بين الذاكرة والمدينة.. تفرد معاني سليمان أوراق "نهاية الرحلة!! كوثر جعفر

بين الذاكرة والمدينة.. تفرد معاني سليمان أوراق

 

بين الذاكرة والمدينة.. تفرد معاني سليمان أوراق "نهاية الرحلة!!

 

كوثر جعفر*

 

معاني سليمان كاتبة تمتلك حضورًا لغويًا واضحًا، تتعامل مع الحروف وكأنها مادة حيّة قابلة لإعادة التشكيل، فتمنح النصوص روحًا خاصة تبقي القارئ بين الدهشة والتأمل. تتميز بأسلوب أدبي يحمل بصمة واضحة، وبقدرة على اختيار أفكارها بعناية، بما يعكس حسًا سرديًا واعيًا. كما يظهر في كتاباتها شغفٌ ملحوظ بالكتابة، ورغبة دائمة في اقتحام عوالم إنسانية ورمزية متعددة، تجعل من تجربتها مساحة مفتوحة على القراءة والتأويل.

 

*كاتبة سورية نُشرت لها مجموعة قصصية بعنوان (إذا غنى القمر) صادرة عن دار ببلومانيا للنشر والتوزيع.

*رواية بعنوان( أسرار المدينة)صادرة عن دار الرضا للنشر والتوزيع.

*مجموعة قصصية بعنوان (نهاية الرحلة) عن دار ديوان العرب للنشر والتوزيع

*عدة مقالات وقصص متفرقة في الصحف والجرائد والمجلات.

*حائزة على المركز الثاني في مسابقة الاتحاد الدولي للمثقفين العرب في القصة القصيرة سنة ٢٠٢٥.

 

 

 كيف أثّر الاغتراب والحرب والعودة إلى الوطن على تجربتك الكتابية؟

 الحرب في سوريا، بمآسيها التي لا تُحصى، تركت أثرها المباشر فيَّ وفي كل ما أكتب. لكن ما يشغلني حقاً ليس ضجيج الأحداث، بل الإنسان في قلب هذه الفوضى؛ مشاعره المتشظية، خوفه العميق، انكساراته الصامتة. فلا أكتب الوقائع المجردة بقدر ما أكتب أثرها الخفي على الروح. لذا، أحاول أن أُبقي ذهني بعيداً عن ضجيج الخراب اليومي، ليس هروباً من الواقع، بل حرصاً على تلك المساحة الهادئة التي تنبت منها الكتابة. وفي النهاية، كل ما أرجوه حقاً هو أن يعم السلام، وأن يجد هذا الإنسان، في خضم هذه العتمة، شيئاً من الأمان الذي يستحقه.

 

هل يمكن للمبدع أن يكتسب اعترافًا أدبيًا حقيقيًا عبر منصات التواصل فقط دون دور النشر أو النقد الأكاديمي؟

سؤالٌ مهمٌّ جدًّا. لا أحدَ ينكرُ أنَّ فيسبوكَ ووسائلَ التواصلِ الاجتماعيِّ عمومًا تمنحُ الكاتبَ مساحةً واسعةً للانتشار، وتفتحُ له طريقًا مباشرًا إلى القارئ. فمن خلالها يتعرَّفُ على أذواقٍ متنوِّعة، ويستمعُ إلى آراءٍ مختلفة، ويتبادلُ الخبرات، وكلُّ هذا يُثرِي تجربتَه، ويجعلُ كتابَته أكثرَ وعيًا وحضورًا.

لكنَّ الاعترافَ الأدبيَّ لا تمنحه المنصات بل هو شيءٌ يكسبُه قلمُ الكاتب، وجهدُه، وعملُه الدؤوب.

 

 هل تحررت الكاتبة المرأة من القيود التي كانت تواجهها؟ وهل تكتبين اليوم بحرية كاملة؟

الكاتبةُ، مثلَ سائرِ النساءِ في مجتمعِها، تمارسُ عليها قيودُ المجتمعِ بكثافةٍ. لكنَّها اختارتْ أنْ تكسرَ بقلمِها جدرانَ الخوفِ والصمتِ، وأنْ تكتبَ عن تلكَ القيودِ بجرأةٍ.

أنا شخصيًّا أحاولُ أنْ أكسرَ هذهِ القيودَ، وأنْ أكونَ صوتًا للنساءِ والضعفاءِ الذينَ لا صوتَ لهم. وهذا هوَ السببُ الأولُ الذي دفعَني إلى الكتابةِ منذُ البداية.

 

 ما أبرز المعوقات التي تواجه الكاتب؟ وإلى ماذا يحتاج ليكون دوره أكثر فاعلية؟

 أبرزُ المعوِّقاتِ التي تواجهُ الكاتبَ هي: ضعفُ الانتشارِ، وضيقُ الوقتِ المتاحِ للكتابةِ، وطبيعةُ البيئةِ المحيطةِ التي قد لا تكونُ حاضنةً للإبداعِ بالقدرِ الكافي.

ولكي يكونَ دورُه أكثرَ فاعليةً، يحتاجُ الكاتبُ إلى الدعمِ المعنويِّ، والتشجيعِ المستمرِّ، والأهمِّ من ذلكَ إلى مساحةٍ أوسعَ من الانتشارِ، تمنحُ صوتَه فرصةً حقيقيةً لأنْ يصلَ إلى أكبرِ عددٍ ممكنٍ من القرَّاء

 

 بعد مرور الوقت، كيف تنظرين اليوم إلى تجربتك الأولى «إذا غنّى القمر»؟ وما الذي تغيّر في رؤيتك لها؟

 (إذا غنَّى القمر) كانتْ محطَّتي الأولى في عالمِ الكتابةِ، وكُنتُ حينَها لا أزالُ في مرحلةِ التجريبِ، أحاولُ أنْ أكتشفَ طريقي، وأنْ أعرفَ أيَّ خطٍّ ينبغي أنْ أسلكَ.

لكنَّني لا أزالُ حتَّى اليومَ أفخرُ بتلكَ التجربةِ وأعتزُّ بها؛ لأنَّها كانتِ الخطوةَ الأولى التي لو لم تكن لما كانَتْ لي خطواتٌ بعدُها.

 

 في روايتك «أسرار المدينة»، لماذا اخترتِ مدينة الإسكندرية كفضاء للأحداث؟

*الإسكندريةُ ليستْ مجرَّدَ مدينةٍ في روايتي، إنَّها مدينةٌ تاريخيَّةٌ عريقةٌ، لها سحرٌ خاصٌّ يجعلُها تبدو وكأنَّها هاربةٌ من إحدى الحكاياتِ القديمةِ.

 الحقيقةَ أنَّها هي من اختارتني كمسرحٍ للحدثِ، لا أنا من اخترتُها. كنتُ أشعرُ وكأنَّها تهمسُ لي بأسرارها لتكونَ جزءًا منَ الروايةِ.

 

 

كيف ظهرت فكرة إدخال شخصيات تاريخية داخل النص، وما الهدف من حضور شخصيات مثل نجيب محفوظ وعبد الحليم وشادية في الرواية؟

حضور الشخصيات التاريخية في الرواية، جاءَ كفعلِ وفاءٍ وشكرٍ لمن أسهموا في تشكيلِ وجدانِنا الفنيِّ والأدبيِّ وكانوا علاماتٌ مضيئةٌ في مسيرتِنا الثقافيةِ.

 حضورهم جاءَ ليكونَ مرآةً تعكسُ رحلةَ البطلةِ المستمرةَ في البحثِ عن نفسِها. ففي لقاءاتِها بهم، تكتشفُ البطلةُ أجزاءً من ذاتِها، ويكونوا حلقة وصل بين حلمِها وواقعِها

 

لماذا اخترتِ أسلوب الفانتازيا في الرواية، وكيف بدأت فكرة العمل لديك؟

الفانتازيا،  هي تعبيرٌ رمزيٌّ للواقع، وانعكاسٌ له، وإنْ غلفت بالخيالِ.

أمَّا فكرةُ العملِ، فبدأتْ من حلمٍ كانَ يتكرر باستمرارٍ، يحملُ داخله صورًا ومشاهدَ غامضةً.  بسبب ذلكَ الحلمِ، ابتكرتُ شخصيةَ (مريم)، وخلقت لها عالم وحياة و جعلتُها مَن تخوضُ تلكَ المغامرةَ بدلاً عنِّي، وكأنَّها امتدادٌ لي في عوالمَ أخرى.

 

 ما الفكرة التي تجمع نصوص مجموعة «نهاية الرحلة»؟

الفكرة الجامعة لمجموعة «نهاية الرحلة» هي المواجهة مع لحظة الحقيقة في حياة الإنسان، بغض النظر عن السياق. كل قصة، على تنوعها النفسي والاجتماعي والبوليسي والرومانسي، تصور شخصيات تقف على حافة التحول أو السقوط أو الانكشاف.

 

كيف اختلفت هذه المجموعة عن «إذا غنّى القمر» من حيث اللغة أو البناء؟

في «إذا غنّى القمر»، كانت الكتابة من داخل الحدث، حيث العاطفة المتدفقة والمشاعر الجياشة هي المحرك الأساسي. اللغة هناك كانت بسيطة وشاعرية

أما في «نهاية الرحلة» لم أنقل المشاعر مباشرة بل اخترت أن أقف على عتبة الحدث، أن أركز على ما وراء الصمت. اللغة هناك أكثر كثافة وتعقيد، لأنها تحاول التعبير عن الصراع الداخلي الصامت.

 

 كيف تبنين السرد الهادئ في قصصك حتى يصل في النهاية إلى لحظة صدمة، وهل الصدمة في نهايات نصوصك عنصر جمالي أم وسيلة لكسر توقع القارئ؟

 أحب أن أضلل القارئ قليلاً، مع أنني أضع له بعض العلامات التحذيرية، أن أزرع الشك في نفسه، فلا يدري في أي منحى ستسير القصة، لكنه يستمتع بها ويعيش معها مغامرة فريدة،

الصدمة لكسر توقع القارئ ومنحه إحساس التشويق وكأنه خاض مغامرة ممتعة

 

 كيف تقيمين تجربتك مع النقد الأدبي؟ وهل شعرتِ أن أعمالك لقيت قراءة نقدية منصفة؟

  أنا سعيدة بأن هناك من أحب نصوصي وتحمس لها لدرجة كتابة نقد عنها.

 القراءات النقدية لأعمالي كانت عميقة ومنصفة، وأعادت إحياء النص وأظهرت ما خفي منه

 

 هل تعتقدين أن المشهد الأدبي في العالم العربي يفتقر إلى حركة نقدية فاعلة؟

النقد هو الجسر الذي يصل بين الكاتب وقارئه، وهو الوسيلة الأعمق لفهم النص وتذوقه. لكني أعتقد أن المشهد الأدبي في العالم العربي يعاني بالفعل من غياب حركة نقدية فاعلة ومنتظمة بالحجم الذي يليق بما يُنتج من إبداع.

 

هل تفكرين يومًا بكتابة سيرتك الذاتية، وهل تميلين إلى تقديم صورة مثالية عن نفسك فيها أم أقرب إلى الصراحة كما هي؟

السيرة الذاتية، تظل عرضة للتجميل و محاولة إظهار المثالية . القارئ الذي يقرأ لي سيجدني هناك، بين سطور كلماتي فأنا أضع كل مشاعري في شخصياتي، لذا أنا ألهم قرائي من خلال كتابتي، ومن خلال عوالم أخلقها لا من خلال حياتي اليومية.

 

هل تتورطين عاطفيًا مع شخصياتك أثناء الكتابة، مثل الحب أو اللا حب ؟

أعطي الشخصية من مشاعري من روحي ليس من الضروري أن أمر بما تمر به الشخصية لكن مشاعرنا واحدة.

 

 بين الأمس واليوم، ماذا تقولين للطفلة التي كانتها الكاتبة معاني؟

سأخبرها أنني نسجت قصص وحكايات من ذلك الصندوق الذي كانت تخبئ فيه سحر العالم ودهشته ..صندوق الذاكرة.

 

إذا أتيحت لكِ فرصة مقابلة شخصية مؤثرة، من تختارين؟ وما الرسالة التي تودّين توجيهها لها؟

أتمنى لو أتيحت لي فرصة اللقاء بواحد من عباقرة الأدب الروسي، مثل دوستويفسكي، تولستوي، أو تشيخوف

سأقول لهم: أنا فخورة بكل ما كتبتم، وبكل ما منحتموه للأدب والإنسانية. أعمالكم لم تكن مجرد حكايات تُقرأ وتُنسى، بل أصبحت أصداءً تتردد في ذاكرتنا، شكراً لأنكم جعلتم الأدب حياة للروح ومرآة للإنسان  ذكراكم ليست مجرد ماضٍ، بل حاضر نعيشه بامتنان.

 

 تنقلتِ بين محطات ومدن مختلفة، كيف تبدو سوريا في ذاكرتك اليوم؟

أشعر بسعادة وفخر وأنا أنظر إلى سوريا الجديدة اليوم. سوريا التي كانت رماداً، تنهض الآن من تحت الركام، وتصنع حاضراً يليق بتاريخها العريق وبهمة أبنائها الذين لم يستسلموا يوماً.

 

 ما الذي تبقّى لكِ أن تقوليّه ولم يُقل بعد؟

أود أن أوجه شكري العميق إلى الأستاذة الغالية والأخت المقربة كوثر جعفر، على الحوار الشيق محاور، وعلى إتاحة هذه الفرصة الثمينة لأتحدث بصوتي وكلماتي

كما لا يفوتني أن أشكر منصة "فن ومدن" على استضافتها لي، وعلى دعمها المتواصل للأدب والأدباء.

 

*كاتبة سورية/ حلب.

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

مارتن لينغز.. الإنجليزي الذي كتب السيرة النبوية بعيون المحب..!! د. تمام كيلاني

مارتن لينغز.. الإنجليزي الذي كتب السيرة النبوية بعيون المحب..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

قراءة أديبة لثلاثية القصة القصيرة جداً (حفاة المدن، قوس قزح، صمت المحراب) للقاصة إلهام عيسى!

قراءة أديبة لثلاثية القصة القصيرة جداً (حفاة المدن، قوس قزح، صمت المحراب) للقاصة إلهام عيسى!
بوابة دمشق

آنه ماري شمل.. المستشرقة الألمانية التي أحبت الإسلام وأنصفت حضارته!!

آنه ماري شمل.. المستشرقة الألمانية التي أحبت الإسلام وأنصفت حضارته!!
بوابة دمشق

سرديات الأنا: السيرة الذاتية مثالاً!!

سرديات الأنا: السيرة الذاتية مثالاً!!
بوابة دمشق

مارسيل بوازار.. الدبلوماسي السويسري الذي اكتشف إنسانية الإسلام..!! د. تمام كيلاني

مارسيل بوازار.. الدبلوماسي السويسري الذي اكتشف إنسانية الإسلام..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

مراد هوفمان.. الدبلوماسي الألماني الذي وجد في الإسلام جوابًا لأسئلة الغرب..!! د. تمام كيلاني

مراد هوفمان.. الدبلوماسي الألماني الذي وجد في الإسلام جوابًا لأسئلة الغرب..!! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

تابعونا


جارٍ التحميل...