الأثر الأخير..!! عدنان لفته السماوي

الأثر الأخير..!! عدنان لفته السماوي

الأثر الأخير..!!

 

عدنان لفته السماوي*

 

 

 

لم يكن طارق يثق بالذاكرة البشرية، ولهذا أمضى عشرين عاماً يرمم الأشرطة السينمائية القديمة. كان يقول دائماً إن الفيلم لا يجامل أحداً وأن البشر ينسون، أما الشريط فيحتفظ بما رآه أول مرة حتى لو تقشرت ألوانه وامتلأ بالخدوش. لهذا كان يرفض النسخ الرقمية ويعامل كل بكرة فيلم كما لو كانت قطعة من التاريخ لا يجوز أن يطالها التأويل.في إحدى الأمسيات، احتدم نقاش عابر بينه وبين صديق قديم حول جملة شهيرة من فيلم كلاسيكي. كان صديقه يرددها بثقة، مؤكداً أن الجميع يحفظها بالصيغة نفسها، بينما ابتسم طارق وهز رأسه نافياً. لم يكن يحتاج إلى البحث في الإنترنت أو سؤال أحد؛ لقد رمم ذلك الفيلم بنفسه قبل سنوات، وكان يعرف كل إطار فيه تقريباً. عاد إلى منزله، فتح خزانة معدنية صغيرة في غرفة عمله، وأخرج العلبة الأصلية التي احتفظ بها بعيداً عن الرطوبة والضوء. مرر أصابعه فوق الغطاء كما يفعل في كل مرة، ثم ثبت البكرة في جهاز العرض. انتهى الفيلم الجملة التي كان واثقاً منها لم تكن موجودة. أعاد المشهد مرة أخرى.ثم مرة ثالثة

لم يكن هناك أي أثر لها ابتسم ابتسامة مرتبكة، وقال في نفسه إن الذاكرة تخون الجميع في النهاية، حتى من قضى عمره بين الأشرطة لكنه لم يستطع النوم.

مع الفجر، عاد إلى غرفة العمل من جديد. لم يكن يريد استعادة الجملة هذه المرة، بل أراد أن يثبت لنفسه أن كل شيء آخر ما زال في مكانه. أوقف الصورة عند اللقطة الأخيرة تجمد. ربطة عنق البطل لم تعد باللون الذي يتذكره. ظن أن الإضاءة خدعته، فأعاد اللقطة اللون نفسه. أخرج ملصق الفيلم المعلق منذ سنوات على الجدار كان مختلفاً هو الآخر. اسم أحد الممثلين في الشارة الافتتاحية لم يعد كما عرفه طوال حياته وقف يحدق بين الشاشة والملصق، كأن كلاً منهما يكذب على الآخر لم يشعر بالخوف لأن الفيلم تغير.

شعر بالخوف لأن النسخة الأصلية نفسها أصبحت تؤكد أنها كانت هكذا دائماً. قضى بقية النهار يفتش في أرشيفه كلما عثر على نسخة أقدم، وجدها مطابقة للتغيير الجديد . لم يعد هناك دليل واحد يقف إلى جانبه ، في المساء عاد إلى منزله حاملاً صندوقاً من مقتنياته القديمة. أخرج كتاب تاريخ السينما الذي اشتراه أيام الجامعة، وهو كتاب كان قد وضع على هامشه عشرات الملاحظات بقلمه. كان غلاف الكتاب مختلفاً فتحه بسرعة وجد خط يده في مكانه، لكن الملاحظة التي كتبها قبل سنوات أصبحت تشير إلى اسم فيلم لم يسمع به قط ظل يقلب الصفحات بعصبية، حتى سقطت من بينها صورة عائلية قديمة.

رفعها دون اهتمام، ثم عاد ينظر إليها مرة أخرى. تسارع نبضه والده كان يرتدي ساعته في اليد اليمنى.

أقسم أنه لم يفعل ذلك يوماً ولم يصدق عينيه، فأسرع إلى ألبوم الصور. كل الصور أصبحت تعرض الساعة في اليد نفسها جلس على الأرض لأول مرة، لم يعد واثقاً إن كانت ذاكرته تنهار... أم أن العالم هو الذي يعيد كتابة نفسه . في اليوم التالي قصد الجامعة حيث تعمل الدكتورة ليلى، المتخصصة في الإدراك والذاكرة استمعت إليه بصبر لم يتوقعه، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة وهي تشرح كيف يستطيع الدماغ أن يصنع يقيناً كاملاً حول أحداث لم تقع قط، وكيف تتحول الذكريات المتكررة إلى حقائق شخصية يصعب التشكيك بها كان يعرف معظم ما تقوله، لكنه لم يجد جواباً لسؤال واحد لماذا تغيرت الأشياء المادية معه؟

لم تقتنع لكنه قبل أن يغادر، لاحظ شيئاً غريباً. على مكتبها كانت هناك ورقة مطوية، كُتب في أعلاها بخط صغير "إذا بدأت الأشياء تتذكر بدلاً منك... فلا تحاول إقناع أحد" رفع الورقة متعجباً اختطفتها ليلى بسرعة، وحدقت فيها للحظات تغير لون وجهها.

قالت بصوت خافت، كأنها تحدث نفسها: _لا أتذكر أنني كتبت هذه الجملة" في تلك اللحظة فقط، شعر طارق أن الشرخ الذي فتحه الفيلم... بدأ يمتد إلى شخص آخر. خرج طارق من الجامعة دون أن يشعر بثقل قدميه. طوال الطريق كان يعيد في رأسه ما حدث داخل مكتب ليلى. لم تكن الجملة التي وجدها هي ما أقلقه بل نظرة الدهشة التي ارتسمت على وجهها. كانت نظرة شخص اصطدم بشيء يعرف أنه مستحيل، ثم اكتشف أنه يحدث أمامه. في صباح اليوم التالي تلقى اتصالاً منها. لم تبدأ بالاعتذار عن تشكيكها فيه قالت فقط: _تعال ..

وجدها في مكتبها محاطة بكتب وأوراق متناثرة. كانت تحمل بين يديها أول بحث علمي نشرته قبل اثني عشر عاماً، وهو البحث الذي طالما وصفته بأنه البداية الحقيقية لمسيرتها الأكاديمية. ناولته النسخة بصمت قرأ العنوان لم يفهم سبب ارتباكها. فتحت درج مكتبها وأخرجت صورة قديمة من يوم مناقشة البحث. كانت تقف فيها مبتسمة وهي تحمل النسخة نفسها بين يديها. العنوان في الصورة يختلف عن العنوان الموجود أمامه. همست وهي تحدق بين الصورة والبحث:

_ راجعت أرشيف الجامعة... النسخة الإلكترونية... وحتى النسخة التي أرسلتها للمجلة العلمية. كلها تحمل العنوان الجديد .. سكتت لحظة ثم أضافت:

_ حتى المشرف الذي ناقشني أقسم أن هذا هو العنوان الذي اخترناه ..

جلست على كرسيها وكأن الهواء غادر الغرفة.

_ أعرف شعورك الآن .. لم يرد طارق كان ينظر إلى الصورة لم يكن التغيير في الملفات وحدها. الصورة نفسها أعادت كتابة الماضي منذ ذلك اليوم، أصبحا يوثقان كل شيء يلتقطان الصور، يسجلان الملاحظات، ويضعان تواريخ دقيقة لكل تفصيل يلاحظانه كانا يعتقدان أن توثيق الحاضر سيمنعه من التبدل. لكن الواقع كان يسبقهما دائماً في كل صباح، يكتشفان أن الصور التي التقطاها بالأمس أصبحت مختلفة الملاحظات المكتوبة بخط أيديهما تحمل كلمات لم يكتباها. حتى التسجيلات الصوتية أصبحت تتضمن عبارات لم ينطقا بها. لم يعد الأمر يتعلق بالذاكرة كانت المادة نفسها تغير روايتها. بعد أسابيع من المراقبة، ظهرت أول إشارة لم يفهماها داخل أحد المنتديات المهجورة الخاصة بترميم الأفلام، وجد طارق تعليقاً قديماً يعود إلى سنوات، لم يسبق أن رآه رغم أنه كان من أكثر المشاركين نشاطاً فيه كان التعليق يتكون من سطر واحد:

إذا كنت ما زلت تتذكر النسخة الأولى... فلا تتحدث عنها أمام الجميع .. حاول معرفة صاحب الحساب.

كان محذوفاً وفي الليلة نفسها، بينما كان يغادر مقر عمله، مر بجانبه رجل خمسيني توقف للحظة دون أن ينظر إليه وقال بهدوء:

_لا تكتب ما تتذكره... اكتب ما يتغير .. ثم تابع سيره واختفى بين المارة.

ركض طارق خلفه لم يجده، في البداية ظن أن الأمر خدعة، لكن الرسائل بدأت تتكرر ورقة داخل كتاب ،

جملة مكتوبة على زجاج سيارته ثم تختفي. رسالة إلكترونية تصل فارغة إلا من كلمة واحدة: _نراك.

بعد شهر، وصله عنوان لمخزن قديم في أطراف المدينة ذهب مع ليلى كان المكان مهجوراً، تغطيه طبقات الغبار، لكن الكهرباء كانت ما تزال تعمل. في الداخل، لم يجدا مختبراً سرياً ولا أجهزة غامضة كما توقعا. وجدا جداراً كاملاً مغطى بصور صحف قديمة، ونسخاً متعددة من الكتب نفسها، وساعات متوقفة عند أوقات مختلفة، وخرائط عُلقت فوقها مئات الخيوط الحمراء كان هناك عشرات الأشخاص نساء ورجال من أعمار مختلفة. كل واحد منهم يحمل شيئاً تغير بالنسبة إليه وحده. نظر إليهم رجل مسن وقال:

_أهلاً بكم... ظننا أنكما لن تصلا .. أدرك طارق أن هؤلاء هم أصحاب الرسائل لم يسموا أنفسهم منظمة.

ولم يذكروا أسماء حركية. قال أحدهم بهدوء:

_نحن نسمي أنفسنا... المتذكرين ..

لم يشرحوا من يكونون ولم يدّعوا أنهم يعرفون الحقيقة قالوا فقط إن عددهم كان أكبر بكثير، لكن معظمهم، مع مرور الوقت، يبدأ بفقدان ذاكرته الأصلية ويلتحق ببقية الناس. ثم قادهم الرجل المسن إلى غرفة صغيرة في آخر المخزن. كانت الغرفة تضم شاشات قديمة تعمل بصعوبة تعرض خرائط للعالم، وإحصاءات، ورسومات بيانية تتبدل باستمرار. في إحدى الشاشات كان اسم معاهدة تاريخية يختفي ويظهر بصيغ مختلفة وفي شاشة أخرى كانت صور تماثيل شهيرة تتغير أمام أعينهم. قال الرجل:

_لسنا نعرف من يفعل هذا .. وأشار إلى الشاشة.

_لكننا نعرف شيئاً واحداً... صمت قليلاً.

_كل تغيير يبدأ عندما تصبح النسخة الخاطئة هي الأكثر تصديقاً بين الناس .. تبادل طارق وليلى النظرات كانا قد وصلا إلى النتيجة نفسها، لكن سماعها من آخرين جعلها أكثر رعباً لم يعد الخلل حادثة معزولة. لقد أصبح قانوناً يتكرر بصمت. لم يكن أحد في المخزن يدّعي امتلاك الإجابة. كانوا يجتمعون لأنهم يتذكرون، لا لأنهم يفهمون وكلما طال بقاؤهم معاً، ازداد اقتناع طارق بأن ما يجمعهم ليس المعرفة، بل الخوف من اليوم الذي يستيقظون فيه فلا يتذكرون شيئاً مما يتذكرونه الآن. قال الرجل المسن وهو يشير إلى الجدار المزدحم بالصور:

_لا نحاول إثبات أن العالم تغير... نحاول معرفة ما الذي سيتغير غداً .. اقترب طارق من إحدى الخرائط. كانت تحمل عشرات العلامات بالقلم الأحمر، وتواريخ متباعدة. _ما هذه؟

أجاب الرجل:

_أماكن بدأ منها كل تغيير رصدناه.

لم تكن المدن متجاورة ولا يجمعها تاريخ أو لغة أو نظام سياسي. لكنها تشترك في شيء واحد. كل تغيير سبقته موجة هائلة من تكرار معلومة خاطئة، حتى أصبحت هي الحقيقة الوحيدة في أذهان الناس.

سألته ليلى:

_وكأن الواقع ينتظر أن تتفق الأغلبية؟.

هز رأسه ببطء.

_لا نملك دليلاً... لكن كل ما رأيناه يقود إلى ذلك ..

عاد طارق وليلى إلى عملهما وهما يحملان شعوراً ثقيلاً بأن الوقت ينفد، لم يعودا يوثقان الأشياء كما في السابق، بل بدآ يقارنان كل تغيير بما يحدث في وسائل الإعلام ومحركات البحث والكتب المدرسية.

في البداية ظنا أنها مصادفة ثم اختفت المصادفات.

كلما أصبحت رواية معينة أكثر انتشاراً، بدأت آثار الرواية القديمة تتآكل بصمت في أحد الأيام، قرأ طارق خبراً عن معاهدة سلام أنهت حرباً دامية قبل عقود لم يكن الخبر يتحدث عن المعاهدة نفسها، بل عن جدل يدور حول تفاصيلها بعد أسبوع، اختفت بعض الفقرات من المناهج الدراسية. بعد أسبوعين تغيرت اللوحات التعريفية في أحد المتاحف. بعد شهر بدأ مؤرخون يظهرون على شاشات التلفاز ليؤكدوا أن تلك البنود لم تكن موجودة أصلاً. كان الجميع يتحدث بثقة، وحدهما مع المتذكرين كانوا يعلمون أن الثقة لم تعد تعني الحقيقة. ذات مساء دخل طارق إلى قاعة أرشيف وطني كانت تحتفظ بنسخة أصلية من وثيقة توقيع المعاهدة. فتح الموظف الخزانة وقف طارق مشدوهاً. المكان الذي كانت تستقر فيه الوثيقة منذ عشرات السنين أصبح فارغاً. لم يبدُ الموظف مستغرباً

قال ببساطة:

_لم تكن لدينا مثل هذه الوثيقة أصلاً..

خرج طارق وهو يشعر أن الهواء صار أثقل من أن يُتنفس. في الليلة نفسها، اجتمع المتذكرون على عجل. وضع الرجل المسن مجموعة صور على الطاولة. كلها تعود إلى مراسم توقيع المعاهدة. وفي كل صورة كان عدد الموقعين أقل من الصورة التي سبقتها

قال بصوت خافت: _إنها لا تختفي دفعة واحدة... الماضي يعيد كتابة نفسه تدريجياً.. ساد الصمت

ثم أضاف:

_إذا اختفت آخر نسخة... فلن يتذكر أحد أن الحرب انتهت.. لم يكن معنى ذلك اندلاع حرب جديدة. بل ما هو أسوأ سيصبح العالم مقتنعاً بأنها لم تتوقف يوماً.

في الأيام التالية، بدأ كل شيء يتسارع خرائط الحدود تغيرت نصب تذكارية اختفت. كتب التاريخ أعيدت طباعتها بعناوين جديدة. بل إن بعض الجنود المتقاعدين أخذوا يروون معارك لم تحدث قط، بينما نسوا معارك عاشوها بأنفسهم. أما ليلى فقد كانت تراقب تغيراً آخر. بدأ المتذكرون أنفسهم يفقدون يقينهم. أحدهم أقسم أن أول تغيير رآه كان في لوحة فنية. آخر أكد أنه كان في خطاب سياسي. وثالث لم يعد يتذكر لماذا انضم إليهم من الأساس. قالت ليلى بصوت مرتجف: _إذا أصابنا التغيير أيضاً... فلن يبقى شاهد واحد.. في تلك الليلة، قادهم الرجل المسن إلى الطابق السفلي من المخزن، وهو مكان لم يسمح لأحد بدخوله من قبل. خلف باب فولاذي سميك كانت غرفة ضيقة، تتوسطها صفوف من الخوادم القديمة وأجهزة إرسال متوقفة، وأسلاك مقطوعة، وشاشات سوداء تراكم عليها الغبار. لم تكن الأجهزة تعمل لكنها بدت كأن أحداً غادرها على عجل. لم يجدوا شعاراً ولا أسماء. ولا وثائق ولا حتى دليلاً على هوية من أنشأ المكان. كانت هناك ورقة واحدة فقط، عُلقت على الجدار كتب عليها بخط اليد:

حين يصبح الكذب ذاكرة مشتركة... يتكفل الواقع بالباقي. نظر طارق إلى ليلى لم يتبادلا كلمة. ثم اتخذا القرار الوحيد الذي بقي أمامهما دمرا كل ما في الغرفة تحطمت الشاشات. انطفأت آخر الأضواء وساد صمت كامل .في الأيام التالية توقفت التغييرات ، لم تعد الصور تتبدل استقرت الكتب. واختفت الأخبار المتناقضة وللمرة الأولى منذ شهور، شعر طارق أن العالم توقف عن الانزلاق من بين يديه. عاد طارق إلى منزله مع أول خيوط المساء. كانت المدينة تبدو هادئة على نحو لم يألفه منذ بدأت الأحداث، كأنها استيقظت من حمى طويلة، الإشارات المرورية في أماكنها واجهات المحال كما يعرفها، والوجوه التي تعبر الرصيف لا تحمل ذلك الارتباك الخفي الذي صار يقرأه في كل شيء،  توقف بسيارته المرسيدس الفستقية أمام المنزل وبقي لحظة ممسكاً بالمقود للمرة الأولى منذ شهور، لم يشعر بالحاجة إلى تصوير المكان أو تدوين ملاحظة في دفتره اكتفى بالنظر إلى الباب، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال في نفسه إن العالم ربما وجد طريقه أخيراً إلى الاتزان. فتح الباب استقبلته زوجته بابتسامتها التي أعتاد عليها وتذكرها جيدا،

كانت رائحة الطعام تملأ المطبخ، وصوت الملعقة وهي ترتطم بحافة القدر ينساب بإيقاع يعرفه جيداً التفتت إليه قائلة إن العشاء أوشك أن ينضج، وسألته إن كان يومه قد انتهى أخيراً. خلع معطفه وجلس يتحدث معها كما لو أن الأشهر الماضية لم تكن سوى حلم ثقيل، حكى لها عن الفوضى التي عاشها، فضحكت وهي تهز رأسها، قائلة إنه يحتاج إلى إجازة طويلة بعيداً عن الأفلام القديمة وساد الصمت طويلاً، عندما انتهيا من العشاء، جلس في غرفة المعيشة يتأمل رفوف الكتب ومد يده نحو كتاب تاريخ السينما الذي أقلقه قبل أسابيع كان كما يتذكره الغلاف القديم.

العنوان القديم وحتى الملاحظة التي كتبها بخط يده عادت إلى مكانها، أغمض عينيه بارتياح.

رن الهاتف كانت ليلى أجاب مبتسماً. لكنها لم ترد التحية جاء صوتها متردداً، على غير عادته.

_كيف حالك اليوم يا طارق؟ استغرب السؤال

قال إنه بخير، وإن كل شيء عاد إلى طبيعته. ساد صمت قصير.

ثم قالت:

_أردت فقط أن أطمئن عليك... وأجدد تعازيّ في ذكرى وفاة زوجتك. تجمد الدم في عروقه وظل الهاتف ملتصقاً بأذنه، بينما عيناه تتجهان ببطء نحو المطبخ.

كانت زوجته ما تزال هناك تقف أمام القدر. تحرك الملعقة بالإيقاع نفسه كأنها لم تسمع شيئاً.

همس: _ليلى... ماذا تقولين؟" لكن الخط كان قد انقطع نهض مترنحاً اقترب من باب المطبخ. زوجته التفتت إليه وابتسمت. الابتسامة نفسها التي رآها قبل دقائق.

ابتسامة طبيعية مألوفة. ابتسامة لا تشبه الأشباح

تراجع خطوة إلى الخلف ثم اندفع خارج المنزل.

كان المكان الذي أوقف فيه سيارته فارغاً. استدار بعنف وأخذ يركض الى الشارع كمن يبحث عن دليل يثبت أنه ما زال يعرف العالم. بعد بضع خطوات

وجدها. مرسيدسه الفستقية كانت متروكة على جانب الطريق قرب المنزل في الشارع، مقدمتها محطمة تماماً. الزجاج الأمامي مغطى بشقوق عنكبوتية. آثار دم جافة تلطخ المقعد ومقود القيادة. وبالقرب من الباب، كانت اجزاء السيارة متصدة، كأن أحداً لم يقترب من المكان منذ زمن. تذكر الشريط الذي فتح كل شيء حاول أن يستعيد الجملة التي أقسم يوماً أنها حُذفت من الفيلم، لكنه اكتشف أنه لم يعد يعرفها كانت الكلمات تتفلت من ذاكرته كما تفلت الحقيقة من العالم للمرة الأولى، لم يعد واثقاً إن كان قد بدأ رحلته لأنه يتذكر أكثر من الجميع... أم لأنه كان أول من نسي وقف عاجزاً عن الحركة. رفع رأسه نحو منزله. كانت نافذة المطبخ مضاءة وظل يتحرك خلف الستارة.

ظل امرأة تقلب شيئاً داخل قدر خفض بصره إلى السيارة ثم أعاده إلى النافذة للمرة الأولى، لم يعد يبحث عن النسخة الصحيحة. لأنه أدرك أن الحقيقة نفسها ربما لم تعد موجودة. بقي واقفاً بين المنزل والسيارة، لا يعرف أي خطوة تعني النجاة ولا أيهما مجرد أثر أخير لذاكرة رفضت أن تختفي، المرأة التي تنتظره في الداخل... أم السيارة التي تؤكد أنه لم يعد إليها أبداً

 

 

* كاتب ومخرج عراقي.

 

 


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...