تباهت القرعة بجدايل أختها!

تباهت القرعة بجدايل أختها!

 

تباهت القرعة بجدايل أختها!

 

عبدالكريم العفيدلي*


هناك موعد عالمي لا تخطئه الذاكرة العربية: موعد البطولة التي نستعد لها أكثر مما نستعد لمشاريعنا، ونحفظ أسماء لاعبيها أكثر مما نحفظ أسماء علمائنا، ونختلف على تشكيلاتها أكثر مما نختلف على خطط نهضتنا.
يبدأ كأس العالم، فتحدث حالة استنفار عاطفي عجيبة. فجأة يصبح الجميع خبراء في الكرة، وتتحول المقاهي إلى غرف عمليات، ويظهر في كل حي مدربون استراتيجيون لم تكتشفهم الأندية الكبرى بعد. تُرفع الأعلام، وتُطلق التوقعات، وتبدأ المعارك الكبرى... ثم تنتهي مشاركة منتخباتنا بسرعة تجعلنا نحتاج إلى إعادة ترتيب مشاعرنا قبل ترتيب حقائب اللاعبين.
لكن لا بأس، فلدينا حل سحري: إذا خرج منتخبنا، نبحث عن منتخب آخر نحمله على أكتافنا. نمنحه لقب "نحن"، ونعيش انتصاراته، ونغضب من خساراته، ونشعر أن الكأس لو وصلت إليه فإنها ستجد طريقها بطريقة ما إلى خزائننا.
وهنا يبتسم المثل الشعبي : "تباهت القرعة بجدايل أختها."
فالقرعة لم يكن لديها ما تتباهى به، فاستعارت جدائل أختها وخرجت أمام الناس بكامل الثقة. وكذلك نفعل أحياناً ، نفتخر بما صنعه غيرنا، ونرفع أعلاماً لم تُنسج في مصانعنا، ونحتفل بكؤوس لم نلمسها إلا عبر شاشات التلفاز.
المفارقة الأكثر طرافة أن بعضنا يستطيع خلال تسعين دقيقة أن يتحول من ناقد شرس لدولة ما إلى مشجع متحمس لمنتخبها. ينسى التاريخ والسياسة والخلافات، فالمهاجم سجل هدفاً جميلاً ، والمدافع قدم مباراة رائعة، وكأن الكرة قادرة على تنظيف الذاكرة أكثر من أي اعتذار أو مراجعة.
إنها كوميديا الواقع: شخص يقضي سنوات في الحديث عن استقلال القرار، ثم يقضي ليلة كاملة متعلقاً بقرار حكم في مباراة لا تخص بلده. يرفض هيمنة الآخرين، لكنه يعرف أسماء لاعبيهم أكثر مما يعرف أسماء نجوم بلاده. ينتقد تقدمهم، ثم يحتفل بإنجازاتهم وكأنه مساهم في المشروع.
المشكلة ليست في أن نشجع من نحب ، فالعالم كله يفعل ذلك. المشكلة في أن يتحول التشجيع إلى بديل عن الفعل، وأن يصبح دورنا الدائم هو الجلوس في المدرجات والتصفيق للذين يلعبون، بدل أن ننزل نحن إلى الملعب.
والسؤال الذي قد يفسد بعض الحماس: لو وصل منتخب عربي إلى النهائي، هل سيجلس العالم كله ليحمل أعلامه؟ هل ستنقسم المقاهي في عواصمهم دفاعاً عنه؟ أم أن كل أمة تعرف جيداً أن المجد الحقيقي هو ما تصنعه بنفسها؟
حتى ذلك اليوم، سنبقى ننتظر البطولة القادمة، نجهز الأعلام، ونختار منتخباً جديداً ، ونردد بكل ثقة: "لقد فزنا"... ثم نعود لنتذكر أن الفوز كان لهم، وأن دورنا كان فقط التصفيق.
تباهت القرعة بجدايل أختها... لكن العالم لا يسأل القرعة عن جدائل غيرها، بل يسألها: أين جدائلك أنت؟

 

*كاتب وشاعر سوري/ الرقة.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

د. منصور إسكوديرو.. من رحلة البحث عن المعنى إلى بناء الحضور الإسلامي في إسبانيا!

د. منصور إسكوديرو.. من رحلة البحث عن المعنى إلى بناء الحضور الإسلامي في إسبانيا!
الثقافة والأدب

قراءة لقصيدة – مراسم الفقد – للأستاذ الشاعر طاهر ..!! طه عبد الرحمن

قراءة لقصيدة – مراسم الفقد – للأستاذ الشاعر طاهر ..!! طه عبد الرحمن
الثقافة والأدب

رحيل إبراهيم الأخرس.. انطفاء وتر الرقة الأصيل!!

رحيل إبراهيم الأخرس.. انطفاء وتر الرقة الأصيل!!
الثقافة والأدب

دراسة نقدية في جدلية المكان والزمان وبلاغة التيه لقصيدة سكة الضور للكاتبة روعة سنوبر..!! طه عبد الرحمن

دراسة نقدية في جدلية المكان والزمان وبلاغة التيه لقصيدة سكة الضور للكاتبة روعة سنوبر..!! طه عبد الرحمن
الثقافة والأدب

الإيحاء في أدب القصة السودانية..!! انس بابكر محمد

الإيحاء في أدب القصة السودانية..!! انس بابكر محمد
الثقافة والأدب

قراءة في جمالية الانهيار الرمزي في قصيدة "احتمالات" للشاعرة السورية: روعة سنوبر..!! سعيد محتال

قراءة في جمالية الانهيار الرمزي في قصيدة "احتمالات" للشاعرة السورية: روعة سنوبر..!! سعيد محتال


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...