من فاصلة في التاريخ السعودي. إنها الفارق بين استعادة مكان وبناء دولة. وهي أيضاً ما يجعل سؤال المصمك قابلاً للانتقال إلى الحاضر: ماذا يحدث بعد أن تنتهي المعركة؟ ومن يملأ الفراغ الذي تتركه؟ وهل تستطيع الأرض التي خرجت من الصراع أن تعود إلى كونها وطناً مشتركاً بدل أن تصبح مجرد مساحة تتقاسمها مراكز القوة؟

لا تحتاج الإجابة إلى أسماء. تكفي مدينة مقسمة، ومدرسة مغلقة، ومستشفى ينتظر التمويل، وطريق تحكمه نقطة تفتيش، وبيت لا يستطيع صاحبه الوصول إليه. في هذه التفاصيل يظهر معنى الدولة أكثر مما يظهر في الخطب والخرائط.

ومن هنا يصبح استحضار الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ في اليوم الوطني استحضاراً لفكرة سياسية قبل أن يكون استعادة لمشهد تاريخي. فالانتصار لا يكتمل لحظة تُحسم الأرض ، قيمته تظهر في اليوم التالي، حين يبدأ بناء ما يجعل الناس قادرين على العيش فوقها معاً.

في عام 1902 بدأت الحكاية من الرياض، وفي عام 1932 أصبحت المملكة دولة. وبين التاريخين كان هناك عمل طويل جعل من استعادة مدينة مشروعاً لتوحيد بلد.

ولهذا، فإن السؤال الذي يمكن أن يخرج من المصمك إلى المنطقة اليوم ليس كيف تنتصر قوة على أخرى، بل ماذا يُفعل بالأرض بعد أن تُستعاد؟

هناك، في اليوم التالي للمعركة، يبدأ الاختبار الحقيقي.

 

* كاتب وشاعر سوري.

تعليقات


الاكثر شهرة
عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار

  عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح  باب الحوار   ملاك صالح صالح*   في الكثير من البيوت العربية،...

دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!! د. تمام كيلاني

دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!!   د. تمام كيلاني*   حوار في الحرية... وشها...

إسماعيل نصرة.. من نافذة "زوايا" يدخل الضوء إلى لوحته!! روعة سنوبر

  إسماعيل نصرة.. من نافذة "زوايا" يدخل الضوء إلى لوحته!! روعة سنوبر*     بحضور لافت استضاف غالي...

الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!

  الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!   ملاك صالح صالح*   قبل أن تبدأ رحلتنا في بحر ال...

تابعونا


جارٍ التحميل...