قراءة نقدية في قصّة “متلازمة إغلاق الثقوب” للكاتبة رماح عبدالجليل ..!! مصطفى العقاد
قراءة نقدية في قصّة “متلازمة إغلاق الثقوب” للكاتبة رماح عبدالجليل ..!!
مصطفى العقاد*
تُعد قصة “متلازمة إغلاق الثقوب” للكاتبة “رماح عبد الجليل” نصًّا سرديًا مشحونًا بالتوتر النفسي والرمزية العميقة، إذ تتخذ الكاتبة من العيادة النفسية فضاءً تأطيريًا لاستهلال الحكاية وختامها لكي تضع القارئ وجهًا لوجه أمام دراما الصدمة وتبعاتها.
إننا لسنا أمام حكاية عابرة ترصد حدثًا موضعيًا، وإنما أراها كمختبر سيكولوجي نتاجه سؤال معنوي عميق الصدى وطويل الأمد : “كيف تتحول التفاصيل المادية الصغرى، كثقب في باب أو قطعة صلصال، إلى بؤر دلالية تحيل على التصدع الوجودي والانتهاك الجسدي الذي تتعرض له الطفولة البريئة ويترك هذا النزاع ضمور متلازم؟ “.
تنهض الفكرة الجوهرية للقصة على تأمل مفجع لطبيعة العجز البشري أمام أشكال الانتهاك الخفي داخل المؤسسة الأسرية، حيث يتحول الأب الذي يُفترض فيه أن يكون مصدر الطمأنينة المطلقة إلى مصدر للرعب والتربص..
هذا الانحراف في بوصلة الأمان يولد لدى البطلة “خديجة” استجابات دفاعية معقدة؛ فالصلصال الذي تحمله أينما ذهبت ليس مجرد لعبة طفولية، وإنما هو محاولة بائسة ومستميتة لترميم شروخ العالم الخارجي وإعادة إحكام إغلاق الجدران المتهالكة.
وتتجلى عبقرية البناء الدلالي في تفكيك ثنائية “الحضن”؛ فالأم تمثل مساحة النقاء والطمأنينة الوحيدة، بينما يقف الحضن الأبوي كفضاء ضيق خانق يترصد الأنوثة, ويغتالها قبل أن نضجها.
على مستوى بناء الشخصيات، نسجت الكاتبة خيوط شخوصها عبر شبكة من التقابلات النفسية والاجتماعية. فتمثل “خديجة” الشخصية المركبة الحساسة التي تنضج قسرًا عبر الألم والرفض الصامت للواقع، بينما تبرز “رباب” كممثل لنمط بشري آخر يسكنه الرضوخ والامتثال, متكئة على وهم اكتساب المكانة عبر الدلال الأبوي الأجوف… وتتجسد الأم, كرمز للوعي التقليدي الغافل, عاجزة عن قراءة ما وراء الظاهر المرضي للصلصال…
وقد وظّفت الكاتبة أماكن في النص بطاقة تعبيرية عالية تتجاوز كونها مجرد مسرح للأحداث لتصبح كائنات حية تشارك في صناعة نمط وتراكم التوتر…
أما على صعيد التشكيل اللغوي والأسلوبي… فقد انحاز النص إلى اقتصاد لغوي صارم يبتعد عن التضخم, مستثمرًا الحواس ببذخ لإخراج التجريد النفسي إلى حيز الملموس؛ الرائحة؛ والقيء، وملمس الصلصال، والنهاية صلابة الدبوس، وعين الأب المتربصة خلف الثقب، كلها عناصر تضافرت لبناء مشهدي سينمائية تقطر رعبًا صامتًا.
وتتوج القصة ذروتها الدرامية بخاتمة صادمة ومحسوبة بعناية، فالانتقال من استخدام الصلصال المهادن إلى استخدام دبوسين اثنين لحسم الأمر, وقد جاء عكس الإغلاق المطلق, كان “ثقب” وبمنطق جوهري هو إغلاق النور عن العين المتسببة منذ البداية بنشأة المتلازمة القائمة عليها بناء القصة..
ويعد هذا حدث قصصي انتقالي, يتسم بالجراءة غير المتوقعة, أراه من ناحية جدية أنه كإعلان عن بلوغ أقصى درجات التحرر, والانتقام الرمزي, وهو نوع مختصر ومكتسب من نهوض العدالة النفسية القصوى, ما جعلت هذا الأثر السردي يغور بعمق في ضيم النفس البشرية, ويشكل جغرافيات الخوف الدفينة.
* ناقد وأديب مصري.
إقرأ أيضًا
قراءة نقدية جمالية لقصة " بيجي" للكاتب " سيد جعيتم"..!! مصطفى العقاد
قراءة في نص" لم يكن يوما استثنائيا" للأديبة جميلة لوقاف ..!! الأديب والناقد الهادي نصيرة
قراءة لحكاية.. من حيث توقفنا للكاتبة الأستاذة عاتكة الياسري!
نحن أبناء الصورة التي صنعها الآخرون..!! حسين مطر
عبد الرحمن بوطيب: الشعر لا يجوز أن يقدم المعنى جاهزا!
إبداع شعري جديد لرضوان فلاحة.. لا حاجة لياء النداء..!!سامر خالد منصور
قراءة لقصيدة "ضاعت بلادي "للدكتور مايكل حمدان ..!! طه عبد الرحمن
الفقر ليس عيبًا.. والشهادة ليست مقياسًا للأخلاق!
الاكثر شهرة
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...
قصة قصيرة: انتظار
قصة قصيرة: انتظار روعة سنوبر* تحرك الحجر الكبير الذي كان كصخرة عنيدة، وراح الكلب منهمكا ي...
مدينتي
مدينتي روعة سنوبر* مدينتي .. لم تكن يوماً لتشبه مدن الأرض في السماء شُيّدَتْ معابدها.. لكن...
كان صديقي!! مها شقرة
كان صديقي!! مها شقرة* كانَ صديقي.. واليومَ كلُّ أحبتي.. وَ نَهلتُ منهُ الحبَّ.. في جوق...