الثنائيات السيميائية لقصة "حذاء انجليزي"!
سمير لوبه.. أحمد بيضون
الثنائيات السيميائية لقصة "حذاء انجليزي"!
أحمد فاروق بيضون*
الثنائيات السيميائية والبارادوكسية (المُفارقة) لدلالة "الحذاء" وعقدة الظهور في ترسيم شخصية بطولية كمُعادل موضوعي والواقعية السحريَّة، يتحفُنا (حذاء انجليزي) للقاص السكندري سمير لوبه من مجموعته القصصية (أنثى مثل حبة التوت) الصادرة عام2025:
ربما تتبدَّر العتَبة الاستهلالية بعنونة تستجدي صورة ذهنية لهذا الحذاء الانجليزي لما ستؤول إليه الأحداث المتفصلة حوله، يسمُ القاص تحفته السردية بتمهيد مشوق ومشهدية فائقة لتجليات الأمكنة والبيئة المحيطة براويه السارد العليم الذي يحكي قصة (حمدان) الفلاح الناجع البسيط القاطن بإحدى قرى مصر النائية، لما استلهم عدسة كاميرا على مُد البصر لتصور نهاراً يتثاءب ودغدغات شتاء يعم الليل وصيف يرمضُ قيظا، حتى حلت اللقطة على ظل شجرة عجوز، وكأنه يريد أن يخبرنا بأن عالمه وكونه الكوزميّ المصغر يئن وتتألب عناصره مع ذاك الراقد الذي يربد في حذر وينصِّب الأحداق على تلك الأحذية التي تتدب في الأرض بوثوق وثبات، لتتأرجح أحلامه بين (جوع وجوديّ وحُلم واجب التحقق)، ذاك الفقيربين وخذ الحصى والأشواك يسكن تحت سقف متآكل ينفذ من البرد كطعنة خناجر تتلذ بسياطين سطوتها وقهرها معللِّة ثيمة (الخوف) المسيطرة المهيمنة التي أزهقت كل بيّنة تعضد من الحق في رغد العيش بمنأى عن ملابس رثة مهلهلة تغطي أجساداً نالت منها أخاديد الدهر الراسف المثخن بألوان الألم، في مقابل عينين تلمعان بالأمل في الحصول والحظوة بشراء هذا الحذاء المؤسطر بين واقعه ومُتخيله، لكن استدراك الحلم بات وشيكاً بعدما ادخر القطع النقدية اللازمة ليشري هذا الحذاء الذي (احتلَّ) عالمه واستبدّ بمباهج الحياة من أجل ذاك القَدْر من فرط السعادة، إذاً فالسيميائية الرمزية المهيمنة في عالم (حمدان قُبيل امتلاك الحذاء) ترتكز بين مدلولات (الحُلم / مرارة وغصة الواقع ) (القهر والقمع/ التوق للظهور والانعتاق)، ومن ثمَّ يتجذر تأطير السيميائية في دلالة هذا الصراع الوجودي بعد كل التضحيات التي تكبدها ذاك الكنود الكؤود (حمدان) الذي سار لمدة يومين كاملين على الأقدام ليصل إلى مبتغاه الذي يدنو منه ليتلبَّسه بكينونة أخرى (حمدان ما بعد ارتداء الحذاء)، لما تبدّت ثنائية (الخوف/الجسارة) (المملكة / المهلَكة)، يحدث نوع من (اضطراب ما بعد الصدمة) وكأنه (لم يجرؤ) يوماً على ارتدائه، فتكرار (لم يجرؤ) تبرهن ذاك الزاجر أو موروث وجودي يتأصل في نفس (حمدان) الذي يرتجي في قرارة ضميره ويمني النفس بأنه سيصبح سيداً ذو وجاهة وسينال الكرامات والتبريكات بين قومه، لكنّه تناسى بأن تلك اليد التي يمجُل بها الطين لم تعتد ملمس الحذاء، وهنا – تتطاير الشائعات والقيل والقال من أحقاد وحنق يستشرى بين أخدانه ورفاقه باتهامات وتلفيقات بأنه ربما قتل انجليزياً وانتشل حذاءه أو سرق ثرياً أو وجده ككنز دفين، وإذا بثنائية أخرى تلهب الصورة وتستحث إيقاعاً لعالم جمدان الجديد (العطش والتصحر الوجودي/الرواء) (الموت/الحياة)؛ كأن الحذاء يحمل مباعث الحياة من جديد ويروي الجدب وقفار الأكوان، يتأجج الصراع الخارجي بظهور (عليوة) الذي يرمز للتآمر والغدر والخيانة ومصدر الشرور من بني جلدة حمدان، ليصرعه بفأسه في تمشهُد معركة تم أسطرتها، تنتهي بنذير شؤم ووبال يحط على تلك القرية وإحباط مطامع عليوة الذي استيقن بأنه هالك لا محالة بعد الخلاص من حمدان، ليدفن معه الحذاء فتثوي الضحيَّة إلى جوار تحفتها أسفل الترعة، ما عاد سوى الأنين الحزين بليال باردة لكل من يقترب لأطراف القرية حيثما تمت الجريمة الشنيعة، ثنائية (الحقيقة الدامغة/الخرافات والماورائيات) عرشت في أذهان السكان هناك بأنهم يسمعون أصواتا مرعبة هنالك أو يبصرون أثاراً لأقدام حافية تظهر فجأة ثم تختفي، وكأن القاص يتحفنا بمشهد بين الأسطورة والنيكرومانسي (استحضار الروح)، وبعد انقضاء برهة ينبري جثمان (حمدان) المسجي الذي يجحظ عينيه وكأنه يبصر (مُعجزة) تلوح أمامه بعدما برق البصر وذهب وئيده والتفت الساق بالساق، أتُراه الحذاء الانجليزي؟! ضجيج وضبابية لمسرح الواقع عند عتبة النهاية المؤلمة، لكن مازادها إثارة وتشويقاً ودهشة هو أن الجميع في تلك المناحي بات يسير (حافياً) خوفاً من تلك اللعنة، وكأن كل من ينتعل حذاءً آنذاك سيكون قاب قوسين أو أدنى من مصير (حمدان).
ما أجمل البدايات والنهايات في تلك السردية القصصية الرائقة الماتعة، نهنئ أنفسنا والقاص المبدع في لغته ومشهديته وأسلوبه الرشيق الرقراق وإيقاعه المنساب في ترسيم عوالم شخوصه، ناهيك عن الجمال الأدبي المتمحور في تلك التجربة الانسانية الواقعية، وذاك المزيج بين الكلاسكيات والمعاصرة في نسيج إبداعه المحكم الرصين، الأروع ترابط الحدث ومنمنمات الصراع وتبئير نقاط الضوء ومفارقة الخاتمة البديعة، لمزيد من العطاء والابهار والريادة في فرادة ذاك المنحنى السردي.
قصة حذاء انجليزي:
بقلم سمير لوبه
يتثاءب النهار في قريةٍ مصريةٍ نائيةٍ، تتمدد البيوت الطينية على الأرض تئن تحت ثقل السنين، وتتراكم فوق جدرانها ندوب الشتاء القاسي والصيف القائظ، في ظل شجرةٍ عجوزٍ على أطراف القرية، فلاحٌ فقيرٌ ممدد تحتها، حافي القدمين، يحدق في الأفق بعينين أنهكهما الجوع والحلم، وفجأةً تمرُّ أورطة من عساكر الإنجليز، وخطوات العساكر ترسم على التراب إيقاعًا صارمًا، لكن ما خطف بصره لم تكن البنادق ولا الأزياء العسكرية، إنما تلك الأحذية ذات الرقبة العالية، المصنوعة من جلدٍ متينٍ، التي تدوس الأرض بكل ثقةٍ .
منذ تلك اللحظة، صار ذاك الحذاء الإنجليزي حلمًا يسكنه مثل عفريت من الجن، أو كبذرةٍ انغرست في قلبه لا تكفّ عن النمو، يطارده حلم امتلاك الحذاء الإنجليزي في نومه، يوقظه في منتصف الليل وهو يتحسس قدميه العاريتين، فيشعر بوخز الحصى والأشواك حتى في الأحلام.
قرر حمدان أن يحصل على الحذاء، ولو كان الثمن جوعه وعريه، بدأ يقتصد في طعامه، يكتفي بوجبة واحدة، وأيامًا كثيرة كان يصوم أو يقتات من خشاش الأرض، يلتقط ما يجده من بقايا الحقول، غرفته الطينية التي لم تكن أكثر من أربعة جدران متداعية وسقف متآكل ينفذ منه البرد كطعن خنجر زادت قسوة، لكن عينيه تلمعان بالأمل كلما تحسس بيديه القطع النقدية التي خبأها تحت جلده.
مرَّ عامٌ وأكثر، والمال يلتصق بجسده، يتعرق معه في حر الصيف، ويبرد معه في زمهرير الشتاء.. وأخيرًا، حانت اللحظة المنتظرة.
حمل حمدان ماله، وسار بمحاذاة قضبان القطار، متجهًا إلى المدينة التي لم يرها إلا في قصص العائدين منها، مشى يومين كاملين، قدماه المشققتان تئنّان تحت وطأة الطريق، وعيناه مشدودتان إلى الأفق حيث يتراءى له حلمه كوميضٍ لامعٍ. تبهره المدينة يتلفت حوله يتحسس ماله حتى وصل إلى متجر أحذيةٍ، وقف حمدان أمام البائع بملابسه الرثة ووجهه الذي خطَّ عليه الزمن أخاديده، أخرج المال من تحت جلبابه، فتراجعت يد البائع للحظة متعجبًا، لكنه عدَّ النقود، ولفَّ له الحذاء بعناية، كأنما يسلمه كنزًا ثمينًا. خرج حمدان من المتجر، والحذاء بين يديه، يضغط عليها كأنما يخشى أن يفلت منه، قلبه يخفق بسرعة من فرط الفرح، لم يجرؤ على ارتدائه، خشية أن تتسخ نعاله قبل أن يصل إلى القرية، فعاد ماشيًا رغم إرهاقه، كأنما يريد أن يجعل الرحلة جزءًا من بهجة الإنجاز.
عندما وصل إلى قريته، جلس على الأرض، وسط العيون التي اتسعت دهشة، وأخرج الحذاء، أصابعه التي اعتادت ملمس الطين والتراب ارتجفت أثناء ارتداء الحذاء، لأول مرة يرتدي حذاءً يشعر بعالمٍ آخر، عالم من النشوة والقوة، عالم الذين يمشون ورؤوسهم مرفوعة.
لم يصدق الناس ما يرون، وتطايرت الشائعات حول حمدان؛ يقول بعضهم قتل إنجليزيًّا وأخذ حذاءه، ويقسم آخرون أنه سرقه من أحد الأغنياء، بينما يصيح آخرون لعله وجد دفينة، أما هو، فلم يكن يسمع شيئًا، فقط يمشي وحذاؤه يدق على الأرض، تروي خطاه لتراب الأرض قصة انتصاره، لم يدرك أن تحقيق الحلم له ثمنٌ أغلى من المال، وفي ليلةٍ حالكةٍ عند أطراف القرية انقضَّ عليه عليوة بفأسٍ، بعد أن رفض حمدان أن يعيره الحذاء، ولم يكن مستعدًّا لأن يتركه له مهما حدث، دافع حمدان بكل قوته، دفاعًا عن حذائه، تشبث بحلمه كما تشبث بروحه، لكن الفأس سقطت على رأسه مرةً وأخرى فخمدت أنفاسه، حتى لحظاته الأخيرة لم يفلت الحذاء من يده، وقف عليوة يلهث، ينظر إلى الجثة ثم إلى الحذاء، يعلم أن الجميع يعرف حذاء حمدان، وأن هذا الحذاء لا شك سيقوده إلى المشنقة؛ أخذ الحذاء، وربطه بحجرٍ ثقيلٍ، ثم ألقى به في الترعة؛ ليغوص إلى القاع، وترك الجثة لتراب الطرق..
منذ تلك الليلة المشؤومة، لم تعد القرية كما كانت، رفضت روح حمدان المدفون في التراب أن تهدأ، أهل القرية يتهامسون في الخفاء، تؤكد حكاياتهم أن شبحه لا يزال يجوب الطرقات، يبحث عن حذائه المسروق، لم يجرؤ أحدٌ على الحديث بينما انتشرت القصص كالنار في الهشيم، أي شخصٍ يرتدي حذاءً، أي حذاءٍ، يشعر بخطواتٍ تتبعه ليلًا، يسمع همسًا خلفه، وأحيانًا يرى ظلًا شاحبًا عند أطراف القرية، يقترب ثم يختفي بين الأشجار، البعض يقسم أنه سمع أنينًا حزينًا في الليالي الباردة، وآخرون يؤكدون أنهم رأوا آثار أقدامٍ حافيةٍ تظهر فجأةً في الطين، رغم عدم وجود إنسانٍ في المكان، يزعجهم صراخ عليوة الذي صار بين ليلةٍ وضحاها شاحب الوجه، يجري حافيًا في طرقات القرية، مذعور العينين، ينام ويستيقظ فزعًا، وفي ليلةٍ لم يطلع عليها فجرٌ، وجدوه غارقًا في الترعة، وعيناه مفتوحتان على اتساعهما، كأنما رأى شيئًا أفقده عقله، يحتضن حذاء حمدان الإنجليزي، ومنذ ذلك الحين صارت القرية كلها تمشي حافية القدمين خوفًا من لعنة الحذاء.
*كاتب مصري.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
قصيدة شمير للشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
تورية قصيدة يكتبها الدكتور الشاعر عبد الولي الشميري
ثرثارة قصيدة كتبها الدكتور عبد الولي الشميري
زوري قُبَيْلَ الفَجْر قصيدة للدكتور الشاعر عبد الولي الشميري
شادن البحرين قصيدة للدكتور عبد الولي الشميري
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...